قبل
نصف قرن تقريبا شارك تجار طهران (البازار) في
الاحتجاجات ضد نظام الشاه رضا بهلوي
(تشرين الأول/ أكتوبر 1977) والتي استمرت 15 شهرا لتصل إلى ثورة شعبية كاملة هي
الثالثة عالميا بعد الثورتين الفرنسية والروسية، وقبل أسبوعين وتحديدا يوم 28 كانون
الأول/ ديسمبر الماضي أطلق تجار طهران شرارة الاحتجاجات التي تجتاح المدن
الإيرانية حاليا، كان السبب الذي حركهم هو انهيار العملة وفقدانها نصف قيمتها
تقريبا خلال فترة قليلة وهو ما انعكس سلبا على حركة التسوق، لكن الأمر لم يقف عند التجار،
أو المطالب الاقتصادية، بل تعداه إلى مطالب سياسية تطورت سريعا إلى المطالبة
بإسقاط النظام، وكان من بين الهتافات "الموت لخامنئي"، "الموت
للديكتاتور". وكان لافتا هذه المرة ظهور هتافات داعمة لعودة حكم الشاه، وسخّر
نجل الشاه المخلوع وقته لدعم المتظاهرين، ودعوتهم للمزيد من الحراك، مؤكدا لهم أن
عيون العالم ترقبهم، وأن الدعم الأمريكي ينتظرهم.. إلخ.
لا شك
أن العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران منذ سنوات بسبب مشروعها النووي أثرت
بشدة على الوضع المعيشي، ليس العقوبات فقط، ولكن أيضا الفساد المالي، والإنفاق
التسليحي الواسع للنظام، وضمنه المشروع النووي ذاته، والذي تراه السلطات رمزا
للسيادة، والعزة، وكذا الإنفاق على الأذرع الخارجية لإيران في لبنان واليمن
والعراق، وسوريا وغيرها، وقد تسبب كل ذلك في انهيار العملة المحلية مقابل الدولار،
وارتفاع جنوني في الأسعار، وزيادة في نسب البطالة رغم أن إيران هي إحدى الدول
المنتجة للنفط والغاز، حيث تعد ثالث أكبر منتج للنفط في "أوبك"، بمتوسط
إنتاج يبلغ 3.3 ملايين برميل يوميا، إلى جانب 1.3 مليون برميل من المكثفات وسوائل
الغاز، أي ما يعادل نحو 5 في المئة من الإمدادات العالمية. (كانت تنتج 6 ملايين
برميل يوميا في حقبة السبعينات قبل الثورة مثلت 10 في المئة من الإنتاج العالمي
تراجعت بسبب العقوبات بعد الثورة). أما على صعيد الغاز، فتنتج إيران نحو 34 مليار
قدم مكعبة يوميا، أي ما يقارب 7 في المئة من الإنتاج العالمي.
العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران منذ سنوات بسبب مشروعها النووي أثرت بشدة على الوضع المعيشي، ليس العقوبات فقط، ولكن أيضا الفساد المالي، والإنفاق التسليحي الواسع للنظام، وضمنه المشروع النووي ذاته، والذي تراه السلطات رمزا للسيادة، والعزة، وكذا الإنفاق على الأذرع الخارجية لإيران في لبنان واليمن والعراق، وسوريا
موجة
المظاهرات الحالية ليست الأولى في إيران، لكنها الأوسع انتشارا (شملت 280 نقطة بما
فيها مدينة كرمان، جنوب شرق إيران، وهي مسقط رأس قاسم سليماني بحسب مصادر إيرانية)،
وقد سبقتها عدة موجات كانت أكبرها الانتفاضة الخضراء في العام 2009 والتي اندلعت
احتجاجا على نتيجة الانتخابات، واتهام السلطات بتزويرها ضد مير حسين موسوي الذي
كان آخر رئيس للوزراء إبان الحرب العراقية الإيرانية، وكان أحد الرموز التاريخية
للثورة الإيرانية. كانت الانتفاضة الخضراء بمثابة ثورة من داخل النظام نفسه، إذ
كان من بين داعميها أيضا مهدي كروبي، وآية الله منتظري، ومحمد خاتمي، وهاشمي
رفسنجاني وآخرون، وقد استمرت شهورا، وقُتل فيها 70 متظاهرا، وتم اعتقال العديد من
رموزها، وفُرضت الإقامة الجبرية على زعيمها مير حسين موسوي حتى الآن. وكانت تلك
الثورة هي البداية الحقيقية لاستخدام الشارع بعد اليأس من التغيير عبر الآليات الدستورية
الأخرى، مثل الانتخابات والبرلمانات.. الخ.
