ليس أخطر ما في
الصراعات
أن تتبادل القوى المتحاربة التهديد، بل أن يتحوّل وعيُنا به إلى ساحة أخرى
للمعركة؛ حيث تُصاغ المواقف على إيقاع الانحياز، لا على ميزان الإدراك العميق. ويغدو
الاصطفاف بديلا عن التفكير، هنا تتحول الحقيقة إلى ضحية، ويصبح الوعي، من حيث لا
ندري، شريكا في صناعة الوهم؛ فحين يستبدل الوعي بالهتاف، وتختزل الوقائع في شعارات
تشبه شعارات الستينات من القرن الماضي؛ يعاد تشكيل العقول على مقاس ردود الأفعال،
لا مقاس الحقيقة.. وحيث يختلط الإدراك بالرغبة، ويتقدّم التحيّز على العدل، يفقد
الوعي حياده، ويبدأ في إنتاج سرديته الخاصة، لا في كشف الواقع، بل في تعميق الجهل
والعناد..
لا تنهض الأمم إلا
بالعلم والوعي، وبنبذ الخلافات، وترتيب الأولويات، وتحديد الأهداف، وإلا بقيت
أسيرة مستنقع الجهل والفوضى والفقر، تنتظمها تاءات ثلاث: "تجزئة.. تبعية..
تخلف". وعلى الضفة الأخرى، تنهض أممٌ تعرف ما تريد، فتشيّد حضارتها بقناعاتٍ
وطنية راسخة، وحساباتٍ واضحة، وأهدافٍ قابلةٍ للإنجاز، وهي تعقد حساباتها على وعي
مصالحها بعيدا عن العواطف المحتقنة والضغائن الكامنة، وأقرب مثال على ذلك التجربة
اليابانية التي خرجت من الانكسار إلى البناء والصعود بعد هزيمتها القاسية في الحرب
العالمية الثانية..
أثبتت المواقف وخصوصا الموقف من العدوان على إيران، بأننا شعوب هشة، لا ترى أبعد من أنفها، ولا تحس بالخطر إلا حين يداهمها.. مواقفها لا تعدو كونها مجرد ردود أفعال ساذجة، بعيدا عن مصالحها الحقيقية، وبعيدا عن وعي المخاطر المحدقة بها
أمتنا
العربية من أكثر
الأمم تخلفا وتفككا.. خلافات بينية.. تَسابُق على إرضاء الولايات المتحدة والكيان
المحتل.. فقر جوع مرض.. قبضة أمنية مقيتة.. تدهور التعليم والصحة.. انهيارات
اقتصادية، وغاية مطمحها أن تنال الرضى والقبول، وأن تحصل على صك الغفران من عدوها،
غير عابئة بمكانتها وكرامتها وحضورها السياسي على الساحة الدولية، وغير ملتفتة
لهموم شعوبها وحاجاتها الأساسية، ولا باحثة عن التطور والتقدم، كما فعلت معظم دول
العالم.
وليس الحكام بأسوأ من
الشعوب، فقد أثبتت المواقف وخصوصا الموقف من العدوان على
إيران، بأننا شعوب هشة،
لا ترى أبعد من أنفها، ولا تحس بالخطر إلا حين يداهمها.. مواقفها لا تعدو كونها
مجرد ردود أفعال ساذجة، بعيدا عن مصالحها الحقيقية، وبعيدا عن وعي المخاطر المحدقة
بها.. كنا نلوم الحكام، واللوم اليوم أشد على الشعوب التي شكلت في مجمل مواقفها
صدمة يصعب تخيل أبعادها ومآلاتها..!
ابتداء، لا بد من أن
نقرر بأن إيران أجرمت في حق بعض الدول العربية، وخصوصا سوريا، وقد تابعنا بكثير من
الغضب والحزن والوجع الصعب ما تعرض له السوريون من إجرام على يد إيران وأذرعها
(حزب الله، والفاطميون، والزينبيون، وبعض تشكيلات الحشد الشعبي العراقي)، مع عدم إهمال
دور روسيا التي تحالفت مع إيران على خنق كل ما يتنفس في سوريا..!
لقد كان المسار طائفيا
بامتياز، تسبب في مقتل مئات الآلاف من السوريين، وتهجير نحو نصف السكان.. هذا
نعرفه كما نعرف أسماءنا، ولا يماري فيه منصف عاقل؛ لكن أن يقول أحدهم حرفيا:
"نتحالف مع أمريكا والكيان المحتل ضد إيران"، بل يقول آخر: "اليهود
معظمهم جاء من أوروبا، فهم روم، والتحالف مع الروم هذه الأيام منصوص عليه في
الأحاديث الشريفة"؛ فهذا ما لا يمكن تصوره، أو فهمه، أو استيعابه بحال من
الأحوال.. هنا تبدأ المعضلة، وهنا يجب أن نتوقف لنفهم ما الذي حدث للعقل العربي، ولنحاول
تفكيك الذهنية العربية، ذلك أن العقلية العربية في سياق الصراع القائم ليست واحدة،
بل مزيج من تيارات نفسية وسياسية وثقافية تتصارع داخل الفرد نفسه أحيانا؛ فكثير
منا يتعامل مع الموقف من خلال عقلية "عدو عدوي صديقي"، بغض النظر عن
تاريخ العدوّين وآثاره ماضيها وحاضرها، وما ستؤول إليه مستقبلا..
