سدنة الفراغ ونبوءة النسيج الممزق: تشريح لمقصلة الوعي والشهود الحضاري

أحمد هلال‎
"تطل علينا الشاشات بأعمالٍ غُلفت ببريق الإنتاج الضخم لتمرير سموم الحقد"- عربي21/ علاء اللقطة
"تطل علينا الشاشات بأعمالٍ غُلفت ببريق الإنتاج الضخم لتمرير سموم الحقد"- عربي21/ علاء اللقطة
شارك الخبر
في ظلال التحولات الكبرى التي تعصف بالأوطان، يبرز سؤالٌ وجودي يتجاوز ضجيج السياسة؛ سؤالٌ يمسّ جوهر البقاء الحضاري: هل تُبنى الأمم بتمزيق أطرافها واستئصال مكوناتها، أم بحياكة جراحها ولملمة شتاتها؟ إن ما نكابده اليوم في فضائنا العربي، وفي القلب منه مصر، يتجاوز حدود الخلاف السياسي ليدخل في طور، تجريف الوجدان، حيث يُراد للنسيج الوطني أن يستحل خرقا بالية، تتقاذفها رياح الاستعداء الممنهج وشهوة الإقصاء التي لا تشبع.

ارتكزت فلسفة، الدولة، تاريخيا على فكرة المجموع، والعقد الاجتماعي الذي يربط الشركاء في مصير واحد، لكن المشهد الراهن يعكس انقلابا في المفاهيم؛ إذ تبرز الشيطنة، لا كعارض سياسي، بل كمنهج إداري متكامل.

تتحول أدوات الوعي وقنوات الاتصال إلى معاول للهدم؛ فبدلا من استيعاب المكونات الطبيعية للمجتمع، بكل حمولتها الفكرية والروحية، يتم دفعها قسرا إلى خارج التاريخ؛ وخارج الوطنية، عبر آلة إعلامية لا تتقن سوى صناعة العدو الداخلي، لإبقاء المجتمع في حالة استنفار دائم ضد نفسه.

حين يُصوّر الشريك في الوطن كأفعى، فإن العقل الجمعي يُبرمج تلقائيا على أن الحل الوحيد هو، السحق، دون مراجعة أو تدبر، رغم رفضه مجتمعيا وشعبيا، وتميز مصر بالتماسك المجتمعي للنسيج الوطني

إن هذا الاستعداء الممنهج لكل من ينادي بالالتحام الوطني، أو يرفض منطق الإقصاء، لا يورث إلا فراغا مخيفا. وحين تخلو الساحة من البنى الوسيطة، التي كانت تنسق العلاقة بين الدولة والفرد، فإننا نرتطم بجدار التفكك السوسيولوجي.

تلك المؤسسات كانت صمامات أمان؛ تضبط إيقاع الشباب، وتوفر حاضنة قيمية تمنعهم من الانزلاق نحو التيه. وبإخلاء هذا المجال، لا تجني الدولة استقرارا، بل تزرع تشرذما في الانتماء، واغترابا نفسيا يحول الشباب إلى طاقات هائمة، إما مستسلمة لليأس، أو باحثة عن بدائل أكثر راديكالية في "ظلال" المجتمع بعيدا عن أعين الرقابة والتوجيه.

ومع حلول شهر رمضان المبارك، تلك المحطة الروحية التي فُطرت القلوب فيها على السكينة، نجد سدنة الفراغ يستعدون لإشعال فتيل الفتنة الدرامية. تطل علينا الشاشات بأعمالٍ غُلفت ببريق الإنتاج الضخم لتمرير سموم الحقد، وعلى رأسها ذلك العمل الذي اختار له صانعوه اسما مستوحى من قواميس الحقد الجاهلي: رأس الأفعى.

إن اختيار هذا الاسم تحديدا هو ممارسة لتجريد الآخر من إنسانيته؛ فحين يُصوّر الشريك في الوطن كأفعى، فإن العقل الجمعي يُبرمج تلقائيا على أن الحل الوحيد هو، السحق، دون مراجعة أو تدبر، رغم رفضه مجتمعيا وشعبيا، وتميز مصر بالتماسك المجتمعي للنسيج الوطني.

