من لا يريد هزيمة أمريكا؟!

هشام الحمامي
"قد يكون هذا عاملا من العوامل التي ساعدت في الوصول لحالة وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين ولقاء إسلام آباد"- جيتي
"قد يكون هذا عاملا من العوامل التي ساعدت في الوصول لحالة وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين ولقاء إسلام آباد"- جيتي
شارك الخبر
قد تكون كلمة "هزيمة" بعيدة عن الواقع الحقيقي لما يحدث لأمريكا حين تخرج من هذه الحرب فاقدة لهيبتها في العالم، وهو أمر أقرب إلى الحدوث والحرب في شهرها الثاني. وواضح من تصريحات الرئيس الأمريكي ولهجته وأكاذيبه التي تعلمها من نتنياهو؛ أنه في مأزق، فالحرب لم تكن ضرورية بأي شكل من الأشكال للمصالح الأمريكية، وواضح أن اللوبي الصهيوني بتغلغله الشديد في الإدارة الأمريكية الحالية كان له دور كبير في ذهاب أمريكا إلى هذه الحرب، بكل ما تعنيه كلمة حرب من معنى ونتائج، وتجمع المسيحية الصهيونية بكل أدوات ضغطه الخسيسة على الانتخابات والابتزاز الذي يمارس بالمال والإعلام والفضائح، وكل ما أصبح الآن مكشوفا بعد "7 أكتوبر".

* * *

ولعل المناقشات العميقة في أمريكا لهذه الحرب والبعيدة عن ألعوبة استطلاعات الرأي ستضاف إلى تداعيات ما بعد "طوفان الأقصى"، وتُحدث تغييرا داخليا جوهريا في فهم حقيقة وجود الأمة الأمريكية.. أوروبا تخلصت من اليهود بقصة "الأرض الموعودة" وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية 1945م، كانت أمريكا متحفظة كثيرا وقتها على الهجرة اليهودية إليها، لكن اليهود نجحوا في الفهم السريع للتحولات الكبرى التي أحدثتها الحرب في ميزان القوة عالميا وعملوا على تقوية مراكزهم في المجتمع الأمريكي،
لعل المناقشات العميقة في أمريكا لهذه الحرب والبعيدة عن ألعوبة استطلاعات الرأي ستضاف إلى تداعيات ما بعد "طوفان الأقصى"، وتُحدث تغييرا داخليا جوهريا في فهم حقيقة وجود الأمة الأمريكية
ناهيك عن دورهم الهام في الثورة البلشفية 1917م. واليهود الروس لهم تاريخ طويل في المجتمع الروسي، وللكاتب الشهير ديستوفيسكى (ت: 1881م) مقالة بالغة الأهمية بعنوان "المسألة اليهودية" تشير إلى كثير من مساعيهم الخفية.

* * *

الموقف الأوروبي الحالي -خاصة إسبانيا وفرنسا- من هذه الحرب يشرح لنا بتكشف واضح كيف تنظر أوروبا التاريخية إلى "إسرائيل"، وفي التحولات السياسية الكبرى لا تقاس الأمور بالمسطرة، فأحيانا كثيرة تحدث تحولات في الأدوار وأحجامها، وهذه الحرب بالذات أظهرت لنا الفارق الكبير بين نظرة أوروبا لإسرائيل كمكان لتجميع اليهود، وأيضا كحاجز بين شرق العالم العربي وغربه وبين نظرة أمريكا..

وأتصور أن هذه الحرب أظهرت كل شيء.. ليس فقط في تلك النظرة، ولكن في طبيعة العلاقة بين أوروبا وأمريكا، ولن أبالغ إذا توقعت أن عددا كبيرا من الدول الأوروبية تتمنى خروج أمريكا من هذه الحرب "منكسرة"، وهو ما تبدو ملامحه بالفعل في كثير من التصريحات الأوروبية..

