الشيخان الغنوشي والكتاتني.. شموع الحرية لن تنطفئ

قطب العربي
"ما يحدث للغنوشي والكتاتني ليس انتقاما شخصيا منهما فقط، ولكنه انتقام من القوى الشعبية التي قادت ثورات التحرر"
"ما يحدث للغنوشي والكتاتني ليس انتقاما شخصيا منهما فقط، ولكنه انتقام من القوى الشعبية التي قادت ثورات التحرر"
شارك الخبر
لم يكن مفاجئا -وإن كان مؤلما- تدهور الحالة الصحية للشيخ راشد الغنوشي في محبسه، وهو ما استوجب نقله على عجل إلى إحدى المستشفيات لتلقي العلاج، فالرجل في منتصف عقده الثامن، وهو معتقل منذ السابع عشر من نيسان/ أبريل 2023 في ظل ظروف حبس غير آدمية، وعقب محاكمات غير عادلة، وأحكام هزلية جائرة تساوي عمره تقريبا (أحكام بالحبس مجموعها ثمانون عاما تقريبا).

هذه الحالة التي يتعرض لها الشيخ الغنوشي سبقه إليها رئيس البرلمان المصري الأسبق الدكتور سعد الكتاتني (75 عاما) المعتقل منذ 2013، والذي يقضي عقوبة السجن المؤبد في قضايا هزلية أيضا، وقد فقد معظم وزنه في محبسه، ولا ينسى المصريون صورته خلال إحدى جلسات محاكمته قبل سنوات حين ظهر شاحبا نحيفا مقارنة مع شكله ووزنه قبل الحبس، وهو ما أحدث حالة من الغضب الشعبي الواسع شارك فيه معارضون للكتاتني من التيارات غير الإسلامية.

ما يحدث للغنوشي والكتاتني ليس انتقاما شخصيا منهما فقط، ولكنه انتقام من القوى الشعبية التي قادت ثورات التحرر من الفساد والاستبداد والفقر. لقد أراد المستبدون الجدد الذين أنتجتهم الثورات المضادة أن ينتقموا من الشعوب التي أرادت امتلاك حريتها وكرامتها بعد عقود من الانسحاق، أرادوا أن يعيدوا الشعوب العربية إلى ما يعرف "بضبط المصنع"، أي قبول الدنية، والاستبداد والفساد، وتسويق ذلك باعتباره حماية للأوطان من الفتن والتخريب!!

أراد المستبدون الجدد الذين أنتجتهم الثورات المضادة أن ينتقموا من الشعوب التي أرادت امتلاك حريتها وكرامتها بعد عقود من الانسحاق، أرادوا أن يعيدوا الشعوب العربية إلى ما يعرف "بضبط المصنع"، أي قبول الدنية، والاستبداد والفساد، وتسويق ذلك باعتباره حماية للأوطان من الفتن والتخريب

إلى جانب الرئيسين مرسي والمرزوقي، فقد كان الغنوشي والكتاتني خير تجسيد لثورتي الشعبين، قادا البرلمانين في ظروف صعبة ومضطربة، وفي ظل ديمقراطية وليدة وهشة تسابق الجميع فيها لإثبات حضورهم، وحجز مكانهم في المشهد السياسي. ورغم أن هذا أمر مشروع تماما، وحق لطالما انتظره الجميع، إلا أن بعض القوى السياسية لم تحسن استثمار الفرصة، بل إنها كانت سيوفا عليها، ونجحت عواصم الثورة المضادة في تجنيد هذه القوى لذبح ثوراتها بأيديها.

حين اندلعت الثورة التونسية أواخر العام 2010 حرصت الدعاية الرسمية المصرية على نفي أي تشابه بين مصر وتونس (مصر ليست تونس)، وقد أسعفنا حينها شعر أحمد فؤاد نجم "الخالق الناطق هناك.. الناطق الخالق هنا". كان هروب بن علي إيذانا باندلاع الثورة المصرية، لقد شعر المصريون بأن من الممكن أن يكرروا الأمر ذاته مع مبارك، وقد فعلوا، لكن المراهقة السياسية أفسدت كل مكسب لاحقا.

