على
مدى 13 عاما لم تفلح السلطة في
مصر في تسويق انقلابها على أول حكم مدني في تاريخ
مصر الحديث، ولم يتخلص
السيسي من كابوس
ثورة يناير، وكابوس الإخوان، وكابوس الرئيس
مرسي والشهداء الذين قتلهم، هذا الكابوس لم يفارقه حتى في صلاة عيد الفطر حيث راح يدافع
عن نفسه مجددا أنه لم يتآمر، ولم يقتل أحدا!! إنه يقترب شيئا فشيء من حالة الحجاج بن
يوسف الثقفي الذي كان يطارده في منامه شبح ضحيته سعيد بن جبير، فيصرخ "مالي
وسعيد، مالي وسعيد، كلما أردت النوم أخذ برجلي".
استخدمت
السلطة كل أدواتها القمعية الخشنة للفتك بخصومها، واستخدمت سجونها المتعددة التي
ضاعفتها ببناء المزيد لاعتقال عشرات الآلاف وتعذيبهم، وأجبرت عشرات الآلاف الآخرين
على الهرب خارج مصر، وقتلت بشكل مباشر عبر تصفيات جسدية أو عبر أحكام مسيسة
الكثيرين، ليكونوا عبرة لغيرهم، لكن ذلك لم يكن كافيا لطرد تلك الكوابيس.
* * *
إضافة
إلى القوى الخشنة في المواجهة، تنبهت السلطة إلى القوة الناعمة الممثلة في
الدراما
والإعلام لتشويه الثورة والتحركات الشعبية المناهضة للانقلاب، وتحويلها إلى كوابيس
لأصحابها، وطالما بدأت معركة التشويه فلا بد من تصميم سردية كاملة عن مجريات
الأحداث تنفي عنها صفة الحراك الشعبي، وثورة الحرية والكرامة إلى كونها أعمال
إرهابية استهدفت إسقاط الدولة المصرية،
إضافة إلى القوى الخشنة في المواجهة، تنبهت السلطة إلى القوة الناعمة الممثلة في الدراما والإعلام لتشويه الثورة والتحركات الشعبية المناهضة للانقلاب، وتحويلها إلى كوابيس لأصحابها
وتخريب مؤسساتها ومنشآتها.. إلخ (تعبير
إسقاط الدولة هو المرادف لإسقاط الحكم، لأنه لا يوجد مصري واحد يريد أو يتمنى سقوط
الدولة)، من الطبيعي في هذه الحالة أن يتم تحديد الأعداء المستهدفين (سيتم وصفهم
بالإرهابيين والعملاء والخونة في السردية الجديدة).
كانت
سردية نظام مبارك في أيام الثورة عليه أنها عمل تخريبي يقوده الإخوان المسلمون،
تجاهل نظام مبارك عن عمد الحشود المليونية من المصريين من مختلف التيارات، وممن هم
مستقلون عن أي تيارات، وركز على الإخوان ليسهل تنميطهم ومواجهتهم، وحشد القوى
السياسية الأخرى ضدهم، وكذا تخويف المجتمع الدولي من هذه الثورة، لكنه فشل في
نهاية المطاف، ونجحت الثورة في الإطاحة بهم. ورغم أن نظام السيسي الذي انقلب على
تلك الثورة، وما أنتجته من مكاسب حاول في البداية ادعاء الوصل بها، وأشاد في
أحاديث وتصريحات عديدة بها، وأعاد التأكيد على عظمتها في تعديلات الدستور في 2014،
وهو الدستور الذي أقسم على احترامه، إلا أنه أظهر ما كان يخفيه من تجاه الثورة بعد
أن نجح في تثبيت أركان حكمه.
* * *
كانت
مشاعر السيسي الحقيقية سلبية تجاه الثورة، ولم تطل مدة إخفاء تلك المشاعر، فظهرت
في تصريحات ومواقف علنية تصفها بأقذع العبارات، وتتهم المشاركين فيها بالخونة أو
المخدوعين في الحد الأدنى، وعاد السيسي إلى أرشيف دولة مبارك ليستخدم سرديته تجاه
الثورة، وأنها عمل تخريبي استهدف هدم الدولة المصرية ومؤسساتها، ومرة أخرى وجه
السيسي سهامه تجاه الإخوان مباشرة باعتبارهم القوة الرئيسية التي قادت تلك العملية
التخريبية (من وجهة نظره)، والتي لن يسمح بتكرارها، وكأن الثورة حين تنضج تحتاج
إذنا منه أو من غيره.
إضافة
إلى أيام الثورة وشهورها، حرص نظام السيسي على تشويه فترة حكم أول رئيس مدني
أنتجته تلك الثورة، ورغم أنها لم تتجاوز سنة واحدة إلا أنه حمّلها كل مآسي مصر
التي حدثت في حكم أسلافه من الجنرالات، فهي المسئولة عن الديون الخارجية الضخمة
التي تجاوزت في عهد السيسي 170 مليار دولار بخلاف الديون الداخلية، بينما بلغت في
نهاية عام مرسي 43 مليار دولار فقط، وهي (أي فترة السنة) مسئولة عن أزمة سد النهضة
الذي فتح السيسي الباب للإثيوبيين للمضي في بنائه بعد توقيعه معهم اتفاقية المبادئ
في 2015، وهي المسئولة عن الإرهاب في سيناء، رغم أنها كانت الفترة الأقل في عدد
العمليات الإرهابية قياسا بما قبلها وما بعدها، ونسي أن يحملها المسئولية عن تسليم
جزيرتي تيران وصنافير، وبيع رأس الحكمة وغيرها.
لم
يكتف السيسي ورجاله بالتصريحات الصحفية تشويها لفترة حكم الرئيس مرسي، بل حرص على
إنتاج العديد من الأعمال الدرامية لتمرير سردية مضللة عن أحداث عاشها ملايين
المصريين، ثم إذ بهم يسمعون رواية مغايرة؛ يراهن النظام على عنصر الزمن، وعلى
النسيان الذي يعتري الناس خاصة مع تراكم الأزمات والهموم المعيشية الأخرى التي
تنسيهم تلك الأحداث.
* * *
بخلاف
ثلاثة مواسم لمسلسل الاختيار، وبخلاف عشرات الأفلام السينمائية، واللقاءات
التثقيفية التي استهدفت تقديم سردية النظام في مواجهة الأعمال الإرهابية في سيناء،
ومواجهة المعارضة السياسية بوصفها جزءا من الإرهاب أيضا، أنتج النظام هذا العام
مسلسلا رمضانيا جديدا بعنوان "رأس الأفعى"، والمقصود هو الدكتور محمود
عزت، نائب المرشد العام للإخوان والقائم بأعماله، والذي تمكن من التخفي عن عيون
الأجهزة الأمنية بكل ما تمتلكه من وسائل رصد وتتبع وتجسس لمدة سبع سنوات لم يغادر
فيها القاهرة. ولعل هذا الموقف الذي أحرج السلطات الأمنية هو الدافع الرئيسي وراء
إنتاجهم هذا المسلسل عنه، ومن خلال هذه الشخصية يتم تسويق سردية جديدة للأحداث
التي أعقبت الانقلاب العسكري في 2013، فبدلا من كونها حراكا شعبيا طبيعيا مناهضا
للانقلاب، كما حدث في العديد من الدول التي شهدت انقلابات مثل تشيلي والأرجنتين
وتركيا.. إلخ، وبدلا من كون تلك التحركات دليل على حيوية الشعب المصري، ورفضه للظلم
والاستبداد، يتم تقديم تلك التحركات باعتبارها أعمالا إرهابية استهدفت إسقاط
الدولة.
لقد
كان الحراك الشعبي سلميا بشكل عام، لكنه تضمن بعض الأعمال المسلحة، كان منها
اغتيالات أو محاولات اغتيال لبعض المسئولين في الدولة وأجهزتها الأمنية، وتخريب
لبعض المنشآت، ومع ذلك تظل تلك الأعمال استثناء من قاعدة السلمية التي حرصت قيادة
الحراك على تطبيقها، وحرص مرشد الجماعة الدكتور محمد بديع قبل اعتقاله على تثبيتها
من فوق منصة رابعة (سلميتنا أقوى من الرصاص).
في
مسلسله الرمضاني الحالي ركز النظام على هذه التجاوزات ليعتبرها الأساس للحراك،
متجاهلا المظاهرات والاعتصامات السلمية، والحراك القانوني والحقوقي داخل مصر
وخارجها، ووضع كل تلك الأعمال المسلحة في رقبة الدكتور محمود عزت الذي وصفه بـ"رأس
الأفعي".
* * *
سردية
النظام للأحداث التالية للانقلاب والتي تضمنها المسلسل الدرامي الذي عرض خلال شهر
رمضان المنصرم؛ تمتلئ بالكذب المصنّع في أقبية الأجهزة الأمنية لإنتاج رواية أمنية
متكاملة؛ رغم كذبها الصريح، ورغم خلطها الواضح، فالرواية تدمج بين الإخوان وداعش
والقاعدة وغيرها من الجماعات المسلحة المعروفة لأي متابع، رغم عدائها الشديد
للإخوان، والرواية تخلط عن عمد بين قيادات الجماعة التي تبنت الخيار السلمي،
وغيرها ممن تبنى خيارات أخرى، والرواية تستند لأحداث قديمة وقعت في عهد الاستعمار
البريطاني وضده ليتم توصيفها في الرواية الجديدة بأنها أعمال إرهاب لا أعمال
مقاومة للاحتلال والمتعاونين معه.
والرواية
التلفزيونية الجديدة تمتلئ بالأخطاء التاريخية المتعمدة بهدف تأكيد تلك السردية،
ومنها الزعم على لسان بطل المسلسل أن الدكتور محمود عزت المولود سنة 1944 شارك
بنفسه في تشوين وتخزين أسلحة عام 1948! وللتذكير هنا فقد كانت تلك الأسلحة مخصصة
لكتائب الإخوان التي شاركت في مواجهة العصابات الصهيونية في فلسطين، وهي المشاركة
التي تمثل مفخرة للإخوان، ولكل من شارك في تلك المقاومة الشعبية.
* * *
هذه
السردية الأمنية التي تمثل رواية النظام الرسمية للجيل الحالي والأجيال المقبلة هي
بمثابة كارثة وطنية في كل الأحوال، فإذا كان النظام مقتنعا بحق بهذه السردية فهذا
يكشف خللا في فهمه لخارطة المجتمع، والقوى الإسلامية المتنوعة، وهذا الفهم الخاطئ
سيدفعه دوما لاتخاذ قرارات وسياسات معيبة، تفرز المزيد من التأزيم في المشهد
السياسي والاجتماعي والأمني، ولا تبشر بخروج قريب من معضلة أو أزمة الحكم مع
التيار الإسلامي. وإذا كانت السلطة مدركة أن روايتها غير حقيقية، وأنها تستهدف فقط
تسويقها بهذا الشكل لتحقيق مكاسب آنية فإنها بذلك ترتكب عن قصد جريمة تضليل الشعب،
وهذا التضليل لن يصمد كثيرا، فقد تستطيع السلطة ذلك لبعض الوقت لكنها لا تستطيع
ذلك طول الوقت، خاصة مع توفر وسائل إعلام بعيدة عن سيطرتها، ومع وجود شهود على تلك
الأحداث لا زالوا أحياء، إضافة إلى أن تلك السردية المضللة ستنتج أيضا المزيد من
التأزيم في وقت كان الكثيرون يتوقعون أن تتجه السلطة للخروج من تلك الأزمة وتصفير
إفرازاتها، وعلى رأسها ملف المعتقلين السياسيين.
يخطئ من يتصور أن السلطة تمارس القهر والتعذيب ضد منتسبي ومعتقلي التيار الإسلامي فقط، فالشواهد كثيرة على تعرض منتسبين لقوى مدنية أخرى لهذا التعذيب
لم
تكتف السردية بتحويل الحراك الشعبي المناهض للانقلاب في المجمل إلى عمل إرهابي
يستهدف إسقاط الدولة (وليس النظام)، ولم يكتف بتحميل الإخوان المسئولية عن كل
الأعمال الإرهابية التي شهدتها مصر سواء عقب الانقلاب أو خلال الحقب السابقة حتى
في العهد الاستعماري، بل سعت هذه السردية لتبييض وجه أجهزة الأمن، ورجال الأمن
الوطني، ومحو الصورة الذهنية السلبية المترسخة عنهم، فهم في المسلسل لا يمارسون
التعذيب بحق المتهمين، بل يكتفون بـ"شخطة" أو ضربة يد على الطاولة ليخر
المتهم أمامهم معترفا بكل ما يريدون، وفي ذلك استغباء للشعب الذي يعرف جيدا ما
يحدث في مقار الأمن، وأماكن الاحتجاز. لقد حصلت أجهزة الأمن المصرية على أحدث ما
انتجته التكنولوجيا العالمية؛ من معدات وأجهزة تعذيب، ومراقبة لكل برامج
الاتصالات، ومن ذلك صفقات مع شركات فرنسية لشراء برامج تجسس على هواتف المعارضين، بخلاف
شراء أحدث أجهزة التعذيب لانتزاع الاعترافات. وليس مجهولا ما يتعرض له المعتقلون
السياسيون من تعذيب بدني ومعنوي في زنازينهم والذي أفضى إلى وفاة بعضهم، وقد سجلت
ذلك العديد من التقارير الحقوقية.
يخطئ
من يتصور أن السلطة تمارس القهر والتعذيب ضد منتسبي ومعتقلي التيار الإسلامي فقط، فالشواهد
كثيرة على تعرض منتسبين لقوى مدنية أخرى لهذا التعذيب، وقد توفي بعضهم في السجون
أيضا، كما يخطئ من يتصور أن أزمة السلطة مع الإخوان فقط، ربما يظهر ذلك في الوقت
الحالي، لكن السلطة كانت دوما في صراع من أي قوة شعبية قادرة على منازلتها، حدث
ذلك مع حزب الوفد منذ منتصف العشرينات وحتى مطلع الخمسينات، وحدث ذلك مع القوى
الشيوعية في السبعينات، وحدث مع الجماعات الإسلامية المسلحة في التسعينات.. الخ،
وسيحدث مع أي قوة مؤثرة أخرى.
x.com/kotbelaraby
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.