ليس تبعية لإيران ولا نسيانا لأخطائها.. ولكن

قطب العربي
"وجدنا من يصفون أصحاب الرأي المخالف لهم بالمتأيرنين، أي الموالين لإيران، فيرد عليهم هؤلاء بوصفهم بالمتصهينين، أو المتأمركين"- الأناضول
"وجدنا من يصفون أصحاب الرأي المخالف لهم بالمتأيرنين، أي الموالين لإيران، فيرد عليهم هؤلاء بوصفهم بالمتصهينين، أو المتأمركين"- الأناضول
شارك الخبر
في الموقف من الحرب الجارية حاليا بين أمريكا والكيان الصهيوني من ناحية، وإيران من ناحية أخرى؛ تنوعت المواقف في عالمنا العربي والإسلامي، أعلن البعض رفضه بقوة للعدوان على إيران، وابتهج البعض بهذا العدوان نكاية في إيران التي يراها لا تقل خطرا عن الكيان، واعتبرها حربا للظالمين على الظالمين، وبين هذين الموقفين هناك موقف ثالث احتكم إلى الحسابات الاستراتيجية والعقلانية ولم تغب عنه المقاصد الشرعية أيضا، فهو لا ينسى خطايا إيران تجاه العديد من شعوب المنطقة، ولا ينسى وقوفها أيضا إلى جانب المقاومة الفلسطينية، لكنه يدرك أن واجب الوقت هو رفض العدوان ومجابهته قدر الاستطاعة؛ ليس دفاعا عن إيران ولكن دفاعا عن الأمة كلها في مواجهة الخطط المعلنة للعدو، والهادفة إلى إعادة تشكيل المنطقة وفقا للرؤية الإسرائيلية التي لا يتبناها نتنياهو فقط بل كل قادة الكيان قديما وحديثا، وإن كان نتنياهو هو الأكثر تعبيرا وحماسا لها، وترامب الأكثر دعما وتمويلا لها.

الحدة في التعبير عن المواقف، وتبادل الاتهامات التي تصل حد التكفير والتخوين؛ آفة كبرى أصابت النخب العربية والإسلامية، وكان الأوجب هو التعبير عن الموقف بهدوء، واحترام حق الآخرين في التعبير عن مواقف مختلفة

الحدة في التعبير عن المواقف، وتبادل الاتهامات التي تصل حد التكفير والتخوين؛ آفة كبرى أصابت النخب العربية والإسلامية، وكان الأوجب هو التعبير عن الموقف بهدوء، واحترام حق الآخرين في التعبير عن مواقف مختلفة. في كل الأحداث الكبرى التي مرت بها منطقتنا ستجد هذه الحدة في التعبير، وها هي تظهر مجددا في المواقف من الحرب الأخيرة؛ وجدنا من يصفون أصحاب الرأي المخالف لهم بالمتأيرنين، أي الموالين لإيران، فيرد عليهم هؤلاء بوصفهم بالمتصهينين، أو المتأمركين. لا أنفي وجود متأيرنين أو متصهينين حقيقيين، فهم كُثر بيننا، وهم يتبارون في إعلان دعمهم لإيران، أو للعدوان عليها، لكن هذا الوصف لا يصح أن يطلق على عواهنه، فالكثيرون أيضا ممن يرفضون العدوان لا يتحركون من عاطفة مذهبية، ولا تبعية سياسية، ولكنهم ينطلقون من فهم للصورة الأوسع لتعقيدات الموقف، ومخططات الأعداء، ومآلات الحرب، وتداعياتها على منطقتنا وأمتنا، وفي المقابل فإن الكثيرين ممن يشمتون في إيران ويظهرون كداعمين للعدوان عليها؛ لا يفعلون ذلك دعما للمشروع الصهيوني، أو الترامبي، بل هم رافضون لهذين المشروعين، لكنهم اكتووا بنيران إيران وأذرعها خلال العقدين الماضيين، وهو ما كان على إيران علاجه خلال الفترة الماضية.

شخصيا أعلنت رفضي منذ اللحظة الأولى للعدوان على إيران، وقلت إن الوقت ليس وقتا لاستدعاء الخلافات المذهبية، وليس وقتا للمحاكمة السياسية، بل هو وقت مواجهة العدوان الذي لا يستهدف إيران فقط، بل يستهدف أمتنا كلها. وكتبت في هذا المكان مقالا بعنوان "العدوان الأمريكي الإسرائيلي.. أبعد من إيران"، ومع هذا الموقف الواضح برفض العدوان فقد أشرت في مقالي وتغريداتي التالية لوقوع العدوان أيضا إلى خطايا إيران في سوريا واليمن والعراق، وحتى في الداخل الإيراني، والتي تستوجب منها الاعتذار، والتصحيح، لكن ذلك لا ينبغي أن يفقدنا البوصلة الصحيحة في النظر إلى العدوان الحالي عليها الذي لا يستهدف الانتقام لتلك الشعوب، ولا الانتصار للسنة ضد الشيعة، أو للعرب ضد الفرس، بل التمكين للمشروع الصهيوني في المنطقة كلها.

البعض يريدك داعما للعدوان، والبعض يريدك تابعا لإيران، ويصعب على الطرفين فهم الموقف المركب الرافض للعدوان تماما مع الاحتفاظ بالموقف النقدي تجاه الحكم الإيراني،

كما أعلنت مبكرا أن رفض العدوان على إيران لا ينسينا حق شعبها في التمتع بالحرية والحياة الكريمة (كما نطلب لأنفسنا)، لكن التغيير من الخارج لن يكون لصالح الشعب، بل لاستغلاله، كما عبرت مبكرا وفي اليوم الأول للحرب عن رفضي لأي ضربات إيرانية في الدول العربية بعيدة عن القواعد والأهداف الأمريكية، وهو الأمر الذي اعتذر عنه الرئيس الإيراني بزشكيان، واعدا بعدم تكراره إلا دفاعا عن النفس في مواجهة أي عدوان يخرج من تلك القواعد (لم تلتزم القيادة العسكرية الإيرانية بهذا القرار وواصلت قصفها لبعض الأهداف في دول خليجية بعد صدوره).

كنت أدرك ان هذا الموقف لن يكون مقبولا من أصحاب المواقف الحدية، وقلت في إحدى التغريدات في اليوم الأول للحرب أيضا أن البعض يريدك داعما للعدوان، والبعض يريدك تابعا لإيران، ويصعب على الطرفين فهم الموقف المركب الرافض للعدوان تماما مع الاحتفاظ بالموقف النقدي تجاه الحكم الإيراني، ولكن لكل مقام مقال، ولا زلت واثقا بأن المواقف الحدية هي الأكثر رواجا في القضايا الساخنة، لكن صاحب الرأي لا ينبغي له أن يكون إمعة، بل عليه أن يطرح ما يراه صحيحا، ويسعى لتسويقه في إطار دوره الرسالي في معركة الوعي.

x.com/kotbelaraby
التعليقات (0)