اليوم،
الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2026 تكون
ثورة يناير
المصرية قد أكملت 15
عاما، وهي فترة كافية لتقييم هذه الثورة، ماذا قدمت وماذا أخّرت؟ ماذا تبقى منها؟
وإلى أين وصلت مصر؟
لم
يكن انفجار موجة الربيع العربي الأولى، وفي القلب منها الثورة المصرية قبل 15 عاما
نتيجة تدخل خارجي كما يشيع المتضررون من الثورة، والمنقلبون عليها، لكنه كان نتيجة
تراكم المظالم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مع عدم قدرة المواطنين على
احتمال المزيد منها في وقت رأوا غيرهم من الشعوب المماثلة لهم تنعم بالحرية
والديمقراطية والعدالة والحياة الكريمة. وقد ساهمت ثورة الاتصالات في نمو الإحساس
بالظلم والرغبة في التغيير، كما ساهمت في ذلك شيخوخة النظم الاستبدادية الحاكمة، وأيضا
رفع العواصم الكبرى دعمها ورعايتها لهذه النظم وتركها لشعوبها، وهذا ما يعتبره المتضررون
تدخلا دوليا!!
كان
الانفجار واسعا في تونس ومصر وليبيا اليمن وسوريا، بينما كان جزئيا في الأردن
والمغرب والبحرين. في الدول الأربع الأولى تمت الإطاحة برؤسائها، وصياغة دساتير
وقوانين جديدة، جرت بموجبها انتخابات برلمانية ورئاسية حرة للمرة الأولى، لكنها
تعثرت في سوريا، وطالت لمدة 13 عاما انتهت بالانتصار رغم جسامة التضحيات. وفي
المجموعة الثانية وهي دول ملكية، تعاملت المغرب والأردن بقدر من التفهم لمطالب
المحتجين التي تركزت على تعديلات دستورية للوصول إلى ملكيات دستورية، بينما تدخلت
السعودية لقمع المظاهرات في البحرين قبل أن تطيح بالنظام،
السيسي لا يكاد ينساها في معظم خطبه، حتى لو كان من باب التشويه لها، والوعد بعدم السماح بتكرارها. روح يناير لا تزال موجودة تطارد كارهيها في كل وقت فيواصلون هجومهم عليها بهدف محوها من تلافيف الذاكرة الوطنية
أو تنتقل عدواها إلى دول
خليجية أخرى. وفي دول عربية أخرى جرت مظاهرات ومطالبات بإصلاحات سياسية لكنها لم
تصمد أمام القمع الأمني، ونتذكر هنا ان 160 شخصية عامة وأكاديمية إماراتية قدمت
مذكرة تتضمن مطالب إصلاحية وجرى اعتقال الكثيرين منهم لاحقا.
اندلعت
موجة ثانية من الربيع العربي في السودان أواخر العام 2028، وفي الجزائر مطلع العام
2019، وفي العراق في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وبالتزامن معها اندلعت احتجاجات
اللبنانيين، وبينما نجحت انتفاضة السودان في إطاحة حكم الرئيس البشير، فإن انتفاضة
الجزائر نجحت في إنهاء حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، كما أسقطت احتجاجات
العراقيين الحكومة، لكن الاحتجاجات اللبنانية التي رفعت مطلبا كبيرا بإسقاط كل
الطبقة السياسية التي تتناوب السلطة (كلن يعني كلن) لم تنجح سوى في إيصال عدد من
النواب المستقلين المنتمين لهذا الحراك إلى البرلمان.
نعود
إلى الثورة المصرية التي رفعت شعارات العيش (أي رغيف الخبز الذي يرمز للحياة
الكريمة) والحرية والعدالة الاجتماعية، وأضيف إليها الكرامة الإنسانية، والسؤال هل
نجحت الثورة في تحقيق تلك الشعارات؟ وماذا تبقى منها؟
الحقيقة
أنها نجحت في جوانب وفشلت في جوانب، ولكن من المهم التوضيح أنها لم تمنح الوقت
الكافي لتحقيق بعض الأهداف التي تحتاج وقتا أطول (استمرت عامين ونصف العام فقط).
لقد حققت الثورة
الحرية الكاملة للمصريين التي كانوا محرومين منها على مدى ستين
عاما، وتمت صياغة دستور جديد لمصر يُعلي قيم الحريات العامة، ويحترم حقوق الإنسان،
ويفرض نسبا معتبرة في الموازنة العامة للدولة للصحة والتعليم، والمشروعات
الاجتماعية، وجرت انتخابات نيابية ورئاسية نزيهة لأول مرة في تاريخ الجمهورية، وتم
انتخاب أول رئيس مدني بعد 60 عاما من حكم الجنرالات، وفتحت الباب لحرية التعبير
والتظاهر والاعتصام السلمي، وتحررت الجامعات والنقابات من القيود، كما ازدهر
الإعلام المصري، وبلغ النقد حدودا لم يصلها من قبل، واحترمت كل الأجهزة الرسمية
وخاصة جهاز الشرطة كرامة المواطنين، وعاملتهم بطريقة مختلفة تماما عما كان سائدا
قبل الثورة.
