حدث
ذلك في غزة، ومن قبل في ڤيتنام وأفغانستان، وقبلهما إبان العدوان الثلاثي على مصر،
واليوم في
إيران. في هذه الملاحم انتصرت إرادة الشعب بقوة صمودها وثباتها النابع
من انتمائها ووعيها الوطني وتلاحمها مع قيادتها، هزمت الغزاة بتماسك جميع مكونات الشعب
دفاعا عن حياض الوطن. حدث ذلك في غزة ذات الـ365 كيلومترا مربعا، وذات المقدرات
المتواضعة، والمحاصرة لأكثر من 20 عاما، ولا زال ميدان الضفة الغربية مثالا على
ذلك أيضا برغم عمليات النسف والتدمير والقتل والاعتقال والتهجير، التي تقوم بها
قطعان المستوطنين وجيش الاحتلال. واليوم يتكرر المشهد في إيران؛ إذ لم ترهب
الإيرانيين حاملات الطائرات والبوارج الحربية، ولم تثبط عزيمتهم الطائرات
والصواريخ الأكثر فتكا ودمارا، مثلما لم يُرهب أهل غزة ما كان يسمى "الجيش
الذي لا يقهر".
لم
يكن الأمر يتعلق لا بالجغرافيا ولا بالديموغرافيا، كعاملين مهمين في تحقيق
الانتصار؛ بل كان لعامل الإرادة الأثر الأقوى في تحطيم أهداف دولة الكيان، وتلك
ذات الـ50 ولاية، بما حشدت هاتان المارقتان من آلة القتل والدمار. لقد آن الأوان
لشعوب المنطقة أن تستفيد من هاتين التجربتين، وأن تبدأ بنسج خيوط فجرٍ جديدٍ لها
يقيها بأس واستغلال من كان يدّعي حمايتها وصون أمنها. آن الأوان لشعوب المنطقة أن
تخلع "ثوب العيرة"، الذي "لا يُدفئ ولا يُغني ولا يُسمن من جوع"،
وتخيط ثوبا من مقدراتها وخيراتها وسواعد أبنائها.
ما شهدته الحرب الأخيرة تؤكد أن دول المنطقة كانت أُضحية على مذبح المصالح الأمرو-إسرائيلية، والتي تمحورت حول تأمين نفطها وغازها عبر ضمان عبورها الآمن من مضيق هرمز، الذي أضحى قوة اقتصادية توازي سلاحا نوويا بيد ايران
ولنتحدث
بصراحة أوضح، هل استطاعت القواعد الأمريكية المجهّزة والمحصّنة بكافة الدفاعات،
والمزوّدة بمختلف أنواع الأسلحة والذخائر، وأجهزة التكنولوجيا المتقدمة في الكشف
والرصد والمراقبة حماية هذه الدول؟ أيتها الشعوب المقهورة، ألم يأتكم خبر هذه
القواعد أنها وُضعت لحماية مصالح الغزاة، وتحقيق حلم "إسرائيل الكبرى"؟
ألم
تكتشف شعوب المنطقة أن هذه القواعد هي مراكز تحكّم وسيطرة بثروات
البلاد ونهبها؟ ألم يدرك شعبنا
العربي أن هذه القواعد وُضعت لحماية الأنظمة فقط من
السقوط أمام شعوبها ولإحباط أي ظاهرةٍ وطنيةٍ أو مشروعٍ وطني يهدف إلى كنس
الإمبريالية الجديدة المتوحشة، وسقوط أزلامها ووكلائها في المنطقة؟ وهل أحدثت
علاقات التطبيع القائمة نهضة لشعوب دول المنطقة، كما زعموا، أم زادتها فقرا ونهبا
لثرواتها؟ وهل شكل هذا التطبيع سياجا لأمنها، وحقق السلام والرخاء لشعوبها؟
إن ما
شهدته الحرب الأخيرة تؤكد أن دول المنطقة كانت أُضحية على مذبح المصالح الأمرو-إسرائيلية،
والتي تمحورت حول تأمين نفطها وغازها عبر ضمان عبورها الآمن من مضيق هرمز، الذي
أضحى قوة اقتصادية توازي سلاحا نوويا بيد ايران.
