بين المصالح والمبادئ.. قراءة عقلانية في إدارة الملف الأمريكي الإيراني

محمود النجار
"على العقل السليم أن يعي فلسفة الأولويات"- جيتي
"على العقل السليم أن يعي فلسفة الأولويات"- جيتي
شارك الخبر
نعود من جديد للملف المشتعل اليوم، والذي يصعب تجاوزه إلى غيره، كما أرى، فلم يعد التوتر الأمريكي الإيراني مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل تحول إلى معادلة إقليمية تتقاطع فيها مصالح القوى العظمى مع جراح الهوية العربية والسيادة الوطنية. وفي خضم هذا الاستقطاب، يبرز خطابان خطيران: الأول يدّعي الحياد ليُخفي انحيازا مبطنا للهيمنة الأمريكية والصهيونية، والثاني يذوب في سرديات مضادة دون مساءلة نقدية. لكن الحقيقة أن التعامل مع هذا الملف لا يحتاج إلى تبرير للواقع، بل إلى عقل يميز بين العدو التاريخي والمتحول الإقليمي، وحكمة ترفض مبادلة الثوابت الاستراتيجية بمصالح آنية.

تهدف هذه المقالة إلى تفكيك عناصر هذا التوتر عبر عدسة المنطق والوضوح المبدئي، وصولا إلى موقف شخصي لا يتوارى خلف الحياد الزائف، بل يعلن انحيازه الواضح لثوابت الأمة العربية.

يعود جذر الأزمة إلى عقود من التدخل الخارجي الذي أعاد رسم حدود المنطقة وفق مصالح القوى المهيمنة، وكانت الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل في صميم هذه المعادلة؛ من دعم الاحتلال إلى الحروب الاستباقية، والعقوبات أحادية الجانب، وتوظيف الأدوات الاقتصادية والعسكرية لتعطيل أي مشروع نهضوي عربي مستقل.. وظلت هذه الثنائية تشكل العمود الفقري للتهديد الاستراتيجي للأمة. وفي المقابل، دخلت إيران بوصفها قوة إقليمية صاعدة، مارست نفوذا مباشرا في سوريا واليمن ولبنان والعراق، وأقدمت في مواقع كثيرة على تدخلات تركت جراحا عميقة في النسيج العربي. الاعتراف بهذه الحقيقة ليس تنازلا عن المبدأ، بل شرطا مركزيا لأي قراءة عقلانية. فالمنطق يقتضي عدم الخلط بين العدو التاريخي الذي يهدد الوجود والهوية، وبين خصم إقليمي متحول تتغير مصالحه وتتقاطع أحيانا مع الضرورات العربية، وأحيانا أخرى تتصادم معها بوضوح.

القوة الحقيقية ليست في الاختيار بين شرين، بل في رفض أن يصبح العرب رهينة لمعادلة صاغها غيرهم. والوساطة الحقيقية ليست في التنازل عن المبادئ، بل في خلق مساحة عربية فاعلة تستطيع إدارة جوارها بعقلانية، دون أن تستجدي الحماية ممن صنعوا جراحها

يفرض العقل على أي كاتب أو مفكر عربي أن يسأل: لماذا يُطلب منا اليوم الحياد أو التوازن في مواجهة قوى صنعت الواقع المرير الذي نعيشه؟ المنطق التاريخي والسياسي يجيب بوضوح: الحياد أمام الاحتلال والهيمنة لا صلة له بالموضوعية، بل هو خداع للنفس وتطبيع للظلم.. الانحياز الصريح للأمريكي الصهيوني في الخطاب العام ليس مجرد موقف سياسي، هو انزياح عن الثوابت التي صاغها تاريخ النضال العربي ضد الاستعمار والتجزئة. وعندما نزن الأمور بالواقع والعقلانية، نجد أن الولايات المتحدة والكيان المحتل لم يقدما يوما مشروعا للاستقرار العادل، بل إدارة للصراع تخدم استمرار الهيمنة.

وفي المقابل؛ فإن التعامل مع إيران لا يمكن أن يقوم على العاطفة أو التبرير الأعمى، بل على حساب المصالح العربية الواضحة: التدخل في سوريا والعراق ولبنان كان له نكهة مريرة لا يُنكر مذاقها، لكن ذلك لا يغيّر حقيقة أن العدو التاريخي والأكثر إدامة لتهديد الكيان العربي يظل خارجيا، مدعوما بقدرات عسكرية نووية قادرة على التغيير.. وهنا فعلى العقل السليم أن يعي فلسفة الأولويات؛ إذ لا يمكن مواجهة عدو إقليمي كإيران، بالقدر نفسه من الحزم المبدئي الذي يُوجه ضد هيمنة عالمية تزرع الاحتلال وتصادر السيادة.

