ثلاثة
عشر عاما مرت على انقلاب الثالث من تموز/ يوليو 2013 لم يتخلص نظام
السيسي خلالها من
كابوس
الإخوان، زعم عبر منابره الإعلامية أنه قضى عليهم، وخلّص
مصر منهم، وكان ذلك
هو مؤهله الوحيد للترشح للرئاسة 3 مرات حتى الآن، ثم يكتشف المصريون عاما بعد آخر
أن الإخوان هم الغائب الحاضر في كل المناسبات، فالسيسي لا يترك مناسبة، خاصة
مناسبات ذكرى الثورة أو الانقلاب أو حتى غيرهما من المناسبات، دون ذكر الإخوان
الذين وصفهم لفترة طويلة بأهل الشر، وعاد مؤخرا ليترحم على الرئيس مرسي، ويؤكد أنه
كان من الممكن التعايش معه ومع جماعته لو وافق على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة،
وفي الوقت نفسه أعطى السيسي توجيها لأذرعه الإعلامية والفنية لشن حملات تشويه قوية
ضد الإخوان وتحميلهم كل مشاكل مصر، ووصمهم بالعنف والإرهاب.
لم
يكتف النظام بما أنتجه وبثه من مسلسلات وأفلام طيلة السنوات العشر الماضية لتسويق
رواية مضللة عما حدث منذ ثورة يناير التي شوه صورتها تماما وتعهد بعدم السماح
بتكرارها، فأنتج هذا العام مسلسلا جديدا ليغلق به الباب تماما في وجه أي مساعي
للخروج من الأزمة، ومرة أخرى بدا واضحا أنه يتغذى على صناعة الأزمات لا حلها، حتى
وإن كان الوطن نفسه هو الضحية التي تدفع ثمن هذا التأزيم، غلاء في الأسعار، وزيادة
في معدلات الفقر والبطالة، وهجرة عبر قوارب الموت، وتصاعدا في الديون الخارجية
والداخلية يصحبها ضغوط الدائنين.. إلخ.
بدا واضحا أنه يتغذى على صناعة الأزمات لا حلها، حتى وإن كان الوطن نفسه هو الضحية التي تدفع ثمن هذا التأزيم
استدعاء
أحداث 2013 بكل صورها هو إحياء للتأزيم، ونشر الترويع مجددا بين المصريين، والمن
عليهم بنعمة الأمن التي يعيشونها، وإلزامهم بالصمت، وقبول كل خطايا النظام الأخرى
مقابل تلك النعم!!
أحداث
2013 جرت في سياق سياسي مضطرب نتيجة انقلاب عسكري على سلطة مدنية اختارها الشعب
بمحض إرادته، وحتى إذا كان هناك قطاع كبير من الشعب غير راض عن تلك السلطة
المدنية، وخرج ضدها في 30 حزيران/ يونيو فإن قطاعا أكبر من الشعب هو الذي اختار
تلك السلطة، لم يكن ذلك الانقسام وليد لحظة 30 يونيو ولكنه ظهر جليا في نتيجة
الانتخابات الرئاسية التي منحت الفوز لمرسي رحمه الله بنسبة 52 في المئة بالكاد،
ما يعني أن 48 في المئة كانوا ضده، لكن عموما هذه هي الديمقراطية، فقد فاز أولاند
في فرنسا في نفس التوقيت بنفس النسبة، وهو ما تكرر في العديد من الدول الديمقراطية
الأخرى.
حين
يحدث انقلاب على حكم شرعي منتخب فمن الطبيعي أن تكون هناك ردة فعل لمن انتخبوا هذا
الحكم، دفاعا عن إرادتهم، وحماية للتجربة الديمقراطية الوليدة. في كل الدول التي
شهدت انقلابات عسكرية انتفضت شعوبها ضد تلك الانقلابات، نجح بعضها في وأد الانقلاب
كما حدث في تركيا 2016، وكما حدث في فنزويلا عند الانقلاب على تشافيز، وفي تشيلي
بعد الانقلاب على سلفادور ألندي، وفشل بعضها في أماكن أخرى، ورغم أن مقاومتها للانقلاب
كانت سلمية في المجمل إلا أنها لم تخلُ من أعمال عنف سياسي.
