في السنوات
الأخيرة، تغيّرت طريقة قراءة ما يجري في الشرق الأوسط، لكن أدوات التحليل بقيت تقريبا
كما هي. ما زال النقاش محصورا في التحالفات والصراعات وموازين القوى، بينما تتحرك التحولات
الحقيقية في مسار آخر، أقل صخبا وأكثر انتظاما. هناك، بعيدا عن التصريحات والخطابات،
تُرسم الخرائط الفعلية عبر قرارات واتفاقيات تُعقد بهدوء، لكنها تترك أثرا أعمق وأطول.
الإقليم كنظام
تشغيل.. لا كساحة صراع
لم تعد تحركات
إدارة دونالد ترامب في الشرق الأوسط قابلة للفهم بوصفها قرارات منفصلة أو ملفات مستقلة.
صفقة غاز هنا، منظومة
دفاع جوي هناك، إطار تكنولوجي-أمني جديد في الخليج. للوهلة الأولى
يبدو المشهد مبعثرا، لكن عند جمع هذه العناصر معا تتكشف صورة مختلفة تماما، معمار واحد
يُعاد فيه تعريف الإقليم، لا كفضاء صراع وسيادة، بل كنظام تشغيل وظيفي تُدار مكوّناته
من الخارج.
لسنا أمام سياسة تحالفات تقليدية، ولا أمام احتلال مباشر أو يمنة صلبة بالمعنى الكلاسيكي؛ ما يحدث أقرب إلى عملية هادئة يمكن وصفها بـ" تفريغ السيادة"، الدولة تبقى قائمة، مؤسساتها موجودة، علمها مرفوع، لكن قدرتها على اتخاذ القرار الاستراتيجي تُنزَع تدريجيا
لسنا أمام
سياسة تحالفات تقليدية، ولا أمام احتلال مباشر أو يمنة صلبة بالمعنى الكلاسيكي؛ ما
يحدث أقرب إلى عملية هادئة يمكن وصفها بـ" تفريغ السيادة"، الدولة تبقى قائمة،
مؤسساتها موجودة، علمها مرفوع، لكن قدرتها على اتخاذ القرار الاستراتيجي تُنزَع تدريجيا،
ويُعاد توزيع وظائفها داخل منظومة أكبر لا تسمح بالانفكاك السهل.
حين يُعاد
تسييل الغاز في
مصر، وحين تُدمج القاهرة تدريجيا في شبكة دفاع جوي تُدار بمنطق التشغيل
البيني، وحين يدخل الخليج إطارا تكنولوجيا-أمنيا تحت عنوان "Pax Silica"، فهذه ليست ملفات منفصلة،
إنها حلقات في سلسلة واحدة، تعمل وفق منطق شبكي تُدار فيه السياسة بالإيقاع والمعايير،
ويتحوّل القرار من فعل سيادي إلى مخرَج تقني مشروط.
الدولة كوحدة
تشغيل داخل شبكة أكبر
في هذا السياق
الجديد، لا تعود الدولة فاعلا سياديا كامل الاستقلال، بل وحدة تشغيل داخل شبكة أوسع،
لكل دولة وظيفة، وتوقيت، وشروط. لم يعد معيار السيادة هو القدرة على الرفض أو اتخاذ
قرار منفرد، بل القدرة على أداء الدور المطلوب والبقاء داخل الإيقاع المفروض.
يتجلّى هذا
التوزيع الوظيفي بوضوح؛ مصر تتحول إلى عقدة طاقة وبنية تحتية وأمن عبور، وتُدار جغرافيتها
بوصفها منصة تشغيل إقليمي لا تملك السيطرة الكاملة على ما يمر عبرها. الخليج يُستدعى
بوصفه مصدر التمويل والطاقة ومضيف البنية التحتية الرقمية، من دون سيادة تقنية على
المعايير أو الخوارزميات أو حدود الاستخدام. إسرائيل تؤدي دور العقدة التقنية-الأمنية
والمعرفية، المدمجة في تصميم الشبكة نفسها، لا كشريك سياسي فحسب، بل كعنصر بنيوي في
تشغيلها. الولايات المتحدة تبقى (مدير المنظومة) من يضع القواعد، ويضبط الإيقاع، ويجعل
الخروج مكلفا.
في هذا الإطار،
لا تعود
الطاقة مجرد سلعة، عندما يُعاد تسييل الغاز الإسرائيلي في مصر ويُصدَّر إلى
أوروبا عبر محطات الإسالة المصرية، يتجاوز الأمر التجارة. نحن أمام إدماج وظيفي لقطاع
الطاقة داخل شبكة تمتد من شرق المتوسط إلى أوروبا، حيث يتحول الغاز إلى أداة ربط سياسي
غير معلن، يربط الطاقة بالأمن، ويُخضع الجميع للإيقاع
الأمريكي في ملف أمن الطاقة،
دون رفع لافتة السياسة صراحة.
