يجيء
رمضان
كل عام بوصفه "مدرسة العتق"، ولا يعني ذلك العتق من النيران فحسب ولكنّه
عتق الإنسان من خضوعه لذاته؛ فيضع الإنسان وجها لوجه أمام جسده وأمام عاداته ثم يفتح
له بابا واسعا إلى معنى أن يصير سيّدا على شهوته وأن يتعلّم كيف تتحوّل العبادة إلى
تهذيبٍ للحسّ وإعادة ترتيبٍ للداخل.
فالصيام
في جوهره ليس امتناعا عابرا عن
الطعام والشراب، ولكنّه مشروع تربية يطال مركزا خطيرا
في النفس؛
شهوة البطن وما يتفرّع عنها من استرسالٍ في
الاستهلاك وتعظيمٍ للجسد وتقديسٍ
للمتعة.
ومن هنا
يبدو سؤال "حمّى الاستهلاك في رمضان" سؤالا عن روح الشهر قبل أن يكون سؤالا
عن موائد الناس؛ إذ شرع رمضان ليكسر سلطان الشهوة فإذا هي الشهوة تُستدعى في بعض البيوت
إلى منصة القيادة. كما شُرع ليعلّم التقليل فإذا هي الأسواق تتعامل معه باعتباره
موسم تسمين وتكثير، وشُرع ليوقظ معنى الفقر في الضمير فإذا هي نوافذ الترف تُفتح فيه
على مصاريعها.
الصيام في جوهره ليس امتناعا عابرا عن الطعام والشراب، ولكنّه مشروع تربية يطال مركزا خطيرا في النفس؛ شهوة البطن وما يتفرّع عنها من استرسالٍ في الاستهلاك
وقد وضع
الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" الإصبع على جوهر القضية، حين نبّه
إلى أنّ الصائم إذا ظل أكله في رمضان على حاله خارجه ضاعت ثمرة
الصوم في ذاته، فكيف
إذا ارتفعت الكميات وصارت الزيادة عنوان الموسم؟ فاسمع إليه وهو يقول: "روحُ الصّوم
وسرّه تضعيف القُوى التي هي وسائل الشّيطان في العود إلى الشّرور ولن يحصل ذلك إلا
بالتّقليل؛ وهو أن يأكل أكلَته التي كان يأكلها كلّ ليلةٍ لو لم يصم، فأمّا إذا جمع
ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلا فلم ينتفع بصومه".
هذه العبارة
تنصب ميزانا وتضع ميارا؛ فالصوم يطلب تضعيف القوى التي تشدّ الإنسان إلى الشرور عبر
الشهوة، وتضعيفها إنّما يتحقق بالتقليل؛ أمّا تحويل رمضان إلى "موسم جمع"
لما كان يؤكل في الفطور والغداء في ليلة واحدة فذلك يُبقي الشهوة على عرشها، ويحوّل
الجوع إلى مجرد تأجيل وترحيل زمني ثم يعود الإنسان إلى جسده كما خرج منه؛ لم يتغير
ميزانه الداخلي ولم تتربَّ إرادته ولم تتعلم نفسه معنى القهر الجميل للشهوة.
وحين يخضع
الصائم لمنطق الحضارة الماديّة التي تجعل الجسد معيارا وتتعامل مع الطعام بوصفه هوية
ووجاهة واحتفالا دائما، عندها يتعرض جوهر الصيام للتشويه، فحمّى الاستهلاك في
حقيقتها وجوهرها اختطاف لرسالة الشهر؛ فقد جاء رمضان ليعيد الإنسان إلى السيادة على
رغباته فإذا سوق الرغبة يبتلع الشهر ويعيد صياغته وفق منطق التكديس.
ويجيء
القرآن بمقامٍ رفيع يضع الأمر في سياقه الشرعيّ، فيأمر بالأكل والشرب ويجعل النهي عن
الإسراف جاريا في السياق نفسه، في إشارة إلى أنّ الوحي ينبّه إلى مكمن الخطر في طبائع
البشر، وكأنّه يضع خطا أحمر في أكثر أبواب النفس قابلية للانفلات، قال تعالى:
"وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"،
فهذه الآية تؤسّس أدبا مع النعمة وهي تُقرّر حكما فقهيا؛ فالأكل والشرب يدخلان ابتداء
في باب الإذن الربّاني ثم يجيء الميزان حارسا لهذا الإذن حتى تبقى النعمة في مقامها.