في
مصر أيضا قاوم الشعب الانقلاب، فكانت الاعتصامات والمظاهرات السلمية التي ظلت
مشتعلة لأكثر من عامين، تمكنت السلطة الجديدة من قمعها في نهاية الأمر، وكما حدث
في تجارب عالمية أخرى فإن ردة الفعل الشعبية السلمية صاحبتها بعض الانفلاتات، فلا
يمكن بأي حال تبرير قتل مواطنين أيا كانت ملتهم أو مهنتهم، مدنيين كانوا أو
عسكريين ، مسلمين أم مسيحيين، وسواء كان هذا القتل على يد شرطة تحمل السلاح، أو
محتجين يحملون السلاح أيضا، فالقضاء النزيه هو المكان الطبيعي لمحاسبة الجميع.
استمرار هذا النظام لفترة أطول يعني استمرار الأزمات بل وتصاعدها في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.. الخ، ولن يستفيد من ذلك سوى القلة الحاكمة، وفئات قليلة مرتبطة بها، وأعداء الوطن المتربصين به
حين
حدثت بعض الانفلاتات، ومنها ما سمي بعمليات نوعية وصلت حد القتل، تصدت القيادة
التاريخية لجماعة الإخوان لها، وكلف ذلك الجماعة انقساما طوليا، لكنها أصرت على
استمرار نهجها السلمي، وأصدرت العديد من البيانات الإعلامية والرسائل الداخلية
لضبط المسار رغم قسوة العنف الأمني ضد المظاهرات السلمية، ورغم التوسع في سياسة
الاعتقالات والتعذيب في السجون، والموت اختناقا في عربات الترحيل، وفي الزنازين،
ورغم أحكام الإعدام الجائرة بحق المئات.
في كل
العالم يحدث وقت الاضطراب السياسي مثل هذه الأعمال، لكن الحكماء يضعونها في سياقها
الطبيعي، ويسعون لاستيعابها، والبحث عن تسويات للخروج من الأزمات التي تستنزف
الأوطان؛ كل النزاعات السياسية سواء كانت محلية أو دولية انتهت بتسويات عادت
بالنفع على الجميع، وكانت الأوطان هي المستفيد الأكبر فيها، والنماذج لذلك كثيرة.
البحث عن مخارج للأزمات هو واجب الجميع، لكن السلطة الحالية في مصر هي التي تقف في
وجه أي مسعى للخروج من الأزمة، وحين ترصد تصاعدا في المطالبة بذلك تشعل النيران
مجددا للإبقاء على أجواء الاستقطاب والخوف، فهي لا تستطيع العيش في ظل ظروف هادئة،
وهي تلجا إلى النظرية الاستعمارية المعروفة "فرق تسد".
من
المفترض أن تنتهي فترة حكم السيسي في العام 2030، ومن واجب كل القوى الحية في
المجتمع أن تتمسك بهذا الموعد نهاية لهذا الحكم الذي أدخل مصر هذا المستنقع، ولا
تسمح بأي محاولة لتعديل الدستور بما يمنحه فترة رئاسية غير شرعية جديدة، ولا تسمح أيضا
بأي خطط لإجراء انتخابات رئاسية هزلية مبكرة في أواخر المدة الحالية بديلا
للتعديلات الدستورية. إن استمرار هذا النظام لفترة أطول يعني استمرار الأزمات بل
وتصاعدها في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.. الخ، ولن
يستفيد من ذلك سوى القلة الحاكمة، وفئات قليلة مرتبطة بها، وأعداء الوطن المتربصين
به، بينما سيدفع الشعب والوطن كله المزيد من الأثمان.
تحتاج
مصر كلها لتجاوز "رهاب أو فوبيا الإخوان" حتى تتمكن من الانطلاق نحو
مرحلة جديدة من التنمية والبناء، وفق أولويات حقيقية، ولتتنفس حرية حُرمت منها تحت
شماعة محاربة الإرهاب، ولتتفجر طاقات شبابها ومبدعيها التي كبتت طيلة عشرية سوداء.
x.com/kotbelaraby