في
اليمن كما في
السودان قبلها، صنعت
الإمارات ووكلاؤها
رواية مضللة للحرب الجارية في البلدين، فالحرب هنا وهناك هي في مواجهة كتائب
الإخوان، الممثلة في الجيش السوداني نفسه باعتباره جيشا إخوانيا، أو ضد قوات
الإخوان في اليمن، والتي هي القوات الحكومية، ورئيسها الأعلى هو رئيس مجلس القيادة
اليمني رشاد العليمي. تستهدف الإمارات من تسويق هذه الرواية إحداث شروخات داخلية
في هذين القُُطرين من ناحية، ومحاولة كسب تعاطف دولي خاصة من الدول المهووسة بظاهرة
"الإسلاموفوبيا" من ناحية ثانية.
بالغت الإمارات ووكلاؤها في ترديد هذه السردية المضللة، إلى
الدرجة التي تسببت في انقلاب الرأي العام ضدها داخل الدولتين، بل إن حليفتها
الكبرى المملكة العربية
السعودية، والتي لطالما رددت معها هذه الأسطوانة، أفاقت
أخيرا إلى هذه الورطة التي ورطتها فيها الإمارات، ودفعتها لتبني سياسات ومواقف
خاطئة كانت نتيجتها الفشل في مهمتها في اليمن، والتي كانت القضاء على التمرد
الحوثي، كما أنها اكتشفت مؤخرا خطأ حساباتها في التعامل مع الحرب في السودان بزعم
أنها حرب مع جيش الإخوان بينما هي حرب ضد الجيش السوداني؛ الذي هو أحد أقدم الجيوش
النظامية العربية المهنية، والذي وللمفارقة ساهم في تدريب الجيش الإماراتي.
كان ذلك بدفع من الإمارات التي ركبت قطار التحالف لتقوده حسب أهوائها، وقد نجحت في تمرير تلك الأهواء على السعودية القوة الأكبر في التحالف، وبدلا من مواصلة المعركة مع الحوثيين لتحرير العاصمة ومحافظات الشمال، حرفت الإمارات بوصلة المعركة إلى حصار حزب الإصلاح الذي هو شريك وطني في التحالف العربي، وفي الوقت نفسه خططت ونفذت مؤامرتها لصناعة ذراع مسلح تابع لها
ظلت العلاقة بين النظام الإماراتي وجماعة الإخوان سواء
المحلية أو الفروع الدولية الأخرى؛ متميزة خلال حكم الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل
نهيان، وكان أحد قيادات الإخوان المصريين يعمل مستشارا للشيخ زايد (الدكتور عز
الدين إبراهيم)، كما سمح الشيخ زايد للإخوان بتأسيس جمعياتهم وأنشطتهم المختلفة، غير
أن العلاقة توترت في أواخر أيامه حين حاصرته الأمراض، وأصبح أبناؤه خاصة أبناء
الشيخة فاطمة يمارسون الحكم عمليا، وهم خريجو معاهد دراسية غربية، وكانت لديهم
أفكارهم الخاصة حول العصرنة والتحديث الذي يقتضي بالضرورة محاربة القوى الإسلامية،
وفي طليعتها الإخوان.
وعقب وفاة الشيخ زايد، وخلفه نجله الأكبر الشيخ خليفة
الذي لم يمارس السلطة أصلا بسبب مرضه، في حين كان أخوه (من أبيه) محمد (ولي العهد)
هو الرئيس الفعلي للإمارات، والذي شن حربا بلا هوادة ضد الإخوان، وخاصة بعد توقيع
عدد من المثقفين والنشطاء الإماراتيين وثيقة للإصلاح تأثرا بموجة الربيع العربي،
وكان من بينهم بعض الرموز الإخوانية، وقد تم العصف بهم جميعا، بين السجون والنفي
ونزع الجنسية والفصل من العمل، أو وضعهم تحت الرقابة، كما شكلت الإمارات مع
السعودية والبحرين ومعهم الكيان الصهيوني تحالفا قويا للثورة المضادة لمواجهة
الربيع العربي لمنع وصول رياحه إلى بلدانهم، ولأن الإخوان تصدروا مشهد هذا الربيع،
وشكلوا حكومات في عدة دول فقد كانوا هم الهدف المباشر للإمارات وحلفها المناوئ.
في العام 2014 وعقب الانقلاب الحوثي في اليمن، والسيطرة
على العاصمة صنعاء، والتوسع في محافظات أخرى بما فيها الجنوب؛ شاركت الإمارات إلى
جانب السعودية في عاصفة الحزم، والتي كان هدفها القضاء على الحوثيين وأنصار الرئيس
اليمني السابق علي عبد الله صالح، ودعم الشرعية اليمنية التي كان يمثلها الرئيس
عبد ربه منصور هادي.
وقد نجحت قوات التحالف في استعادة كل محافظات الجنوب،
لكنها توقفت عند حدودها، ولم تكمل تحرير العاصمة صنعاء ومحافظات الشمال الأخرى من
الحوثيين. كان ذلك بدفع من الإمارات التي ركبت قطار التحالف لتقوده حسب أهوائها،
وقد نجحت في تمرير تلك الأهواء على السعودية القوة الأكبر في التحالف، وبدلا من
مواصلة المعركة مع الحوثيين لتحرير العاصمة ومحافظات الشمال، حرفت الإمارات بوصلة
المعركة إلى حصار حزب الإصلاح الذي هو شريك وطني في التحالف العربي، وفي الوقت
نفسه خططت ونفذت مؤامرتها لصناعة ذراع مسلح تابع لها، وهو المجلس الانتقالي
الجنوبي الذي أسسته في العام 2017، واحتضنت قياداته في أبو ظبي، وأغدقت عليهم
المال والسلاح، وغذت لديهم فكرة
الانفصال، وحين قررت الانسحاب من اليمن في العام
2019 فإنها تركت سلاحها لهذا المجلس، كما تركت أعدادا من ضباطها ومستشاريها
العسكريين في الجنوب لمتابعة خطة الانفصال وتنميتها، وإن ادعت أن مهمتهم هي
المساهمة في مواجهة الإرهاب!
حين فرضت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي سيطرتها على
حضرموت والمهرة مؤخرا، كان ذلك قمة الغرور الإماراتي وذراعها الانتقالي، وجدت الإمارات
أن حليفتها السعودية فقدت حماسها في اليمن، كما وجدت أن طبختها لفصل الجنوب قد
نضجت، فأوعزت لحليفها الانتقالي ببسط سيطرته على ما تبقى من محافظات الجنوب،
تمهيدا لإعلان الانفصال، وهو ما استفز المملكة السعودية التي شعرت بالنار تلتهم
ثيابها، والفتنة تهدد حدودها الجنوبية الممتدة مع حضرموت تحديدا، فتصدت لهذا
التمدد، وأنذرت الإمارات نفسها بضرورة الانسحاب التام من اليمن خلال 24 ساعة، وهو
ما تم قبل انتهاء المدة؛ في أول وأصعب هزيمة للمشروع التوسعي الإماراتي، كما دخلت
السعودية إلى جانب قوات درع الوطن التابعة للشرعية في مواجهة لقوات المجلس
الانتقالي الذي يظل يكرر السردية الهزلية أن من يحاربه هم الإخوان والقاعدة
والحوثيين، ويا لها من فرية مثيرة للسخرية، فكيف يجتمع كل هؤلاء رغم ما بينهم من
عداء؟!
في اليمن كما في السودان، فإن القوتين الموصوفتين بالإخوان ليس لهما علاقة تنظيمية بالإخوان منذ سنوات، كما أنهما حرصتا ومنذ وقت مبكر على اختيار أسماء خاصة بهما، كالإصلاح في اليمن، والمؤتمر الوطني في السودان
في السودان وحين حاولت مليشيا الدعم السريع الانقلاب على
السلطة، ودعمتها في ذلك بعض القوى المدنية، حرصوا على تشويه الجيش السوداني عبر
وصفه بجيش الكيزان، والكيزان هو وصف للمؤتمر الوطني الذي حكم السودان في عهد
البشير، لكن خلال الشهور الأخيرة تم تغيير المصطلح إلى جيش الإخوان، وجرى تركيز
الضوء على كتيبة شعبية للمتطوعين الداعمين للجيش وهي كتيبة البراء بن مالك؛
باعتبارها هي القوة الرئيسية في المعارك. وهو ما يجافي الحقيقة، فالجيش السوداني
جيش كبير، وهو جيش احترافي من كل أهل السودان، كما أن كتائب المتطوعين ومنها كتيبة
البراء أصبحت جزءا منه؛ تلتزم بقيادته وتوجيهاته وخططه العسكرية، لكن اختزال الجيش
السوداني في إحدى كتائب المتطوعين هو أمر مقصود لإيهام المجتمع الدولي وخاصة الدول
المهووسة بالإسلاموفوبيا بأن حرب المليشيات في السودان هي جزء من حرب كونية ضد
الإرهاب، بينما هي مؤامرة لتقسيم السودان، والسيطرة على ثرواته.
في اليمن كما في السودان، فإن القوتين الموصوفتين
بالإخوان ليس لهما علاقة تنظيمية بالإخوان منذ سنوات، كما أنهما حرصتا ومنذ وقت
مبكر على اختيار أسماء خاصة بهما، كالإصلاح في اليمن، والمؤتمر الوطني في السودان.
وللمفارقة، ففي السودان فرع صغير لجماعة الإخوان يحمل اسمها مباشرة، لكن الخطة
الإماراتية لمواجهة كل القوى الإسلامية استسهلت أن تصنف الجميع باعتبارهم إخوان
مسلمين؛ على وهْم أن ذلك يسهّل عليها مهمة استئصالهم وحشد تحالفات إقليمية ودولية
ضدهم، لكن ها هي السعودية تكتشف أخيرا الفخ الذي نصبته لها الإمارات في كلتا
الدولتين، وتتصاعد الأصوات من السعودية، وعبر إعلامها لتفنيد الرواية الإماراتية
لطبيعة وأطراف الحرب في اليمن وفي السودان..
باختصار أسقطت السعودية شماعة الإخوان في اليمن
والسودان، وهو ما ينبغي أن يفتح الباب لمراجعة موقفها في أماكن أخرى.
x.com/kotbelaraby