من
جانب آخر، من العار أن لا تشارك دول المنطقة، ولا حتى بممثلٍ واحد في مفاوضات
إنهاء الحرب الحالية إلى جانب الولايات المتحدة؛ ما يعني أن ولي الأمر والسيد
والحاكم بأمره هو الرئيس ترامب ونتنياهو، وما على هذه الدول إلا تسجيل عدد
الصواريخ والمسيّرات والهجمات عليها لإظهار "عدوانية ايران".
إن
الشعوب مطالبة اليوم بعد هذه التجربة، وبعد إماطة اللّثام عن المستور، البدء
بصياغة مشروعها الوطني القائم على الاعتماد على الذات الوطنية في استثمار مواردها
وثرواتها، والتوجه نحو تنمية حقيقية لا تعتمد فقط على النفط والغاز، بل نهضة حقيقية
تشمل كافة المجالات الصناعية والزراعية والتجارية والتكنولوجية؛
التي تبني اقتصادا مستقلا متحررا من التبعية الاقتصادية، التي بدورها تؤدي إلى
تبعيةٍ سياسية.. مشروع وطني نهضوي، يعمل على إطلاق الطاقات الشبابية المتنوعة،
والاستفادة من الخبرات الوطنية، والاستعانة بخبرات خارجية بعيدة عن الوصاية
والارتباط بعجلة الدول الناهبة للخيرات.
تاريخ نضال الشعوب حافل بالشواهد على انتصارها، ومهما تعاظمت قوة وجبروت الطغاة والمستعمرين، فإن إرادة الشعوب قوة لا تقهر إذا أمكن لطليعة ثورية متقدمة قيادة نضالها واستثمارها وتوجيه بوصلة حراكها نحو تحقيق أهدافها المنشودة
ولا بد لهذا المشروع النهضوي من بيئةٍ
ديمقراطية تتيح إشراك الشعوب في تقرير سياسة البلاد وتوجهاتها.. مشروعٌ وطني يعمل
على رفع وتيرة الوعي والحس والانتماء الوطني في مواجهة أطماع المستعمرين
والمستثمرين. هذا المشروع لا يستثني بناء شراكات وتحالفات مع الدول على أساس
المصلحة المشتركة، وصيانة السيادة والكرامة الوطنية.
إن
تاريخ نضال الشعوب حافل بالشواهد على انتصارها، ومهما تعاظمت قوة وجبروت الطغاة
والمستعمرين، فإن إرادة الشعوب قوة لا تقهر إذا أمكن لطليعة ثورية متقدمة قيادة
نضالها واستثمارها وتوجيه بوصلة حراكها نحو تحقيق أهدافها المنشودة. ولنا في سقوط
أوربان رئيس وزراء المجر، الذي يمثل أحد أعتى الطغاة في أوروبا والمدعومين من قبل
الولايات المتحدة وروسيا، مثال على هزيمة الطغاة، مهما بلغت مظلة حمايتهم.
المطلوب إعادة العمل بالعقد الاجتماعي بين الشعوب والسلطات بدلا من الاعتماد على
أدوات القمع والاستبداد. إن الاتجاه نحو تعميق ثقافة المواطنة والمشاركة، بدلا من
ثقافة الإخضاع والتبعية، يتطلّب الخروج من عباءة الانتماء العائلي والعشائري
والقبلي، كذلك إشاعة أجواء العدالة والحرية والمساواة في المجتمع. وكي ينجح هذا
المشروع لا بد من إعادة تأهيل المواطن العربي، وذلك من خلال نشر سياسة الوعي
والثقافة الشعبية وتطوير مناهج التعليم بما ينعكس على شخصية الأجيال القادمة
القادرة على حل مشكلاتها واتخاذ القرارات والتفكير الناقد، هذه الشخصية المتوازنة
الحاملة لقيم النهضة التي تطال كل مجالات وشؤون الحياة والفرد والمجتمع.
وهكذا،
تبقى الحسابات دائما في بيدر الإرادات التي لا تُقهر.
[email protected]
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.