في
أواخر العام 2017 اندلعت موجة مظاهرات لأسباب اقتصادية وفساد مالي، وهتفت ضد مرشد
الثورة، وحتى ضد الشاه، وقد واجهتها مظاهرات أخرى داعمة للنظام. وفي أواخر العام
2019 وحتى آخر شباط/ فبراير 2020 اندلعت موجة احتجاجات ضد زيادة اسعار الوقود، قتل
قيها 1500 متظاهر خلال 3 أيام، لنصل إلى موجة 2023 والتي اندلعت عقب وفاة مهسا أميني
على يد شرطة الأخلاق يوم 16 أيلول/ سبتمبر 2023، وقد استمرت الاحتجاجات حتى نهاية
الشهر وقتل خلالها العديد من المتظاهرين، كما تم اعتقال العشرات، بينهم فائزة
رفسنجاني؛ ابنة رئيس الجمهورية السابق والنائبة السابقة في البرلمان.
في كل
الموجات الاحتجاجية السابقة كما في الموجة الحالية قُتل عدد كبير من المتظاهرين
ورجال الشرطة، كان أكثرهم في موجة 2019، وفي كل الموجات كان للقوى الخارجية دور،
وفي بعض الموجات بما فيها الموجة الحالية تحركت مظاهرات مضادة داعمة للسلطة.
تبدو
المظاهرات الحالية أكثر شبها بمظاهرات العام 2019، حيث دخل الرئيس
ترامب على الخط
مباشرة في 2019 (لكنه اكتفى بالتهديدات الكلامية)، كما تدخل في الاحتجاجات الحالية
معلنا دعمه للمتظاهرين، وواعدا بالتدخل لصالحهم، لكنه لم يحدد طبيعة هذا التدخل،
وإن نقلت "وول ستريت جورنال" أنه بحث مع مساعديه توجيه ضربات لمواقع
عسكرية إيرانية، كما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو دعمه لمظاهرات 2019 وللمظاهرات
الحالية، وقد يجد في هذه الاحتجاجات فرصته لاستكمال انتقامه من إيران، وحتى إيلون
ماسك تدخل في المرتين داعما للمظاهرات بفتح الإنترنت المجاني (ستار لنك) بعد أن
قطعت السلطات الإيرانية الإنترنت المحلي؛ ربما الجديد هذه المرة هو ما ذكره وزير
الخارجية ومدير المخابرات الأمريكية الأسبق جورج بومبيو في تغريدة له عن مشاركة
عملاء للموساد في هذه المظاهرات، والحقيقة أن الأمر لا يحتاج لتأكيد من بومبيو،
فهم كانوا حاضرين في كل الاحتجاجات السابقة، وهم الذين تمكنوا من رصد مواقع
المشروع النووي قبل ضربها، وهم الذين رصدوا أماكن إقامة إسماعيل هنية وغيره قبل
اغتيالهم.
ليس
معنى تدخل ترامب ونتنياهو أو وجود عناصر من الموساد دليلا على أن المظاهرات تحركت
بتوجيهات خارجية، فهي مظاهرات شعبية حقيقية، اندلعت لأسباب داخلية سواء ترتبط
بالأزمة الاقتصادية، أو حتى بالانسداد السياسي، ويأس الكثيرين من الإصلاح، ما
دفعهم لتطوير مطالبهم بإسقاط النظام بشكل كامل، وإن كان الجديد هذه المرة هو
الهتافات المطالبة بعودة نجل الشاه بشكل أوسع، في تحد مباشر للثورة الإيرانية التي
أطاحت بنظام والده.