جزء واسع من الرأي
العام العربي يتعامل مع الصراع من زاوية واحدة، فيرى أن العداء التاريخي مع
الولايات المتحدة الأمريكية يجعل أي خصم لها أقرب إليه نفسيا، وفي الحالة
الإيرانية لا يعني الأمر تأييدا كاملا لإيران، بل تعاطفا ظرفيا ناتجا عن الشعور
بوجود قوة تتحدى الهيمنة الغربية.
ويظهر في المقابل تيار
آخر ينظر إلى الصراع من زاوية مختلفة قائمة على الخوف من التمدّد الإقليمي لإيران،
حيث يرى هذا التيار بأن الخطر الأقرب هو النفوذ الإيراني؛ فيختار التوازن الذي
يمنع هيمنة قوة إقليمية واحدة، حتى لو كان ذلك عبر دور أمريكي صهيوني، وهنا تكمن
الكارثة، كما أرى!
وثمة عقلية براغماتية
سياسية ترى أولوية الاستقرار الداخلي لبلدانها، ولديها حساسية طائفية أو جيوسياسية،
وخصوصا في
الخليج؛ فهي ترى الاستقرار أولوية مهما كانت الوسيلة ومهما كان الثمن،
بغض النظر عن وجهة التحالفات وبوصلتها.. وهذه الفئة تعيش حالة إرهاق من الصراعات
في المنطقة، وخصوصا الشباب والمثقفين، فهم يرون أن الصراع ليس عربيا في جوهره، وأن
المنطقة تدفع ثمنا لشيء لا مصلحة لها فيه، وهي تصبو إلى أن تكون الأولوية للتنمية
والسلم الاجتماعي..
ثمة عقلية تعاني من ازدواج عاطفي، وربما تكون الأكثر انتشارا، تقوم على رفض للسياسات الأمريكية، وقلق من السياسات الإيرانية؛ فينتج عن ذلك موقف متذبذب؛ لا مع هذا ولا مع ذاك. وهذه العقلية تعيش صراعا داخليا
وثمة عقلية تعاني من ازدواج
عاطفي، وربما تكون الأكثر انتشارا، تقوم على رفض للسياسات الأمريكية، وقلق من
السياسات الإيرانية؛ فينتج عن ذلك موقف متذبذب؛ لا مع هذا ولا مع ذاك. وهذه العقلية
تعيش صراعا داخليا مؤرقا، فهي تبحث عن قوة تواجه الغرب، وتصد النفوذ الإيراني،
لكنها تخشى من دفع ثمن ذلك عربيا..
وهنا يبرز تأثير
الذاكرة التاريخية على المتابع القلق، فالمواقف تتلوّن بحسب التجارب؛ فمن عايش الحروب
أو التدخلات الأمريكية في المنطقة يميل لرفض واشنطن، ومن عاش صراعات داخلية مرتبطة
بالنفوذ الإيراني يميل للتحفّظ على طهران؛ لذلك نجد أن العقلية العربية تختلف من
بلد لآخر، ومن جيل لآخر..
العقلية العربية ليست
منقسمة فقط، بل مركّبة ومعقدة؛ فهي تتعاطف رمزيا مع كل من يواجه الهيمنة الأمريكية،
لكنها تخشى نتائج المواجهة، لذلك ثمة رغبة عند شريحة عريضة من الناس في الوقوف على
الحياد، لا سيما أن لديهم إحساسا عاما بأن العرب، غالبا، خارج معادلة القرار، ولهذا
تبدو المواقف متناقضة ظاهريا، لكنها في الحقيقة تعبير عن وعي مأزوم بين الرغبة في الحفاظ
على الكرامة، والخوف من الفوضى.
وفي النهاية لا بد من
إدراك أن الخطر الأمريكي الصهيوني على المنطقة أشد من الخطر الإيراني؛ فالخطر
الإيراني محدود، ومواجهته ممكنة، إذا تمت المواجهة في ظل تحالف عربي يحترم نفسه.
لكن المواجهة مع الولايات المتحدة دونها خسارات لها أول وليس لها آخر، ولن يجتمع
العرب على مواجهتها، خشية سلطان القوة والاستكبار..
لذلك فمن مصلحة العرب
أن يمرغ أنف أمريكا بالتراب، لتفكر بعدها ألف مرة قبل أن تزج بجيوشها ومعداتها في
الشرق الأوسط من جديد، بل إنني أزعم أن التحالف مع إيران ممكن، ولجم تحركاتها
الإقليمية أيضا ممكن، لكن غير الممكن أن نظل نمثل دور الرعايا لدول أخرى بدافع
الخوف والقلق على زعاماتنا الهشة..!
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.