صمدت
إيران في المفاوضات كما صمدت في
الحرب، وهو ليس
صمودا انتحاريا بقدر ما هو صمود تاريخي يعبر عن "أمة" تعرف قدرها
ووزنها، وما يمثله موقفها من أهمية تاريخية، ليس للمنطقة فقط ولكن للعالم كله..
فالقريب والبعيد يعرف أن هذه الحرب لا شرعية لها، وأنها من تدبير "التيار
الصهيوني" الذي تمكن من اختراق العقل السياسي الأمريكي كما قال وزير خارجية
تركيا، وهو محق، بل وتوقع أن تكون تركيا هي من يلى إيران في الاعتداء عليها:
"بعد إيران، لا تستطيع
إسرائيل العيش من دون عدو، نرى أنهم في طور البحث عن
تطوير خطاب جديد وإعلان تركيا عدوا جديدا، ونلاحظ ذلك ليس لدى نتنياهو فحسب، بل
وأيضا بين بعض الشخصيات في المعارضة الإسرائيلية، وأضاف: إسرائيل ليست كيانا ينتج
القوة من تلقاء نفسه، هناك عقلية تمكنت هنا من اختراق النظام السياسي الأمريكي عبر
الصهيونية، وما تفعله الولايات المتحدة في هذه المنطقة لا يخدم مصالحها الخاصة، بل
يصب في مصلحة إسرائيل. فلماذا تفعل الولايات المتحدة ذلك؟.. هذا ليس نموذجا
عقلانيا للسلوك، بل يحدث عندما تتم السيطرة على السياسة الأمريكية وتوجيهها".
* * *
هذا كلام خطير وفاضح، والغريب أن يصدر عن دولة عضوة في الناتو
بل وتنسق مع أمريكا في حضورها وتواجدها في الشرق الأوسط، وهو تصرف حصيف ومدرك
لموازين القوة وتأثيراتها وكيفية المناورة حولها. ونقل عن الوزير التركي قوله أيضا:
إنك لا يمكن أن تدخل في مواجهة مع أمريكا وإسرائيل إلا إذا أعددت لذلك العدة
الكاملة على المستوى المخابراتي والعسكري والاقتصادي..
* * *
لا أبالغ إذا قلت إن الصمود الذي شهدناه وشهده العالم في غزة له دور كبير في مشهد الصمود الإيراني الذي يشهده العالم نفسه، وهذا كله سيفتح في عقول الناس في كل مكان نوافذ جديدة ليعرفوا الحقيقة الحضارية العميقة للأمة الإسلامية
لكن هناك مواقف تفرض ضرورتها في لحظة تاريخية معينة..
وقد كان "طوفان الأقصى" نموذجا لذلك، فقياسا على قول الوزير التركي ما
كان لهذا الحدث الفاصل في تاريخ القضية الفلسطينية أن يحدث!!.. لكن المقابل كان
دفن القضية الفلسطينية في أعماق النسيان، وكان الجميع يعمل على ذلك، ليس فقط
الأعداء بل وآخرون على رأسهم "السلطة الوطنية الفلسطينية" التي جاءت باتفاقية
أوسلو لتقوم بهذا الدور المخزي.
وكان تيار السياسة العامة في النظام العرب الرسمي يسير
في نفس المسار والاتفاقات الإبراهيمية كانت تجرى والكل في لهفة عليها.. فكان هذا
الحدث ليضع القضية الفلسطينية في بؤرة عين العالم.
ولا أبالغ إذا قلت إن الصمود الذي شهدناه وشهده العالم
في غزة له دور كبير في مشهد الصمود الإيراني الذي يشهده العالم نفسه، وهذا كله
سيفتح في عقول الناس في كل مكان نوافذ جديدة ليعرفوا الحقيقة الحضارية العميقة
للأمة الإسلامية.
* * *
الثمن المدفوع باهظ وغال، لكن هناك حقائق وجودية في
تاريخ الأمم لا تقاس بـ"الثمن"، خاصة إذا كنت تعبر عن "حقيقة"
عظيمة وعادلة، والأمة الإيرانية تدرك ذلك وتعمل عليه صبرا وصمودا ومواجهة.. وهذا
درس كبير لن يمر هكذا دون أن يترك آثاره الكبرى على المنطقة العربية والإسلامية
كلها..
وصورة إيران الآن في العالم العربي بل في العالم كله
صورة كبيرة، وقالها ترمب نفسه؛ أنه معجب بصمودهم وتحملهم للألم. وهو لا يعلم أن
خلف هذا الصمود والتحمل "عقيدة" تحمل يقينا لحقائق الوجود الإنساني على
الأرض.. وبغض النظر عن المذهبية، ففي النهاية إيران جزء من العالم الإسلامي، ويضاف
إلى ذلك أن الأمة الإيرانية بتاريخها الفارسي القديم لديهم ما يعتزون به في
تاريخهم العتيق، وعلى رأس هذا كله دخولهم في الإسلام والذي كان طوال الوقت حاضرا
بقوة في الوعي الشعبي العام.
* * *
هذه العقيدة نراها في جنوب لبنان من
المقاومة الإسلامية (حزب الله) والتي كانت مفاجأة كبيرة في المواجهة الأخيرة.. قدرة
وفهم وعزم وصبر يفخر بها الشعب والدولة في لبنان، ولأن العدو هو عدو العالم الإسلامي
كله فهم فخر أيضا لكل عربي ومسلم يدرك حقائق الصراع مع الكيان الصهيوني..
وعلى الدولة اللبنانية أن تكون كما كانت في سنوات
التحرير ظهيرا قويا لهذه المقاومة، ولا تفت في عضدها بتصريحات بين الحين والآخر..
وما كانت مسارعة إسرائيل إلى التفاوض مع الحكومة اللبنانية وسعيها لعقد اتفاق سلام
إلا لعجزها في مواجهة المقاومة، وإلا فقد كانت استمرت في تلك الحرب التي لا تملك
في مواجهتها إلا الانتقام من المدنيين في قلب العاصمة بيروت.. ولولا الموقف الإيراني
والباكستاني لكانت استمرت في تدميرها المسعور.. ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى الموقف
الأوروبي أيضا، خاصة إسبانيا وفرنسا..
* * *
والموقف الأوروبي مما يحدث الآن في الشرق الأوسط جدير
بالانتباه إليه، وجملة "ليست حربنا" التي قالوها جميعا ليست مجرد نأى
بالنفس عن صراع بعيد عنهم.. لكنهم يعرفون جيدا "تفاهة" الدوافع التي خلف هذه
الحرب، ودور التيار الصهيوني الخبيث في الدفع بالأمور إلى كل ذلك..
وهم هنا ينأون بأنفسهم عن تلك الحالة التاريخية المزرية
التي آلت اليها الدولة القومية الأمريكية (التي ظهرت في لحظة تاريخية نادرة
بالفعل). وأقصد بالحالة المزرية سيطرة عصابات الصهيونية على مواقع حساسة ومؤثرة في
مراكز القرار بها.
* * *
الدرس الإيراني كشف للعالم كله حقائق كان نصفها غائب
ونصفها مشوه.. وسيكون له تأثيره المهم في المستقبل القريب والبعيد..
ورحم الله الذين رفعوا السقف عاليا في الصمود والتضحية..
حيث يجب أن يكون الصمود وحيث يجب أن تكون التضحية.
x.com/helhamamy
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.