الأمر نفسه
ينسحب على المجال الأمني؛ إدماج مصر في منظومة الدفاع الجوي الأمريكية لا يُفهم فقط
من خلال صفة "حليف رئيسي من خارج الناتو"، بل من خلال تحويل الدفاع ذاته
إلى وظيفة تشغيلية داخل شبكة أوسع.
ويتجسّد ذلك
بوضوح في صفقة "NASAMS"،
فهذه المنظومة ليست مجرد صواريخ أو تحديث تقني، بل بنية دفاع شبكية تربط الرادارات،
ومراكز القيادة والسيطرة، وقواذف الصواريخ، ضمن إطار واحد قابل للدمج في معماريات دفاع
أكبر. هنا لا يجري استيراد سلاح فحسب، بل تبنّي طريقة عمل كاملة، تتحول فيها البنية
الدفاعية الوطنية إلى حلقة تشغيل داخل شبكة تُدار بمعايير وبرمجيات وأنظمة قيادة وسيطرة
خارجية. القرار الدفاعي لا يُسلب علنا، لكنه يصبح عمليا غير قابل للممارسة خارج هذه
المنظومة، ما يجعل الانفكاك عنها عالي الكلفة سياسيا وتشغيليا.
"Pax Silica".. الهيمنة الهادئة للمعايير
يُعاد تقديم الدولة بوصفها "البطل التنفيذي" في هذه المنظومة: أداة ضبط وتنفيذ لا فاعلا سياديا مستقلا. شرط البقاء هنا ليس الشرعية ولا حتى القوة التقليدية، بل القدرة على التكيّف السريع، وإعادة التموضع، وتغيير الجلد كلما تغيّر الإيقاع
تُقدَّم "Pax Silica" بوصفها إطارا للتكامل
في مجالات الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، وسلاسل الإمداد الرقمية، والطاقة
اللازمة لتشغيل هذا العالم الجديد. الاسم نفسه ليس بريئا؛ هو استدعاء لفكرة "السلام
الروماني"، لكن بنسخة سيليكونية تقوم على المعايير والتكنولوجيا لا على الجيوش.
في هذا المعمار،
تضبط الولايات المتحدة القواعد العامة، وتعمل إسرائيل كمختبر متقدم وواجهة بحثية-أمنية،
بينما تؤدي اليابان وسنغافورة أدوارا مالية وتقنية، ويُستدعى الخليج بوصفه مصدر الطاقة
ورأس المال، في وقت يتزايد فيه الطلب العالمي على الكهرباء لتغذية مراكز بيانات الذكاء
الاصطناعي. الهيمنة هنا لا تُفرض بالقوة الصلبة، بل عبر شروط الانضمام وكلفة الخروج.
من يدخل هذه
المنظومة ينال الاستقرار والاندماج، لكنه يفقد تدريجيا هامش المناورة خارجها. ومن يبقى
خارجها يُوصم باللا عقلانية أو الخطر، في إعادة إنتاج ناعمة لمنطق مركز-هامش جديد.
ولا يقتصر
منطق "منظومة التشغيل" على الدول وحدها؛ المليشيات، على اختلاف أشكالها،
لا تُعد خللا طارئا، بل عناصر قابلة للإدارة: احتواء، أو تفكيكا، أو إعادة توظيف. الجماعات
والحركات والتنظيمات تُقاس أدوارها بمعيار بارد واحد: المنفعة الوظيفية لا الشرعية
السياسية. أما المنظمات الدولية، فإما يُعاد تدويرها لتنسجم مع هذا المعمار، أو تُهمّش
وتُغلق حين تتحول إلى عبء.
في المقابل،
يُعاد تقديم الدولة بوصفها "البطل التنفيذي" في هذه المنظومة: أداة ضبط وتنفيذ
لا فاعلا سياديا مستقلا. شرط البقاء هنا ليس الشرعية ولا حتى القوة التقليدية، بل القدرة
على التكيّف السريع، وإعادة التموضع، وتغيير الجلد كلما تغيّر الإيقاع.
في عالم تتشابك
فيه الطاقة والرقائق والبيانات، لا يعود السؤال: من الحليف ومن الخصم؟ بل سؤال أبسط
وأكثر قسوة: أي وظيفة يُسمح لك بأدائها داخل الشبكة؟ وهنا، تحديدا، تكمن خطورة اللحظة.