ويتعاظم
هذا المعنى حين يتقدّم الأمر بإيتاء الحقّ على التحذير من الإسراف في موضع آخر؛ فالوحي
يرسم خيطا واضحا بين أخلاق الاستهلاك وعدالة التوزيع، منبها إلى أنّ ما يُبذَّر على
موائد الترف إنّما يُستقطع من حقٍّ معلّق في أعناق القادرين وقد كان جديرا أن يصل إلى
مستحقّه. قال تعالى: "كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ
حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"، وهنا تتكشف
حمّى الاستهلاك بوصفها ظلما اجتماعيا قبل أن تكون سلوكا فرديا.
فالإسراف
في المأكل والمشرب سلوكٌ شخصيّ غير أنّه لا يتحرك في فراغ؛ إنّه هدرٌ يقع على حساب
فقراء ومساكين وأسرٍ يطحنها العوز، ومشهد المائدة العامرة التي ينتهي كثيرٌ منها إلى
القمامة يحمل في عمقه جريمة بحقّ الفقراء الذين يبيتون على الطوى، ويزداد قبح هذا المشهد
حين يقع في رمضان الشهر الذي يُفترض أن يكون ميدانا لتربية التعاطف وتدريبا عمليا على
الإحساس بجوع المحتاجين وتحريرا للضمير من غفلة الشبع.
يتحول رمضان عند كثيرين إلى تغيير مواعيد الأكل مع بقاء الشهوة على حالها، وتخفُّ آثار العبادة في السلوك لأن القلب لم يُهذَّب ولم تُضبط رغباته
إنّ رمضان
-في جوهره- ليس شهرا لتغيير ساعات الطعام، ولكنّه شهرٌ لتغيير عادات الإنسان وفي
رأسها علاقته بالطعام، وهو ليس شهرا لزيادة الأنواع، بل شهرٌ لتزكية النفس عبر التقليل
والانضباط، وليس موسما لبطولة الشراء والاستعراض الاستهلاكيّ، ولكنّه موسمٌ لبطولة
القهر الداخلي بأن يقدر المرء على أن يقول لشهوته "كفى"، فهذا الانتصار
الصّغير هو الذي يفتح أبواب انتصارات أكبر على مستوى الأمة جمعاء.
من هنا
تتعاظم مسؤولية المسلمين عامة لا سيما من يتصدّرون للتوجيه الدعوي والبناء الفكري؛
فهؤلاء أمناء على روح الشهر وحراس على مقاصده في وجدان الناس، ومطلوب منهم أن يفكّوا
رمضان من أسر السوق وأن يردّوه إلى مقامه بوصفه مدرسة تهذيبٍ وتحرير وتغيير وعتق.
يبدأ عملهم
بإحياء خطابٍ شرعيّ يعيد الناس إلى مقاصد الصيام كما قررها الوحي؛ بناء التقوى وتزكية
النفس وكسر سلطان الشهوة وتعليم العبد معنى المراقبة وحفظ الجوارح عن دواعي الإثم،
وربط العبادة بأثرها في الخلق والمعاملة.
فالقضية
تدور حول تصوّرٍ يفتن القلوب بتعظيم الجسد ويجعل اللذة ميزانا، فيتحول رمضان عند كثيرين
إلى تغيير مواعيد الأكل مع بقاء الشهوة على حالها، وتخفُّ آثار العبادة في السلوك لأن
القلب لم يُهذَّب ولم تُضبط رغباته، فإذا استعاد رمضان روحه على هدي الشريعة عاد الصوم
كما أراده الله تعالى؛ عبادة تُثمر تقوى، وصبرا يورث مجاهدة، وجوعا يوقظ رحمة، وانضباطا
يبني إرادة. عندها ينتقل الصائم من أسر الشهوة إلى قوة المجاهدة، ومن إسرافٍ وتكديس
يبدّد النعمة إلى ميزانٍ يضع لكل نعمة قدرها؛ فتظهر ثمرة الصيام في القلب والجوارح
وفي البيت والسوق وفي حقّ الفقير المتناثر على بقايا الموائد المترفة.
x.com/muhammadkhm