تُنفق المليارات على هذه الأعمال الدرامية، لطبخ وعيٍ زائف، في وقت يئن فيه المواطن تحت وطأة أزمات معيشية طاحنة. إنها مفارقة موجعة؛ أن يُبخل على الشعب في رزقه، ويُسخى على تزييف وعيه. إن هذه المسلسلات التي تدعي التوثيقليست إلا "عنفا رمزيا" ضد الذاكرة الوطنية، حيث تُزيف الحقائق، وتُبتر السياقات، وتُخترع البطولات الورقية على أنقاض روايات جرى كتم أنفاس أصحابها.

الهدف هنا ليس التأريخ، بل تأميم الحقيقة لصالح رواية أحادية، تُحوّل الخلاف السياسي إلى صراعٍ صفري لا يقبل القسمة على اثنين، وإلى مسارات أمنية تغلق المجال العام ولا تعطي فرصة لإعادة البناء والتنمية عبر طاقات وقدرات وكفاءات وطنية مخلصة.

إن خطورة هذه الصناعة الكاذبة تتجاوز حدود الشاشة؛ فهي تضرب شرعية المعيار الأخلاقي في مقتل. عندما يشعر قطاع واسع أن تاريخه وحضوره يُمسخان تحت وطأة آلة مستأجرة، يتولد لديه شعورٌ بالمظلومية الوجودية، وهو الوقود الذي يغذي الانفجارات الاجتماعية الكبرى.

الأوطان التي تقتات على بروباغندا الكراهية وتستمرئ شيطنة أبنائها هي أوطان تستنزف أغلى ما تملك: ثقة الإنسان في أخيه. إننا بحاجة اليوم إلى وقفة صدق، ندرك فيها أن الإقصاء الإداري لا ينهي الحركات المتجذرة، بل يحولها إلى قنابل موقوتة

إن شيطنة المكونات الطبيعية للنسيج الوطني هو أقصر طريق لتفكيك الدولة من الداخل، وهو ما يخالف منطق الشهود الحضاري الذي يقوم على التدافع السلمي والبناء التراكمي.

إن الحتمية القرآنية التي بشرت بظهور دين الحق في قوله تعالى: "لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ"، لم تكن يوما تبشيرا بغلبة عسكرية، بل هي وعدٌ بانتصار النموذج الأخلاقي والقيم الإنسانية العليا.

وهذا الإظهار الحضاري لا يتحقق في بيئات الاحتراب الداخلي، بل يتطلب مجالا عاما حرا، وإنسانا مستخلفا يشعر بالأمن في وطنه ليتمكن من عمارة الأرض. إن الاستخلاف هو نقيض الاستبعاد، والتمكين الحقيقي هو الذي يحفظ الأنفس والعهود، لا الذي يبدد مقدرات الأمة في حروب أهلية ناعمة تُدار عبر الكاميرات.

إن الأوطان التي تقتات على بروباغندا الكراهية وتستمرئ شيطنة أبنائها هي أوطان تستنزف أغلى ما تملك: ثقة الإنسان في أخيه. إننا بحاجة اليوم إلى وقفة صدق، ندرك فيها أن الإقصاء الإداري لا ينهي الحركات المتجذرة، بل يحولها إلى قنابل موقوتة.

إن الطريق إلى الخلافة الحضارية والاستقرار يمر عبر بوابة الالتحام، واحترام التنوع، والكف عن تبديد ثروات الشعب في مسلسلات تزرع الشقاق وتحصد الرماد. فالحق سيبقى أبلج مهما تراكمت فوقه سحب التزييف، ووعي الشعوب هو المختبر الحقيقي الذي ستسقط فيه كل رؤوس الأفاعي المصطنعة، ليبقى النسيج الوطني واحدا، عصيا على التمزق، ومنتصرا لقيم العدل والجمال

لا تفسدوا جمال الشهر الفضيل بلوثات النفخ في رماد الاحقاد وتحفيز المجتمع بعضه ضد البعض الآخر، في حين أنه شهر الرحمة والتراحم والوصال، والمغفرة والعتق من النار.
التعليقات (0)