ثورة يناير.. الأحلام لا تموت

قطب العربي
"الحديث عن ثورة يناير ليس فقط نوستالجيا، ولكنه تأكيد على إمكانية التغيير نحو الأصلح"- عربي21/ علاء اللقطة
"الحديث عن ثورة يناير ليس فقط نوستالجيا، ولكنه تأكيد على إمكانية التغيير نحو الأصلح"- عربي21/ علاء اللقطة
شارك الخبر
مع مرور 15 عاما على ثورة 25 يناير المصرية (درة الربيع العربي) تحاول الجهات التي قامت الثورة ضدها تصدير اليأس والإحباط إلى عموم الشعب، والادعاء أن الثورة قد ماتت وشبعت موتا (كبرت كلمة تخرج من أفواههم)، فالثورة ليست مجرد هبة عابرة، وليست مجرد عمل أهوج، بل هي تعبير عن أحلام مشروعة في الكرامة والعدالة والحرية، وهي ليست محض أحلام بل هي حقوق أصيلة للبشر الذين يولدون أحرارا كرماء (ولقد كرمنا بني آدم).

الثورة لا تندلع فجأة بل هي نتيجة تراكم المظالم، وعدم قدرة الناس على تحمل المزيد منها (فللصبر حدود)، وهي أيضا نتيجة ارتفاع الوعي، الذي يفتح عيون الناس على حقوقهم وواجباتهم، والذي يفتح عيونهم على ما يتمتع به غيرهم من البشر الذين هم "أبناء تسعة" مثلهم، والذي يدفعهم لمقاومة الظلم، مع الاستعداد لدفع فاتورة هذه المقاومة لإدراكهم للعائد الأكبر سواء جاء بشكل سريع أو تأجل لبعض الوقت.

حين تتوفر عناصر الثورة فإنها ستندلع، شاء من شاء وأبى من أبى، فالثورة لا تندلع بكبسة زر، ولا بمجرد دعوة فردية أو جماعية، ولكنها تكون تعبيرا عن حالة شعبية عامة فاضت بها المظالم فدفعتها للانفجار

تحمل الشعب المصري المظالم كثيرا من قبل في ظل قناعته بأولوية الخبز على الحرية، بمعنى توفر الحد الأدنى للمعيشة الكريمة، ولكن حين اجتمعت عليه الأزمات المعيشية مع اشتداد القهر حدث الانفجار، وهو أمر قابل للتكرار وفقا للسنن الكونية.

إنها سنن الله في خلقه، ولا يمكن لحاكم مهما بلغت سطوته أن يواجه هذه السنن لأنها غلّابة؛ يستطيع قهرها لبعض الوقت مستخدما قِواه الأمنية والوظيفية وآلته الإعلامية، لكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك لوقت طويل.

يعرف السيسي جيدا قيمة ثورة يناير، أكثر من معرفة أبنائها لها، ولا يفتأ يذكرها في كل محفل مشوها لصورتها ومحذرا من تكرارها، وفي الوقت نفسه يفعل كل ما يساعد على تكرارها واشتعالها مجددا.

خلال الأعوام التالية للانقلاب العسكري كانت السلطة الحاكمة تمتلئ حقدا على تلك الثورة التي هزت حصون الحكم العسكري، وفتحت باب الأمل في التغيير السلمي للمصريين، والتي منحتهم تجربة عملية للحرية والكرامة والعدالة لبعض الوقت، لكنها -أي السلطة- تدرجت في إظهار عدائها وحقدها؛ في البداية قبلت السلطة الجديدة تضمين ديباجة الدستور المعدل في 2014 نصوصا عن عظمة ثورة يناير، لكنها أقحمت عليها سمها القاتل (30 يونيو) لتدمج الحدثين في سياق واحد، وبعد أن تحدث رئيس النظام مرات عديدة بنفسه عن عظمة 25 يناير فقد كشف عن مكنون نفسه لاحقا في سلسلة من التصريحات والأحاديث العلنية التي وصف فيها الثورة بكل نقيصة، ناكثا بذلك قسمه على الدستور، ومنقلبا على كل مديحه السابق لها، وفاتحا الباب لكل كارهيها لبث سمومهم ضدها.

لا يمكن إنكار الآثار السلبية لحملات التشويه تلك والتي يقودها رأس النظام، لكن لا يمكن في الوقت نفسه إنكار وجود مخلصين لثورة يناير ومبادئها، والأهم من كل ذلك لا يمكن إنكار سنن الكون، وأن الضغط يولد الانفجار، وأنه حين تتوفر عناصر الثورة فإنها ستندلع، شاء من شاء وأبى من أبى، فالثورة لا تندلع بكبسة زر، ولا بمجرد دعوة فردية أو جماعية، ولكنها تكون تعبيرا عن حالة شعبية عامة فاضت بها المظالم فدفعتها للانفجار.

الحديث عن ثورة يناير ليس فقط نوستالجيا، ولكنه تأكيد على إمكانية التغيير نحو الأصلح، والثورة ليست هي الطريق الوحيد للتغيير، لكنها كما -الكي بالنار- آخر العلاج عندما تعجز العلاجات الأخرى، والخيار الأكثر أمنا وأمانا للجميع هو احترام إرادة الشعب وأحلامه، بل حقوقه المشروعة

ليس مهما كثيرا في هذا الإطار الحديث عن ضعف المعارضة، أحزابها وكياناتها وحركاتها المختلفة، وأن هذا الضعف يمنع قيام الثورة، فالثورة حين تختمر عناصر اشتعالها لا يطفئها ضعف معارضة، ولا ننسى أن ثورة يناير لم تندلع بدعوة أحزاب المعارضة، لكن في الوقت نفسه فإن وجود بديل سياسي آمن مقنع للشعب وللقوى المجتمعية المؤثرة يشجع الشعب على التحرك نحو التغيير. لقد استفاد الشعب من دروس الماضي، ولا يريد أن يقدم تضحيات بلا أفق، ودور قوى التغيير المنظمة أن تصنع هذا الأفق، وترسم خارطة الطريق نحو التغيير السلمي الآمن، ثم إدارة الدولة والتعامل مع مشاكلها الكبرى.

الحديث عن ثورة يناير ليس فقط نوستالجيا، ولكنه تأكيد على إمكانية التغيير نحو الأصلح، والثورة ليست هي الطريق الوحيد للتغيير، لكنها كما -الكي بالنار- آخر العلاج عندما تعجز العلاجات الأخرى، والخيار الأكثر أمنا وأمانا للجميع هو احترام إرادة الشعب وأحلامه، بل حقوقه المشروعة في الحرية والكرامة والعدالة، والحياة الآدمية، واحترام الدستور الذي يقسم كل مسئول على احترامه وعدم الخروج عليه.

قبل أيام ادعى السيسي أن مصر كانت ستعبر أزمتها في 2013 لو وافق الرئيس مرسي والإخوان على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وأن مصر كانت ستتسع للجميع، وبغض النظر عن كذب هذا الادعاء، إذ إن الرئيس مرسي لم يكن معترضا على فكرة الانتخابات الرئاسية المبكرة، لكنه أراد أن يسبقها بانتخابات برلمانية حتى لا تشهد البلاد فراغا دستوريا، وبغض النظر عن ذلك فها هي الفرصة أمام السيسي نفسه لإخراج الوطن من مأزقه عبر انتخابات رئاسية وبرلمانية تنافسية نزيهة، دون إقصاء لأحد، وقبل ذلك وتمهيدا له؛ ضرورة الإفراج عن السجناء والمعتقلين السياسيين، وإلغاء قوائم الإرهاب، ورفع قيود الترشح عن الرموز الوطنية، ورفع القيود عن الإعلام ليكون معبرا عن الشعب لا عن السلطة فقط، ساعتها ستنتقل مصر إلى حال أفضل دون ثورة أو فوضى.

x.com/kotbelaraby
التعليقات (0)