إذن،
نجحت الثورة بامتياز في تحقيق شعاري الحرية والكرامة، لكنها حققت درجات أقل من
النجاح في الشعارين الآخرين وهما العيش والعدالة الاجتماعية، وقد كانا بحاجة إلى
مزيد من الوقت لإكمال الخطوات التي بدأت على طريق تحقيق هذين الهدفين.
هل
انتهت ثورة يناير كما يردد خصومها؟ لا ننكر أن الثورة تعرضت للهزيمة على يد قوى
عسكرية تعاونت مع قوى مدنية من متضرري الثورة، ومن مخدوعين من أبنائها، لكنها مع
ذلك لا تزال حاضرة في الخطاب العام رغم مرور هذا الزمن، فالسيسي لا يكاد ينساها في
معظم خطبه، حتى لو كان من باب التشويه لها، والوعد بعدم السماح بتكرارها. روح
يناير لا تزال موجودة تطارد كارهيها في كل وقت فيواصلون هجومهم عليها بهدف محوها
من تلافيف الذاكرة الوطنية.
رغم مرور 15 عاما على ثورة يناير، ورغم ما تعرضت له من تشويه وانكسار، إلا أنها لا تزال ملهمة للكثيرين، ولا تزال تمثل نموذجا عمليا للقدرة على التغيير السلمي، ومن واجب أبنائها المخلصين لها الاستمساك بها، وبمبادئها وشعاراتها التي تعبر عن أشواق وتطلعات المصريين
يناير
هي التي فتحت باب الأمل للتغيير لدى المصريين وهو الباب الذي ظنوه مغلقا تماما من
قبل، يناير هي التي وفرت لهم نموذجا عمليا للحرية والكرامة والعدالة، والمنافسة
الانتخابية الشفافة، عاشوا في هذه النعم لمدة عامين ونصف العام، وها هم الآن
يتقلبون في جحيم الحكم العسكري، ويشاهدون انتخابات عبثية رئاسية كانت أم برلمانية،
بل إن الدستور الذي أنتجته ثورة يناير في العام 2012 لا تزال روحه ومعظم نصوصه قائمة
في الدستور الحالي رغم التشويهات التي دخلت عليه في العامين 2014 و2019.
في
حديثه أمس في الاحتفال بعيد الشرطة الذي يوافق في الوقت نفسه ذكرى يناير، قال
السيسي إن المسئول الذي يفشل في مهمته عليه أن يرحل، وإذا كان السيسي لا يدرك أنه
فشل فها هي بعض الأرقام والمؤشرات الكاشفة لفشله والتي تستوجب رحيله بهدوء،
فالديون الخارجية تجاوزت حاجز 164 مليار دولار، ومثلها الديون الداخلية، والدولة
مطالبة بدفع ديون قيمتها 51 مليار دولار خلال العام الحالي 2026، والجنيه المصري
انهار منذ الانقلاب وحتى الآن عشرة أضعاف، وها هي مصر تتبوأ المرتبة 130 من بين
180 دولة على مؤشر الفساد، بينما كانت في المركز 32 في العام 2012، والمركز 135 عالميا
على مؤشر سيادة القانون، والمركز 170 من بين 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة، أي أنها
ضمن أسوأ عشر دول عالميا في انتهاكات حرة الإعلام، بينما كانت في المرتبة 158عام
2013. وإجمالا، تبوأت المركز 135 من بين 140 عالميا على مؤشر السعادة خلال العام
المنصرم.
لم
يكتف النظام الحاكم خلال أكثر من 13 عاما بما ارتكبه من مظالم ومفاسد، وفشل كان
يستوجب رحيله من الحكم، وهو الذي زعم أكثر من مرة أنه سيرحل إذا أراد الشعب ذلك، ورغم
أنه لا يتيح للشعب حرية التعبير عن رأيه في مسألة بقائه أو رحيله عبر صناديق
انتخاب أو استفتاء، إلا أن الشعب تمكن من التعبير عن رأيه عبر وسائل التواصل
الاجتماعي التي فشلت السلطة في السيطرة التامة عليها حتى الآن رغم أنها تتمكن من
تقييدها، وحجب مواقعها في مصر، ولعل أحدث استطلاع الكتروني للرأي نظمه شباب جيل زد
كشف أن أكثر من مليون صوتوا مطالبين برحيله خلال أسبوع تقريبا، ولا يزال الاستطلاع
مفتوحا حتى ذكرى رحيل مبارك.
رغم
مرور 15 عاما على ثورة يناير، ورغم ما تعرضت له من تشويه وانكسار، إلا أنها لا
تزال ملهمة للكثيرين، ولا تزال تمثل نموذجا عمليا للقدرة على التغيير السلمي، ومن
واجب أبنائها المخلصين لها الاستمساك بها، وبمبادئها وشعاراتها التي تعبر عن أشواق
وتطلعات المصريين للعيش والحرية والكرامة والعدالة.. فما ضاع حق وراءه مطالب.
x.com/kotbelaraby