ليس أمام
مصر من بديل سوى أن تكون دولة قوية، ولن تكون قوية إلا إذا كانت غنية، ولن تكون
غنية إلا إذا امتلكت اقتصادا صناعيا متقدما، ولن يتحقق ذلك دون منظومة تعليم
حكومية قومية موحدة، تتيح لكل المصريين فرصا متكافئة، وتنافس أرقى النظم التعليمية
في العالم، قبل الجامعة وبعدها. هذه هي أبجديات المستقبل، إن كنا حقا نريد أن
نصنعه.
هذا
المعنى أورده الكاتب الصحفي أنور الهواري في منشور مهم، وهو طرح لا خلاف عليه في
جوهره، لكنه يظل منقوصا، إذ يغيب عنه شرطٌ أساسي لا يمكن تجاوزه: أن كل ما سبق
يستحيل تحقيقه في ظل حكم شمولي، يُغلق المجال العام، ويكبت
الحريات، ويُقصي
الكفاءات.
فلا نهضة
دون بيئة تسمح بالابتكار، ولا تقدم دون إطلاق الحريات العامة، ولا استقرار دون
مصالحة داخلية شاملة، وردّ اعتبار للمظلومين، ومعالجة للاحتقان المجتمعي، وترسيخ
حقيقي لمبدأ الفصل بين السلطات. هذه ليست ترفا سياسيا، بل شروطا تأسيسية لأي دولة
حديثة.
لا نهضة دون بيئة تسمح بالابتكار، ولا تقدم دون إطلاق الحريات العامة، ولا استقرار دون مصالحة داخلية شاملة، وردّ اعتبار للمظلومين، ومعالجة للاحتقان المجتمعي، وترسيخ حقيقي لمبدأ الفصل بين السلطات
إن
الإرادة المستقلة وامتلاك القرار الوطني هما القضيبان اللذان يسير عليهما قطار
النهضة. فلا يمكن ليدٍ مرتعشة أن تقود تحولا بهذا الحجم، ولا لمن ارتهن قراره
للخارج أن يُؤتمن على مشروع وطني. ومن العبث أن تُسند هذه المهمة إلى نظام يعادي
العلم، ويُهمّش البحث العلمي، ويُقصي التخصص، ويستبدل الكفاءة بالولاء، ويفرض
هيمنة نمط إداري واحد على كل مجالات الحياة: من الصناعة والتجارة، إلى الزراعة
والتعليم والصحة والخدمات، بل وحتى المجالس النيابية والمحلية.
نحن أمام
مشهد بالغ العبثية: مؤسسة عسكرية تتحول إلى فاعل مدني واسع النفوذ، بينما تُعسكر
المجالات المدنية، ويُدفع بعناصر عسكرية -متقاعدة أو في الخدمة- إلى صدارة
المؤسسات الوطنية. وهنا تصبح القاعدة الحاكمة: أن تتحول الدولة من فاعل مبادر إلى
مجرد رد فعل.
في هذا
السياق، أعلنت ستة كيانات معارضة عن تدشين مؤتمر يتناول أبرز أزمات الدولة
المصرية، عبر ثمانية ملفات رئيسية: النظام السياسي، والاقتصاد، والمؤسسة العسكرية،
والأجهزة الأمنية، والعلاقات الخارجية، والقضاء، والإعلام، وسيناء. وقد أُعدّ لهذا
المؤتمر منذ أشهر، وتأخر الإعلان عنه نظرا لتطورات إقليمية فرضت نفسها.
رد فعل
النظام على هذه الخطوة لم يكن مفاجئا؛ إذ سارع، عبر أدواته، إلى التساؤل عن توقيت
المؤتمر وآليات تنظيمه. وهو اندهاش مفهوم من نظام لم يعتد العمل وفق خطط
استراتيجية، قصيرة أو متوسطة أو طويلة المدى، بل يعتمد إدارة يومية للأزمات، أشبه
بمن ينتظر الفرص العارضة لا من يصنعها. لذلك يلجأ إلى التشويه والتقليل من أي جهد
منظم، لأن الفاشل غالبا ما يرى العالم من مرآته.
في
المقابل، تحرص القوى الوطنية على التركيز على الهدف المركزي، لا الانشغال
بالمسارات الجانبية. فمنذ انطلاق هذا الحراك، كان الهدف واضحا: تغيير الواقع
السياسي وإنقاذ الدولة من مسار الانحدار، عبر استعادة التداول السلمي للسلطة
وإعادة بناء مؤسساتها على أسس حديثة.
هذا
الصراع بطبيعته معقد، تتداخل فيه الأبعاد الداخلية مع الإقليمية والدولية،
والتعامل معه يتطلب وعيا عميقا بتوازنات المنطقة، وتعارض المصالح، وحالة
الاستقطاب، إلى جانب إدراك مصالح ومخاوف الفاعلين الدوليين. لذلك يجري العمل على
هذه المسارات بالتوازي، عبر إدارة دقيقة، تسعى لحل الأزمات، وتقديم الضمانات،
وتحييد الخصوم قدر الإمكان.
ولا شك أن
هذا كله يتطلب قدرات تنظيمية وإدارية، وموارد بشرية مؤهلة، وآليات عمل مستمرة. ومن
هنا جاء التوجه نحو بناء كيان مرن، غير هرمي، يتجاوز الأطر التنظيمية التقليدية،
ويتحرك كتيار واسع عابر للكيانات، داخل مصر وخارجها؛ كيان يعرف أهدافه
واستراتيجياته، ويمنح مساحاته المختلفة القدرة على التحرك وفق تقديراتها، في إطار
رؤية جامعة.
هكذا
تتحول الفكرة من تنظيم مغلق إلى حالة ديناميكية مرنة، قادرة على التكيف، وأكثر
استعدادا لمواجهة واقع معقد ومتغير.
يبقى
الهدف الأسمى الذي يسعى إليه هذا المؤتمر هو تجنّب انزلاق البلاد إلى فوضى أو
احتراب مجتمعي. وهو هدف لا يتحقق بالشعارات، بل بطرح رؤى مرنة تعزّز التشاركية بين
القوى الوطنية، وتؤجل أي تنافس مبكر قد يدفع نحو مزيد من الاستقطاب والتطاحن؛ وهو
ما يدفع المواطن ثمنه أولا، وتدفع معه الدولة كلفة باهظة على مستوى مصالحها العليا.
من هذا
المنطلق، يمكن النظر إلى المؤتمر باعتباره تدريبا عمليا على بناء مساحات للتفاهم
والتوافق حول الخطوط العريضة للمرحلة الانتقالية. فهناك أفكار مطروحة، بعضها مجرّب
في تجارب دولية لكنها تحتاج إلى إعادة صياغة بما يلائم الخصوصية المصرية. إلى جانب
ذلك، تُطرح بدائل أخرى قيد النقاش، بهدف الوصول إلى الصيغة الأكثر واقعية وملاءمة،
كما يدور نقاش موازٍ حول طبيعة المرحلة الانتقالية: هل تُحدَّد بإطار زمني، أم
بمدى تحقق الأهداف، أم بمزيجٍ بين الاثنين؟
هذا
المؤتمر، إذن، لا يقف عند حدود التشخيص أو تقديم الحلول النظرية، بل يتجاوز ذلك
إلى مستوى أعمق: صياغة السياسات القابلة للتنفيذ. فالقضية ليست في جودة الأوراق
البحثية وحدها، على أهميتها، بل في الإجابة عن السؤال الحاسم: كيف؟ كيف يمكن تحويل
هذه التصورات إلى واقع، في ظل تحديات معقدة، وصعوبات متوقعة، وممانعة من أطراف لا
يروق لها أن ترى دولة مصرية قادرة على النهوض واستعادة مكانتها التي تستحقها؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.