التناقض الأليم في رمضان..!!

هشام الحمامي
"التناقض الشرس الشرير المقلوب رأسا على قدم هو الذي نراه في رمضان كل سنة"- عربي21/ علاء اللقطة
"التناقض الشرس الشرير المقلوب رأسا على قدم هو الذي نراه في رمضان كل سنة"- عربي21/ علاء اللقطة
شارك الخبر
رمضان شهر الصوم يحذف من الإنسانية كلها تاريخ الشهوات نصف يوم طوال 30 يوما كل عام، كما يقول أديب الإسلام مصطفي صادق الرافعى (ت: 1937م) رحمه الله، ليحل محله تاريخ النفس المطمئنة الكريمة.. والقلب الودود الحنون.. والعقل الراقي المتأمل للحياة.. والأيدي المبسوطة بالخير والعطاء..

شهر المساجد المعمورة بالذكر والشكر والعرفان ونسمات الراحة والإيمان، الشهر الذي نرى فيه دفق الحياة الحقيقي يتدفق بعذوبة بالغة بين الليل والنهار والصوم والقرآن.. شهر السمو والوفاء والنبل والحب حيث خروج الإنسان من دائرة هواه ليكون عبد الله اختيارا كما هو عبد الله اضطرارا.. شهر القرآن وإنزاله من السماء إلى الأرض.. ليكون أقرب اقتراب بين الرحمن والإنسان.

* * *
المفروض أن الإنسان في سنواته المعدودة فوق الأرض وقبل أن يصبح تحتها.. عليه أن يتجنب ما استطاع كل ما يورده موارد "التوهان والهلاك"، وهي للأسف كثيرة

وبين القرآن وخلق الإنسان ما لا نعلمه من أسرار.. إذ يكفي أن تقرأ الآيات الأولى من سورة الرحمن حتى تنتبه: "الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان".. ويكفينا من أفراح الروح ما تشعر به ونحن نتلو ونرتل القرآن بألسنتنا.. وكما قالوا: من طلب المعاني من الألفاظ تاه وهلك.. إنها الروح التي تتواصل مع التلاوة.

والمفروض أن الإنسان في سنواته المعدودة فوق الأرض وقبل أن يصبح تحتها.. عليه أن يتجنب ما استطاع كل ما يورده موارد "التوهان والهلاك"، وهي للأسف كثيرة حتى عند من يطلب ما هو شريف وعزيز، وليس فقط ما هو حقير وفانٍ من مظاهر الحياة.. وفي الأصل سنجد أن تلاوة القرآن.. مجرد تلاوته.. تستر وتجبر الكثير من نقص وقصور في سلوك الإنسان..

والآية الكريمة في سورة الزمر تقول: "علم أن لن تحصوه فتاب عليكم، فأقرأوا ما تيسر من القرآن". ماذا تكون الحالة إذن مع القرآن في شهر وصفه الله وعرفه بـ"الذي أُنزل فيه القرآن"؟

* * *

ما الذي حدث وجعل التناقض الذي يعاكس كل هذه المعاني يحل كل هذا الحلول المنحل من كل ضابط يضبطه أو حتى ساخط يرفضه ويبتعد عنه؟..

صحيح أن المسألة طال عليها الوقت والسنين وأصبحت كأنها متلازمة من متلازمات الطب والمرض (سيندروم).. لكن ككل المتراكمات السقيمات المترهلات لابد من لحظة بداية.. يقولون إن هناك شيئين لا بد أن تفعلهما الآن وحالا، إذا كنت تنوى جادا صادقا في فعلهما، وهما "الصلاة والرياضة".. أي تأجيل لهما يعني فورا عدم حدوثهما..

* * *

والقرآن حدثنا عن شرط التغيير كما قال لنا العلامة مالك بن نبي رحمه الله (ت: 1973م)، الرجل الذي مرت من تحت قلمه كل الحكايات حول فكرة التغيير.. إنها "الإرادة العميقة"، والمعنى بالغ الوضوح في إدراكه وفهمه في الآية الكريمة في سورة الرعد "حتى يغيروا ما بأنفسهم..".

والتعثر والقيام من طبائع الأشياء وملازم للإنسان في شرف سعيه نحو المعالي في هذه الحياة.. ويبقى الإلحاح في الطلب؛ "طرقوا الأبواب تُفتح لكم". وقد كان إنسانا جميلا فعلا هذا الذي قال: "من طلب شيئا ولم يدركه أوشك أن يقع إلى جواره".. ستصل.. ستصل.. ومن سار على الدرب وصل.. بل إنهم يقولون في جماليات هذا السلوك: "درب الوصول قد يكون أغنى من الوصول. وهذا صحيح بالفعل لأن فيه مجاهدة وسعيا وطلبا وتلك المعاناة البهيجة في طريق الوصول.

* * *
من المسؤول عن عقد هذه العقدة المعقودة المنفوثة بين شهر القرآن وموضوع المسلسلات والتمثيليات والترفيه الشائه الرقيع.. لكن الملاحظ أنها في تزايد مستمر ومتصاعد ومستفز في مخالفته للقيم والأخلاق العامة، فضلا عن الدين وقيمه وتعاليمه

لا أدرى تاريخيا من المسؤول عن عقد هذه العقدة المعقودة المنفوثة بين شهر القرآن وموضوع المسلسلات والتمثيليات والترفيه الشائه الرقيع.. لكن الملاحظ أنها في تزايد مستمر ومتصاعد ومستفز في مخالفته للقيم والأخلاق العامة، فضلا عن الدين وقيمه وتعاليمه، الأمر الذي يتطلب تدخلا من الجهات المنوط بها الحفاظ على أعراف وثوابت هذا المجتمع.. خاصة الأزهر الشريف وشيخه وعلماءه الكرام، إذ يجب أن تكون لهم وقفة قوية مع ما يحدث من استخفاف واستهتار بهذا الشهر الكريم، وما يحمله من رسائل عظيمة للفرد في تنظيمه لحياته باحثا لنفسه عن محيط فاضل يعيش فيه، وفي سعيه لآخرته حبا وشوقا إلى ما عند الله.. وأيضا للأمة كلها التي يتحد ملايينها في عمل عظيم من أعمال القلوب (الصوم)، خصه الله بأنه له سبحانه وهو يجزي به، كما ورد في الحديث.. فلا أحد يعلم أنك صائم إلا الله العلي الكبير..

كل العبادات تُرى وتُشاهد ويخالطها ما يخالطها إلا هذه العبادة الكريمة التي تعني أكثر ما تعني "لعلكم تتقون.."، كما جاء في آية الصوم في سورة البقرة.. والتقوى ها هنا، كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأشار إلى قلبه ثلاثا.

* * *

لكن التناقض الشرس الشرير المقلوب رأسا على قدم هو الذي نراه في رمضان كل سنة، ونتقبله في حالة "استبلاه" أبله بلهانا عجيبا؛ هو قصة المسلسلات وبرامج الضحك الممجوج التي تملأ الإعلام في ضوضاء وصخب مليء بالسفاهة والحماقة والغثاثة..

من يرفع عن الأمة هذا التناقض الأليم؟

x.com/helhamamy
التعليقات (0)