من يملك السردية.. يملك الحرب

رائدة حمره
"تتحول كل ضربة عسكرية إلى حدث إعلامي وسياسي في الوقت نفسه"- جيتي
"تتحول كل ضربة عسكرية إلى حدث إعلامي وسياسي في الوقت نفسه"- جيتي
شارك الخبر
لم تعد المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة تُدار فقط بالقوة العسكرية، بل أصبحت السرديات والمعلومات جزءا أساسيا من أدوات الصراع، وأحيانا لا تقل أهمية عن السلاح نفسه. فالحرب الحديثة لا تُحسم في الميدان فقط، بل أيضا في ساحة أخرى لا تقل خطورة: ساحة المعنى والرواية. هناك، يحاول كل طرف أن يفرض تفسيره للأحداث، ويحدد من هو المعتدي ومن هو المدافع، ومن يملك حق إعلان "الانتصار".

في هذا النوع من الحروب، تتحول كل ضربة عسكرية إلى حدث إعلامي وسياسي في الوقت نفسه. فلا تنتهي العمليات عند حدودها العسكرية، بل تبدأ بعدها مباشرة معركة السردية: كيف تُفهم؟ وكيف تُقدَّم؟ وكيف تُستثمر سياسيا؟ لذلك أصبحت الرسائل الإعلامية، والتصريحات الرسمية، وحتى التسريبات الاستخباراتية، جزءا من أدوات التأثير الاستراتيجي. فالمعلومة هنا لا تُستخدم فقط للإخبار، بل للتوجيه والضغط والردع أيضا.

أصبحت الرسائل الإعلامية، والتصريحات الرسمية، وحتى التسريبات الاستخباراتية، جزءا من أدوات التأثير الاستراتيجي. فالمعلومة هنا لا تُستخدم فقط للإخبار، بل للتوجيه والضغط والردع أيضا

بعد التصعيد الذي بدأ في 28 شباط/فبراير 2026، قدّمت إيران عملياتها ضمن سردية واضحة تقوم على فكرة "الرد المشروع وكسر الردع". فبعد الضربات الأمريكية-الإسرائيلية داخل أراضيها، أعلنت طهران أن ما حدث هو "عدوان مباشر على السيادة الإيرانية"، وبدأت بتأطير ردها العسكري باعتباره حقا مشروعا للدفاع عن النفس. وفي 3 آذار/مارس 2026، أعلنت تنفيذ ضربات ضد أهداف مرتبطة بالمصالح الأمريكية في المنطقة، وقدمتها كـ"رد مباشر ومتناسب". ثم في 10 آذار/مارس 2026، ركز الخطاب الإيراني على أن هذه الردود "أعادت توازن الردع"، وأن الولايات المتحدة وإسرائيل أصبحتا تدفعان كلفة أي تصعيد عسكري ضد إيران. ضمن هذا الإطار، تحاول إيران تثبيت سردية مفادها أنها ليست طرفا مهاجما، بل قوة ترد على العدوان وتكسر معادلات الهيمنة القائمة.

في المقابل، تبنت إسرائيل سردية مختلفة تقوم على "الضربة الوقائية ضد تهديد وجودي". فبعد العمليات المشتركة مع الولايات المتحدة في 28 شباط/فبراير 2026، أعلنت إسرائيل أن استهدافها لمواقع داخل إيران جاء "لمنع تقدم التهديد النووي والصاروخي الإيراني". وفي 5 آذار/مارس 2026، ربطت الخطابات الإسرائيلية بين أي تصعيد في المنطقة وبين إيران مباشرة، ضمن إطار "تهديد موحد ومتعدد الجبهات". ثم في 12 آذار/مارس 2026، وصفت إسرائيل عملياتها بأنها "إعادة ترميم للردع الإسرائيلي بعد التصعيد الإيراني". هذه السردية تهدف إلى تقديم كل تحرك عسكري على أنه دفاع استباقي، يهدف إلى حماية الأمن القومي ومنع خطر مستقبلي، وليس الدخول في حرب هجومية.

بين هذه السرديات المتنافسة، يصبح من يملك القدرة على صياغة القصة أقرب إلى التأثير في نتائج الحرب نفسها، لأن القوة اليوم لم تعد تُقاس فقط بما يحدث في الميدان، بل أيضا بكيفية روايته للعالم

أما الولايات المتحدة فقد ركزت سرديتها على "احتواء التصعيد ومنع الحرب الإقليمية". ففي 28 شباط/فبراير 2026، أعلنت أن ضرباتها ضد إيران كانت "عملية محدودة" تهدف إلى "تقويض التهديدات وليس بدء حرب". وفي 4 آذار/مارس 2026، أكدت واشنطن أنها تعمل على "منع توسع الصراع في الشرق الأوسط" بعد الردود الإيرانية. ثم في 14 نيسان/أبريل 2026، وبعد هجمات إيرانية باتجاه أهداف مرتبطة بإسرائيل، أعلنت الولايات المتحدة أنها ساعدت في اعتراض صواريخ، وقدمت ذلك باعتباره "دفاعا عن الحلفاء ومنعا لتصعيد إقليمي أوسع". من خلال هذه السردية، تحاول واشنطن تقديم نفسها كقوة ضبط واستقرار، لا كطرف منخرط في الحرب المباشرة.

في المحصلة، تكشف هذه الأمثلة أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل أصبحت صراعا على الرواية بقدر ما هي صراع على الأرض. فإيران تسعى إلى تثبيت سردية "الرد المشروع وكسر الردع"، وإسرائيل تروج لسردية "الضربة الوقائية ضد تهديد وجودي"، بينما تقدم الولايات المتحدة نفسها كقوة "احتواء ومنع للتصعيد". وبين هذه السرديات المتنافسة، يصبح من يملك القدرة على صياغة القصة أقرب إلى التأثير في نتائج الحرب نفسها، لأن القوة اليوم لم تعد تُقاس فقط بما يحدث في الميدان، بل أيضا بكيفية روايته للعالم. 


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)