الحكمة السياسية لا تعني الجري وراء حياد زائف، بل تعني القدرة على إدارة التعقيد دون التخلي عن الثوابت. التعامل الحكيم مع الملف الأمريكي الإيراني يقوم على ركيزتين: الأولى، رفض الانجراف وراء سرديات تبيع الوهم بأن التحالف مع الهيمنة الغربية هو الضمان الوحيد للأمن والصعود، فالتاريخ يشهد بأن ذلك الطريق يقود دائما إلى التبعية، وتفتيت الإرادة الوطنية. الثانية، بناء موقف عربي مستقل يرفض التدخل الإيراني غير المبرر في الشؤون العربية، وفي الوقت ذاته يرفض تحويل هذه المقاومة إلى ذريعة للانخراط في المحور الأمريكي الصهيوني الذي يهدد جوهر السيادة والهوية.

القوة الحقيقية ليست في الاختيار بين شرين، بل في رفض أن يصبح العرب رهينة لمعادلة صاغها غيرهم. والوساطة الحقيقية ليست في التنازل عن المبادئ، بل في خلق مساحة عربية فاعلة تستطيع إدارة جوارها بعقلانية، دون أن تستجدي الحماية ممن صنعوا جراحها.

وينطلق موقفي من مبدأ راسخ: الأولوية المطلقة لمناهضة العدو التاريخي للأمة العربية، ممثلا في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني المحتل، بصرف النظر عن التحولات التكتيكية أو الضغوط الآنية. هذا الانحياز ليس وجهة نظر عمياء، بل استنتاج منطقي مبني على عقود من السياسات التي أعادت تقسيم المنطقة، ودعمت الاحتلال، وعرقلت أي نهضة عربية حقيقية. وفي الوقت ذاته، لا يعني هذا الموقف تبرير ما ارتكبته إيران من تدخلات مؤلمة في سوريا ومناطق عربية أخرى، فقد كانت هذه الأفعال انتهاكا صريحا للسيادة العربية، تركت ندوبا لا تُمحى بسهولة. لكن العقل والحكمة يقتضيان الفصل بين الأولويات؛
علينا ألا نُساوي بين من يهدد جذورنا، ومن يتقاطع معنا أو يصطدم بنا في دائرة الجوار، والأولوية دائما لحماية الإرادة العربية من أن تُستهلك في معارك الآخرين
فلا يمكن أن تكون تجاوزات إيران مبررا للانخراط في محور يشرعن الاحتلال ويصادر القرار العربي. أرى أن النضج الفكري والسياسي يكمن في القدرة على رفض كل أشكال الهيمنة الخارجية، مع الحفاظ على موقف مبدئي واضح تجاه أي تدخل إقليمي يمس السيادة العربية، دون أن يتحول هذا الموقف إلى تحالف موضوعي مع من يمثلون التهديد الجوهري للوجود والهوية.

المبدأ بسيط وعميق في آن معا، علينا ألا نُساوي بين من يهدد جذورنا، ومن يتقاطع معنا أو يصطدم بنا في دائرة الجوار، والأولوية دائما لحماية الإرادة العربية من أن تُستهلك في معارك الآخرين.

لن يُحسم الملف الأمريكي الإيراني ببيانات صحفية أو بمواقف انتهازية، بل بعقل يقرأ التاريخ بعمق وتؤدة، ومنطق يرفض التماهي مع من صنعوا واقع الهيمنة، وحكمة تختار الثبات والدبلوماسية الواثقة، بدلا من الرقص الرخيص على الإيقاع الأمريكي الصهيوني.

إن الدعوة إلى الحياد في مواجهة الاحتلال والهيمنة ليست موضوعية، بل هي استسلام مقنّع. والأمة التي تريد أن تستعيد زمام أمرها لا تحتاج إلى تبريرات للتحالف مع قوى تهدد وجودها، بل تحتاج إلى وضوح مبدئي، وعقل ناقد، وإرادة مستقلة ترفض أن تُدار معركتها من خارج حدودها. التاريخ لا يرحم من يتنازل عن ثوابته باسم الواقعية، ويكافئ من يجمع بين وضوح الهدف وعقلانية المسار.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)