عن تنوع المواقف من إيران والعدوان عليها ومنها

قطب العربي
"الحرب في طريقها للنهاية، ولكن الجهاد الأكبر سيبدأ بعدها، داخل إيران ومع محيطها الإقليمي"- جيتي
"الحرب في طريقها للنهاية، ولكن الجهاد الأكبر سيبدأ بعدها، داخل إيران ومع محيطها الإقليمي"- جيتي
شارك الخبر
الأحداث الكبرى بطبيعتها تنشئ تموضعات مختلفة ومتنوعة تجاهها، والعدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران مؤخرا أحد هذه الأحداث التي انقسم الرأي العام العربي والإسلامي بشأنها، فنحن أمام حرب معقدة، متشعبة، لو أنها اقتصرت على العدوان على إيران فربما بدت الصورة أكثر بساطة من حيث إدانة هذا العدوان، أو الصمت في الحد الأدنى، لكن تشعب الحرب إلى ضربات إيرانية على أهداف مدنية وعسكرية وخليجية كجزء مما اعتبرته ردا على العدوان الأمريكي خلط الأوراق، ودفع البعض لإعادة تعديل تموضعهم، في حين استمر قطاع آخر على قناعاته السابقة دعما لهذا الطرف أو ذاك بناء على مواقف وقناعات مسبقة في الغالب.

منذ بدأت الحرب كان الموقف بالنسبة لي واضحا، وفد عبرت عنه كتابة وقولا، وهو موقف ثلاثي الأبعاد؛ رفض وإدانة للعدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ورفض وإدانة للضربات الامريكية للأهداف المدنية في دول الخليج، وتضامن مع حق الشعب الإيراني في الحرية والحياة الكريمة كغيره من الشعوب، وهو موقف لم يرق للبعض، أو اعتبره البعض مشوشا، بالمحصلة لم يُرض كارهي إيران، ولا الداعمين لها من خارجها، لكنني اجتهدت، ولا زلت عند هذا الاجتهاد الذي ينال صاحبه أجران إن أصاب وأجر إن أخطأ.

لم يكن رفض العدوان الإيراني الإسرائيلي محض حالة عاطفية، أو دعم أعمى لإيران، بل كان نتيجة تقدير موقف لتداعيات هذا العدوان ليس فقط على إيران، ولكن على المنطقة والأمة عموما

لم يكن رفض العدوان الإيراني الإسرائيلي محض حالة عاطفية، أو دعم أعمى لإيران، بل كان نتيجة تقدير موقف لتداعيات هذا العدوان ليس فقط على إيران، ولكن على المنطقة والأمة عموما. فنحن أمام عدوان يعلن طرفاه (أمريكا وإسرائيل) بلا مواربة رغبتهما في إعادة رسم خرائط المنطقة، وتشكيل شرق أوسط جديد، يكون الكيان الصهيوني قائدا وموجها له، وما على بقية دول المنطقة سوى السمع والطاعة إن أرادت أن تعيش في أمن وأمان. وهو مشروع راق لبعض أنظمة الحكم العربية الهشة التي هرولت من قبل (وبعضها ينتظر الدور) نحو التطبيع الإبراهيمي الذي يمثل الأساس الفلسفي لهذا المشروع، خاصة مع تحكم فكر الصهيونية المسيحية في مفاصل الحكم الأمريكي، واعتبارهم دعم الكيان واجبا دينيا مقدسا تمهيدا لعودة المسيح عليه السلام.

ولم يكن العدوان على إيران لأنها شيعية، ولا لأنها فارسية، بل لأنها استعصت على التطويع، رغم الحصار الممتد ضدها منذ ثورتها في العام 1979، ورفضت الدخول في بيت الطاعة الأمريكي، بل ظلت تصفه بالشيطان الأكبر حتى اليوم، وهي بالتالي ضمن دول قليلة في المنطقة تقف حجر عثرة في وجه المشروع الصهيوني المدعوم أمريكيا، حتى لو كان ذلك لأسباب قومية أو مذهبية، وليس لأسباب تخص القضية الفلسطينية كما يرى البعض.

فشل العدوان في تحقيق أهدافه (تدمير كامل للمشروع النووي وإسقاط النظام) ليس مكسبا لإيران فقط، بل مكسب لعموم المنطقة، وعرقلة لمشروع التمدد الصهيوني، وطاقة أمل جديدة في قدرة الأمة على مواجهة مؤامرات تمزيقها وإضعافها، بل نافذة أمل للتخلص من الأنظمة التي ارتبطت بالمشروع الصهيو أمريكي.

امتلاك إيران لمشروع نووي سلمي هو حق مشروع لها ولغيرها وفقا للاتفاقات الدولية ذات الصلة، بل من واجب الهيئة الدولية للطاقة الذرية مساعدتها في هذا المشروع مع مراقبته منعا لتحوله إلى مشروع عسكري، وقد أعلنت إيران مرارا وتكرارا أنها لا تستهدف بناء مشروع نووي عسكري، وأصدر مرشدها الراحل علي خامنئي في العام 2003 فتوى تحرم صناعة وامتلاك واستخدام السلاح النووي، وتم إيداع الفتوى رسميا في الأمم المتحدة عام 2005 كوثيقة رسمية، لكن الرغبة الأمريكية الإسرائيلية في عدم تمكين أي دولة عربية أو إسلامية من امتلاك التكنولوجيا النووية هي التي دفعت الأمريكيين والإسرائيليين للعدوان، وقد نجحوا من قبل في تدمير المشروع النووي السلمي العراقي، وأجبروا القذافي على تسليم مفاتيح مشروعه أيضا تجنبا لعقوباتهم الشديدة.

الدولة الإسلامية الوحيدة التي أفلتت منهم بمعجزة هي باكستان، وقد ساهم في هذا الإفلات الأوضاع السياسية الإقليمية والدولية من ناحية، والقدرة الباكستانية على التخفي والتكتم على مشروعها حتى نضج، وكان من الطبيعي لباكستان أن تمتلك سلاحا نوويا لمواجهة السلاح النووي الهندي المعادي لها والذي غض الغرب النظر عنه، ورغم حربين تعرضت لهما إيران بهدف القضاء على مشروعها النووي، وتمكنها من الإفلات في الحربين، إلا أنها لا تزال متمسكة بجوهر المشروع النووي السلمي رغم أن هذه الاعتداءات المدمرة تمنحها مبررا سياسيا وأخلاقيا للعدول عن موقفها السابق، وفتوى مرشدها الراحل.

كان رفض العدوان الأمريكي الإسرائيلي واجبا سياسيا وأخلاقيا للحيلولة دون تقدم المشروع الصهيوني، فهو لن يتوقف عند حدود إيران، بل إن قادة الكيان وغيرهم من الساسة والمفكرين الصهاينة يشيرون كل يوم إلى دولة جديدة مستهدفة، فتارة هي سوريا، وتارة تركيا، وتارة مصر، وتارة السعودية، وحتى باكستان نفسها التي قامت بالوساطة الأخيرة هي في مرمى الاستهداف بسبب امتلاكها لمشروع نووي.

إدانة العدوان لم تكن تبنيا للسياسات الإيرانية الداخلية والخارجية، ولا نسيانا لجرائمها في سوريا وغيرها، ولا قبولا بقمع حكامها لشعبها، بل كانت هذه الإدانة هي واجب الوقت دفاعا عن أنفسنا، وعن أمتنا بشكل عام، وتصديا لما يراد بنا من خطط ومؤامرات نسمع ونعرف تفاصيلها قبل حدوثها، وندرك تداعياتها الخطيرة قبل وقوعها، أما مشكلاتنا مع إيران فستظل قائمة لبعض الوقت، وستحتاج إلى حوار جدي ومخلص لحسمها، تمهيدا لبناء قوة إسلامية موحدة في وجه المؤامرات التي تتعرض لها الأمة.

لم يكن رفض العدوان الأمريكي الإسرائيلي مانعا البتة لرفض العدوان الإيراني على الأهداف المدنية (لا القواعد الأمريكية) في الخليج، من منشآت نفطية وغازية وسياحية وفندقية ومشروعات مياه وطرق وجسور.. الخ، كانت إيران بذلك تستسهل الانتقام من جيرانها، وإذا كان بعضهم شريكا في المشروع الصهيوني، فإن دولا أخرى أعلنت رفضها مبكرا للعدوان على إيران، كما أنها كثيرا ما قامت بأدوار وساطة لصالح إيران نفسها.

هذه الضربات الإيرانية المرفوضة تسببت في توسيع الشرخ مع الشعوب الخليجية، وعززت نوازع الخوف لديها، وقد تدفع بعضهم لطلب المزيد من الحماية الأمريكية، وهو شعور مرتبك وتصرف خاطئ، ذلك أن الحماية الأمريكية وقواعدها في تلك الدول لم تفعل لهم شيئا خلال الحرب، بل تركتهم يدافعون عن أنفسهم، والصحيح أن تبني الدول العربية وضمنها الخليجية منظومة دفاع عربي مشترك، وإذا كانت بعض الاصوات الخليجية تشكك في نجاعة أي منظمة أمن عربية فعليها أن تسارع بإنشاء منظومة أمن خليجية مشتركة، مع تنويع مصادر سلاحها ودفاعاتها حتى تتمكن من حماية نفسها، ولا تحتاج لحماية أمريكية وهمية نظير مليارات الدولارات.

البعد الثالث في الموقف من الحدث الكبير هو التضامن التام مع الشعب الإيراني وحقه المشروع في التمتع بالحرية والحياة الكريمة، لقد خرج الشعب الإيراني في مظاهرات حاشدة في عدة جولات منذ العام 2009 فيما سمي وقتها بالثورة الخضراء، وتلاها العديد من الجولات الأخرى، واجهها النظام بقمع شديد، وقتل الآلاف؛
كرر الشعب الإيراني موقفه دعما لوطنه، ورفضا للعدوان عليه، وهو ما يستحق من السلطة مجددا تكريم هذا الموقف، وتقديم إصلاحات حقيقية، وإلا فإن عليها أن تستعد لموجة جديدة من الغضب الشعبي بعد انتهاء الحرب، في ظل سلطة منهكة، واقتصاد أكثر انهاكا
كانت تلك المظاهرات في غالبها شعبية وطنية حقيقية، وكانت مطالبها بإصلاحات سياسية مشروعة، وكان في طليعة هذه المظاهرات رموز إسلامية شاركت في قيادة الثورة وظلت وفيّة لها، ما يدحض تهمة العمالة للأمريكان أو الصهاينة عن عموم المتظاهرين.

لا يطعن في هذا الحراك الشعبي انضمام فئات هامشية موالية للأمريكان أو حتى الصهاينة، وقد انحاز الشعب الإيراني في معظمه لوطنه حين وقع العدوان الأمريكي الإسرائيلي في حزيران/ يونيو 2025، وكان حريا بالسلطة رد الجميل لهذا الشعب عبر إصلاحات سياسية واقتصادية جادة، لكن السلطة ركبت رأسها، واستسهلت اتهام تلك التظاهرات بتلقي الدعم الخارجي. واليوم كرر الشعب الإيراني موقفه دعما لوطنه، ورفضا للعدوان عليه، وهو ما يستحق من السلطة مجددا تكريم هذا الموقف، وتقديم إصلاحات حقيقية، وإلا فإن عليها أن تستعد لموجة جديدة من الغضب الشعبي بعد انتهاء الحرب، في ظل سلطة منهكة، واقتصاد أكثر انهاكا.

الحرب في طريقها للنهاية، ولكن الجهاد الأكبر سيبدأ بعدها، داخل إيران ومع محيطها الإقليمي، وإذا كانت السلطة الإيرانية قد صمدت في مواجهة العدوان الخارجي فليس مقبولا منها "صمودا!" مماثلا في مواجهة المطالب الشعبية المشروعة، ولا في طمأنة الخائفين في محيطها وجوارها بشكل استراتيجي وليس تكتيكيا، ولا في حوار جدي مع بقية جسد الأمة على المستويين الشعبي والرسمي يستهدف نزع ألغام الشقاق والفتن، وبناء علاقات تعاون استراتيجي قادرة على مجابهة المؤامرات التي تستهدف المنطقة عموما وضمنها إيران.

x.com/kotbelaraby


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)