ليس معنى تدخل ترامب ونتنياهو أو وجود عناصر من الموساد دليلا على أن المظاهرات تحركت بتوجيهات خارجية، فهي مظاهرات شعبية حقيقية، اندلعت لأسباب داخلية سواء ترتبط بالأزمة الاقتصادية، أو حتى بالانسداد السياسي
حين
تعرضت إيران لضربات أمريكية إسرائيلية في حزيران/ يونيو 2025 انتهت تلك الجولة
بنتيجة سمحت لكل الأطراف بادعاء النصر، فالرئيس ترامب ومعه نتنياهو زعما أن
ضرباتهما نجحت في تحقيق أهدافها بتدمير المواقع النووية والعسكرية الإيرانية،
وإيران من ناحيتها ادعت تحقيق انتصار عبر مواجهتها لتلك الضربات، وعبر قدرة النظام
على امتصاص آثارها، وكان من المأمول مع هذه الرواية أن يبادر النظام الإيراني برد
الجميل لشعبه الذي لم يخذله خلال العدوان؛ كان الشعب يتوقع إصلاحات سياسية
واقتصادية واسعة، وقد طالب بذلك صراحة كل من الرئيسين السابقين محمد خاتمي وحسن
روحاني، ووزير الخارجية الأسبق جواد ظريف، ورئيس الوزراء الأسبق مير حسين موسوي، لكن
النظام استمر في طريقه الاعتيادي ولم يسمع لنصح أحد، فتصاعدت الأزمة الاقتصادية،
وارتفع منسوب التضخم بشكل رهيب.
نظرة
على خارطة القوى السياسية والاجتماعية المشاركة في الاحتجاجات الحالية تُظهر مشاركة
محسوبين على حركة الحرية للنساء، وأنصار عودة النظام الملكي، والأكراد، والسنة،
ومجاهدي خلق، وأيضا تيار الجمهورية (الداعين لإقامة جمهورية ديمقراطية)، وأبرز
رموزهم نرجس محمدي الحاصة على جائزة نوبل، والمخرجان السينمائيان جعفر بناهي ومحمد
رسولوف، والمفكر الليبرالي وعالم الاجتماع مصطفى مالكيان، كما لوحظ مشاركة محسوبين
على الثورة الخضراء التي اندلعت في العام 2009، ومن يوصفون بالتيار الإصلاحي، ومن
أبرز رموزهم نائب وزير الداخلية الأسبق مصطفى تاج زاده، وأبو الفضل قادياني،
وقربان بهزادیان نجاد، وكلاهما من رموز الحركة الخضراء، ومحمد باقر بختيار؛ أحد
قيادات الحرس الثوري خلال حرب العراق، وعبد الله مؤمني؛ أحد قيادات اتحاد الطلاب. فقد
وقعت هذه الشخصيات الإصلاحية والجمهورية ضمن 17 شخصية عامة أخرى بيانا لدعم
الاحتجاجات الحالية، دعوا فيه إلى اسقاط الحكم الحالي، وإقامة نظام حكم ديمقراطي
مبني على سيادة الشعب، والمصالح الوطنية، وحذروا قوات الجيش والشرطة من قمع
المتظاهرين.
من
الواضح أن مشاركة منتمين للتيار الإصلاحي (خارج السلطة) في المظاهرات تتسع مع
الوقت، وهم التيار الأكثر تنظيما بحكم ما لديهم من خبرة احتجاجية سابقة خاصة في
الحركة الخضراء، ومع استمرار المظاهرات والمظاهرات المضادة، وتدخل الشرطة والحرس
الثوري فإن كل الاحتمالات مفتوحة؛ بدءا بقمع الاحتجاجات، وبقاء الوضع الحالي، أو
استمرار المظاهرات وتوسعها، مرورا بمبادرة النظام بتقديم إصلاحات سياسية واقتصادية،
ووصولا إلى تطور الاحتجاجات إلى ثورة شعبية كاملة تطيح بالنظام كله، وتؤسس لدولة
جديدة.
x.com/kotbelaraby