لم يكن غريبا ولا مفاجئا أن تتكاتف قوى النظام القديم في مصر أو تونس لاسترداد عروشها، لكن الصادم هو مشاركة "سيوف كنا نظنها معنا فإذ بها سيوف أثكلتنا"، قوى تدعي الديمقراطية في كل من مصر وتونس، وتدعي احتكار الفهم والرشد السياسي، لكنها سقطت في أول اختيار حقيقي، كانت ترى نفسها أنها الأحق بالحكم من غيرها؛ "أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه"، وحين فشلت في الاختبارات الشعبية انقلبت على الشعب، بل انقلبت على شعاراتها التي رفعتها واعتاشت عليها كثيرا، ومهدت بل ساهمت في الانقلاب على الديمقراطية الوليدة في البلدين.

انظر إلى تلك القوى التي رقصت للانقلاب والمذابح في مصر، ثم مُد البصر إلى تونس ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير، فأدعياء الديمقراطية هناك لم يتعلموا من تجربة أقرانهم في مصر، بل راحوا يكررون مأساتهم حذو القُذَّةِ بالقُذَّةِ حتَّى لو دخلوا جحرَ الشيطان لدخلوه، المهم ألا يتولى السلطة غيرهم، وليشرب الشعب ماء البحر.

حين وقع انقلاب مصر دعا الجيشُ رئيسَ البرلمان سعد الكتاتني لحضور مشهد الانقلاب يوم 3 تموز/ يوليو 2013، وكان وقتها رئيسا لحزب الحرية والعدالة أيضا، بهدف المشاركة في المشهد السياسي الجديد، لكنه رفض المشاركة، فكان العقاب سريعا وهو اعتقاله في اليوم ذاته، وتعريضه لمعاملة غير آدمية في محبسه؛ أفقدته معظم وزنه، وأجبرت سلطات السجن على نقله للمستشفى، ثم حرمته لاحقا من زيارة ذويه أو محاميه حتى الآن. وحين وقع انقلاب تونس في الخامس والعشرين من تموز/ يوليو 2021 تحرك الشيخ راشد الغنوشي على رأس حشد نيابي إلى البرلمان،
لم يحظ الشيخان الغنوشي والكتاتني -اللذين كانا وسيستمران شعلة ضوء لن تخبو- بما يستحقان من اهتمام دولي كونهما رئيسين منتخبين لبرلمانيين عربيين، والسبب خلفيتهما الإسلامية
لكنه فوجئ بإغلاقه بالسلاسل، مع مرابضة مدرعات عسكرية في مدخله. لم يكن بوسع الرجل المسالم وغيره من النواب الدخول في مواجهة مع هذا العتاد العسكري، لكنه سجل موقفا يحفظه له التاريخ في كل الأحوال.

رغم هذا المسلك الديمقراطي الحضاري إلا أن المنقلب قيس سعيد لم يتوقف عند حل البرلمان، وغلق أبوابه، ولا حتى باختيار صوري لنواب جدد، بل إنه عمد للتنكيل بالشيخ راشد وغيره من رموز الحرية. وكما حدث في مصر تكرر الأمر في تونس؛ اتهامات غريبة، ومحاكمات صورية، وقضاة منتقون، وأحكام عبثية بعشرات السنين في قضايا لا تقوم على ساق، وهو ما دفع الشيخ راشد لمقاطعة جلسات تلك المحاكمات الهزلية لأنها تضييع وقت يحتاجه للقراءة والكتابة والتأليف بما يفيد تونس والأمة كلها.

لم يحظ الشيخان الغنوشي والكتاتني -اللذين كانا وسيستمران شعلة ضوء لن تخبو- بما يستحقان من اهتمام دولي كونهما رئيسين منتخبين لبرلمانيين عربيين، والسبب خلفيتهما الإسلامية، إذ لو كانا ينتميان لخلفيات أخرى لما توقفت الضغوط حتى خروجهما، وحتى النداءات الخافتة التي صدرت عن بعض مقرري الأمم المتحدة (المقرر الخاص المعني بالاحتجاز التعسفي والتعذيب، أو المقرر الخاص بالحق في الصحة) للإفراج عن الشيخين لم تعرها السلطات المصرية والتونسية أدنى اهتمام، لعلمها أنها محض نداءات فارغة من أي تبعات. ويبقى أن استنقاذ الشيخين هو أمانة في عنق كل الأحرار في مصر وتونس، والعالم أجمع.

x.com/kotbelaraby


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل