لماذا لم تُهزمْ إيران ولم ينتصر الثنائي؟

أحمد عويدات
"فشل الإنزال الأمريكي وتحطم طائراته"- إكس
"فشل الإنزال الأمريكي وتحطم طائراته"- إكس
شارك الخبر
بعد ما يزيد على 40 يوما من الحرب التدميرية، ومن الضربات الجوية والصاروخية العنيفة التي طالت البشر والحجر، خرج كل طرفٍ يدَّعي انتصاره والهزيمة للطرف الآخر، وبدأ الأمريكي والإسرائيلي يتفاخران باستعراض إنجازاتهما العظيمة، وإحصاء ما مُنيَ به الجانب الآخر من خسائر مادية وبشرية خاصة في صفوف القادة. لكن الحقيقة الماثلة أمام الجميع، هي أن العدوان الثنائي قد انكفأ باتفاق وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين أو هدنةٍ تحت الرماد تحبس الأنفاس، تُجرى خلالها مفاوضات الحل النهائي لـ"أزمة إيران". ويبقى السؤال الأهم: لماذا لم تُهزم إيران؟ ولماذا لم ينتصر ترامب أو نتنياهو؟

إن معايير النصر والهزيمة لأي طرفٍ من أطراف الصراع تكمن في مدى تحقيق الأهداف المعلنة وغير المعلنة التي أدت إلى نشوب الحرب. فمن المعروف أن هذه الحرب هدفت، من وجهة النظر الأمريكية الإسرائيلية؛ أولا، إلى إسقاط النظام الإيراني والرهان على انتفاضة شعبية، كما وعد نتنياهو، تطيح بهذا النظام ومن ثم تنصيب نظامٍ بديل تمت تهيئته وفقا لأجندة ترامب ونتنياهو. وثانيا، القضاء على البرنامج النووي الإيراني، والاستيلاء على كميات اليورانيوم المخصب.
معايير النصر والهزيمة لأي طرفٍ من أطراف الصراع تكمن في مدى تحقيق الأهداف المعلنة وغير المعلنة التي أدت إلى نشوب الحرب
وثالثا، تدمير برنامج الصواريخ البالستية. رابعا، القضاء على القدرات العسكرية الإيرانية الجوية والبحرية. خامسا، تدمير البنى التحتية الاقتصادية والخدمية، وإعادة إيران إلى "العصر الحجري"، "وتدمير حضارة بأكملها" بحسب ما قاله الرئيس ترامب في أحد تصريحاته التي سبقت إعلان وقف إطلاق النار.

لكن ما الذي حدث؟ بقي النظام الإيراني قائما وممسكا بزمام الأمور وقيادة البلاد، بشكل لم تكن تتوقعه الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، بالرغم من اغتيال المرشد الأعلى خامنئي، وعددٍ من القادة العسكريين والسياسيين في الصف الأول والثاني، وسقط رهان الثنائي على عدم قدرة الإيرانيين على ملء الفراغ في مختلف المواقع السياسية والعسكرية وانتخاب مرشد جديد، فكان انتخاب مجتبى خامنئي مرشدا جديدا، وقد وُصف بأنه رجل الظل المتشدد أكثر من أبيه، وتم تعويض من فُقدوا بقادةٍ أكثر تشددا.

أما البرنامج النووي الإيراني، وبالرغم أنه تعرّض لضرباتٍ عنيفةٍ ودُمّرت العديد من منشآته، لكنه لم يدمّر. ولم ينجح الأمريكيون بالاستيلاء على اليورانيوم المخصب؛ بفعل الكمين الذي أعده الإيرانيون والذي أدى الى فشل الإنزال الأمريكي وتحطم طائراتهم وقتل العديد من جنودهم.

من جهة أخرى، بقيت الرشقات الصاروخية تدك المواقع والقواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج، ووصلت إلى عمق الأراضي المحتلة، حتى آخر لحظة قبل التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، وكذلك بقيت الدفاعات الجوية الإيرانية تُسقط المسيّرات والطائرات المعادية في سماء إيران، كما بقي مضيق هرمز -الذي أصبح الورقة الأكثر قوة في هذه الحرب- تحت إمرة القوات البحرية الإيرانية لحين تراجع ترامب عن كل تهديداته، والتي وصفت في كثير من الأحيان بـ"الهذيان والانفصام عن الواقع" على لسان بعض النواب الأمريكيين، وظلّت أسعار الطاقة العالمية رهنا بيد الإيرانيين.

إن عدم انتصار العدوان الثنائي يكمن في عوامل عدة، أبرزها الحاضنة الشعبية والتفافها حول القيادة الإيرانية؛ هذا ما بدت من خلال السلاسل البشرية التي تجمعت حول المرافق والبنى التحتية والاقتصادية لحمايتها في مواجهة تهديدات ترامب الأخيرة؛ ما يدل على اتساع الحس القومي، وتنامي الوعي الوطني لمخاطر هذه الحرب ونتائجها. يضاف إلى ذلك عامل تماسك القيادة العسكرية، وقدرتها على إدارة المعركة بتكتيكاتٍ عالية المستوى، وقدرتها على التحكم بالميدان، وفرض إيقاعها العسكري؛ الأمر الذي أربك الأمريكيين والإسرائيليين، وتسبب بإيقاع أفدح الخسائر البشرية والمادية، وإلزام ملايين الإسرائيليين من البقاء في الملاجئ لفترات طويلة.

وكانت قوة وصلابة الدبلوماسية الإيرانية والخطاب السياسي والإعلامي، الذي استطاع تحريك الشارع الأوروبي والأمريكي على المستوى الرسمي والشعبي لمناهضة هذه الحرب، من العوامل الهامة والضاغطة لجعل الإدارة الأمريكية تتراجع وتقبل بالتفاوض.

كل تلك العوامل ساهمت في لجم العدوان على إيران، والتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، بعد تقديم كل طرف تنازلات، يمكن اعتبارها تكتيكية وليست استراتيجية

كما كان نقل المعركة الى عمق الكيان، وإلى قواعد ومواقع أمريكية في دول الحلفاء الخليجية، عامل ضغط قوي من هذه الدول، ومن تلك الدول المتضررة من إغلاق مضيق هرمز وارتفاع اسعار الطاقة الجنوني في الأسواق العالمية.

وكان لحزب الله التأثير البالغ في مجريات الحرب، حيث استطاع بصواريخه الدقيقة ومسيّراته الانقضاضية ضرب العمق الإسرائيلي، وإحداث دمار واسع في البنى التحتية والعسكرية الإسرائيلية؛ ما دفع زعيم حزب الديمقراطيين الإسرائيليين المعارض إلى القول: "لقد منينا بأسوأ الإخفاقات الاستراتيجية في هذه الحرب".

كل تلك العوامل ساهمت في لجم العدوان على إيران، والتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، بعد تقديم كل طرف تنازلات، يمكن اعتبارها تكتيكية وليست استراتيجية.

إن كل ما تقدم من عوامل جاء في مصلحة إيران وثباتها وصمودها، ومنع العدوان الثنائي من تحقيق أهدافه، رغم التفوق العسكري والتكنولوجي الذي خلّف دمارا هائلا.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)