* * *

لكن هل أوروبا وحدها التي تتمنى خروج أمريكا من هذه الحرب "منكسرة"؟ أتصور أن العالم كله باستثناء إسرائيل، يتمنى خروج أمريكا كذلك، الصين وروسيا بالطبع على رأس دول العالم، ورغم عدم علمنا بحقيقة موقفهما من دعم إيران عسكريا، لكنني لا أتصور أن هذه الفرصة تفوتهما!!

ولعل إسقاط الطائرتين الأمريكيتين كان مرده إلى دخول شبكة دفاع جوي جديدة في الحرب، وهي النقطة الأضعف في إيران من البداية. وقد يأخذنا هذا إلى فهم الموقف الأخير لترامب وتصريحاته النابية وتهديداته بالجحيم، فغير الصمود والصلابة في الموقف الإيراني وغير الإيلام الشديد لإسرائيل، يبدو أن هناك معلومات عن حالة نوعية جديدة في إيران تمكنها ليس فقط من الصمود مدة أطول، ولكن من تكرار حالة إسقاط الطائرات الأمريكية.. وقد يكون هذا عاملا من العوامل التي ساعدت في الوصول لحالة وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين ولقاء إسلام آباد.

* * *

وسنلاحظ هذه الحالة الدعائية "المهسترة" كما يقولون، بإنقاذ الطيارين والذي يعد قياسا إلى حجم الحرب، حدثا عاديا خاصة في الجبال الإيرانية والتفوق التكنولوجي الأمريكي في الاتصالات، لكن الإحساس بعدم الإنجاز وخيبة الأمل من تحقيق أي هدف من هذه الحرب حتى الآن، وسيطرة إيران على مقدرات هامة تمكنها من الصمود والتفاوض، جعلتهم يحولون عملية الإنقاذ إلى "مهرجان كبير"، والمشكلة أن الوعي العام لدى الناس أصبح أذكى كثيرا من هذه الألاعيب الصغيرة..

ولعل هذه المفارقة (بين اتساع وعى الناس وممارسات السياسة والساسة) أصبحت تتسع كل يوم، ولا بد أنها ستسفر في يوم ما عن حدث كبير فقط بانتظار "الظرف التاريخي" الذي سيقدره الله العظيم.

* * *
النظام العربي الرسمي كله سيضطر اضطرارا إلى مناقشة عميقة لمسألة الأمن القومي، وقد سمعنا عن تخوفات عربية وإسلامية من أن إيران لن تكون الأخيرة في المنطقة

على أن أكثر من سيسعد بخيبة أمريكا هو "العالم العربي" خاصة على مستوى الشعوب، فأحداث غزة لا زالت في الذاكرة الحية، وغزو العراق 2003م لا زال جرحا أليما في الأمن القومي العربي، وقد ذكرتنا به هذه الحرب.. فصمود إيران أمام السقوط السريع لنظام صدام حسين يضع حقيقة الدولة العربية.. دولة ما بعد الاستقلال في موقف مكشوف، ولولا حرب 1973م لظللنا نعاني من الجرح الغائر الذي سببته حرب الأيام الستة عام 1967م.

والحقيقة أن النظام العربي الرسمي كله سيضطر اضطرارا إلى مناقشة عميقة لمسألة الأمن القومي، وقد سمعنا عن تخوفات عربية وإسلامية من أن إيران لن تكون الأخيرة في المنطقة.

ولن ينسى أحد الطريقة التي كان يتحدث بها ترامب عن دول الخليج وثرواتها، وها قد تعرضت بسبب تلك الحرب إلى زلزلة شديدة في فكرة الأمن التي كان يعايرهم بها ترامب، ويتطاول عليهم.

* * *

صمود إيران بغض النظر عن الثمن الذي دفعته مقابل ذلك، وهو ما يستحق أكثر من ذلك، وقدرتها على التحكم والتأثير في ملف من أهم ملفات العالم (الطاقة)، سيفتح الباب واسعا أمام الجميع ليقولوا "لا" لتلك الغطرسة الشيطانية التي تمثلها أمريكا بقوتها العسكرية والاقتصادية.. وقد حان الوقت لذلك.. وستكون "غطرسة القوة" حفرة كبيرة للسقوط.. انتظروا.

x.com/helhamamy


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل