الحرب السيبرانية في أوروبا.. معركة الاستقرار في زمن الهجمات غير المرئية

سمير الخالدي
لم يعد الاستقرار مسألة حدود وجيوش، بل مسألة ثقة، ومعلومة، واستمرارية خدمات.. الأناضول
لم يعد الاستقرار مسألة حدود وجيوش، بل مسألة ثقة، ومعلومة، واستمرارية خدمات.. الأناضول
شارك الخبر
لم تعد التهديدات التي تواجهها أوروبا في عام 2025 محصورة في الجغرافيا أو الجيوش، بل انتقلت إلى فضاء أكثر تعقيدا وخفاء: الفضاء السيبراني. فالدول الأوروبية، التي بنت نموذجها الاقتصادي والسياسي على الترابط الرقمي والتكامل العابر للحدود، باتت اليوم تواجه نمطا من الصراع لا يستهدف الأرض بقدر ما يستهدف الوظيفة: وظيفة الدولة، وظيفة المؤسسات، ووظيفة الديمقراطية نفسها.

هذا التحول لم يعد محلّ نقاش نظري داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بل أصبح توصيفا رسميا. ففي بيان صادر في 18 يوليو 2025، أكّد الاتحاد أن ما تتعرض له دوله هو "حملات هجينة مستمرة وخبيثة تهدف إلى تقويض الأمن والمرونة والأسس الديمقراطية للاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء". بهذا الوصف، لم تعد الهجمات السيبرانية شأنا تقنيا هامشيا، بل أُدرجت صراحة في قلب التهديد السياسي والاستراتيجي.

تتجلى خطورة هذا الصراع، كما تراها بروكسل، في كونه لا يستهدف الأنظمة التقنية فحسب، بل يطال الديمقراطية الأوروبية ذاتها. فقد نبّهت الوكالة الأوروبية للأمن السيبراني إلى أن التلاعب بالمعلومات، إلى جانب الهجمات الرقمية، يشكّل تهديدا مزدوجا، لأنه يضرب الثقة في العملية الديمقراطية وفي المؤسسات التي تقوم عليها. ووفق تحذيرات رسمية للوكالة، فإن التأثير على الرأي العام وتشويه البيئة المعلوماتية المحيطة بالانتخابات لا يقل خطورة عن تعطيل البنى التحتية الحيوية.
جوهر هذه الحرب، كما تفهمه العواصم الأوروبية، لا يقوم على التدمير الشامل، بل على الإرباك المنهجي. فتعطيل خدمات عامة، أو شلّ بنى تحتية رقمية، أو التشكيك في موثوقية المعلومات، يكفي لإحداث أثر سياسي قد يفوق أحيانا أثر الضربات العسكرية التقليدية. هذا الإدراك دفع مؤسسات الاتحاد إلى التعامل مع الهجوم الرقمي باعتباره تهديدا مباشرا للاستقرار الداخلي، لا مجرد جريمة عابرة للحدود أو نشاطا استخباراتيا محدود الأثر.

في هذا السياق، تتجه الاتهامات الأوروبية بشكل متزايد نحو روسيا. فقد حذّرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في أكتوبر 2025، من أن أوروبا تواجه "حملة منسّقة في المنطقة الرمادية"، تشمل هجمات سيبرانية، وتخريبا، وتلاعبا بالمعلومات، وتهدف إلى إضعاف المجتمعات الأوروبية وتقويض دعمها للسياسات المشتركة، ولا سيما في ما يتعلق بأوكرانيا. هذا التصريح لم يكن مجرد توصيف أمني، بل نقل مفهوم "الحرب الهجينة" من أدبيات الخبراء إلى صلب الخطاب السياسي الأوروبي.

غير أن هذا السرد الأوروبي لا يُقابل بإجماع دولي مماثل. فمن وجهة نظر موسكو، تُرفض هذه الاتهامات باعتبارها جزءا من تسييس الفضاء السيبراني واستخدامه أداة لتبرير سياسات الردع والعقوبات الغربية. الخطاب الروسي الرسمي يميل إلى تصوير الاتحاد الأوروبي بوصفه جزءا عضويا من الاستراتيجية الأطلسية، ويعتبر أن ما تصفه بروكسل بـ"الحرب الهجينة" ليس سوى انعكاس لصراع جيوسياسي أوسع تُوظَّف فيه مفاهيم الأمن السيبراني كسلاح خطابي أكثر من كونها توصيفا قانونيا دقيقا.

هذا التباين في السرديات يكشف عن اختلاف أعمق في مقاربة الصراع السيبراني بين أوروبا من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى. فالولايات المتحدة تتعامل مع الفضاء السيبراني باعتباره مجالا عملياتيا قائما بذاته، يخضع لمنطق الردع والقدرة الهجومية والتفوق التكنولوجي، وقد جرى دمج الهجمات السيبرانية بشكل صريح في عقيدتها العسكرية. في المقابل، يميل الاتحاد الأوروبي إلى تأطير التهديد السيبراني ضمن مفهوم "المرونة المجتمعية" وحماية الديمقراطية والبنى المؤسسية، أكثر من تركيزه على الردع الهجومي الصريح.

هذا الفارق ليس تقنيا فقط، بل يعكس اختلافا بنيويا في تصور القوة. فبينما تنطلق واشنطن من منطق القوة الصلبة المدعومة بالتفوق العسكري والتكنولوجي، تنطلق بروكسل من إدراك هشاشة نموذجها القائم على الترابط، والانفتاح الرقمي، والثقة العابرة للحدود. وبهذا المعنى، فإن أوروبا لا تخوض حربا سيبرانية بالمعنى العسكري الكلاسيكي، بل تخوض صراعا على استمرارية نموذجها السياسي والاقتصادي في بيئة دولية باتت أكثر عدائية.

وتتجلى خطورة هذا الصراع، كما تراها بروكسل، في كونه لا يستهدف الأنظمة التقنية فحسب، بل يطال الديمقراطية الأوروبية ذاتها. فقد نبّهت الوكالة الأوروبية للأمن السيبراني إلى أن التلاعب بالمعلومات، إلى جانب الهجمات الرقمية، يشكّل تهديدا مزدوجا، لأنه يضرب الثقة في العملية الديمقراطية وفي المؤسسات التي تقوم عليها. ووفق تحذيرات رسمية للوكالة، فإن التأثير على الرأي العام وتشويه البيئة المعلوماتية المحيطة بالانتخابات لا يقل خطورة عن تعطيل البنى التحتية الحيوية.

هذا الإدراك تُرجم سياسيا في نهاية عام 2025، حين قرّر مجلس الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بأنشطة وُصفت رسميا بأنها "تلاعب بالمعلومات وهجمات سيبرانية" استهدفت الاتحاد ودوله الأعضاء. القرار لم يكن رمزيا فحسب، بل حمل رسالة سياسية مفادها أن الفضاء الرقمي لم يعد خارج نطاق المساءلة، حتى وإن ظل فضاء يصعب ضبطه قانونيا بشكل كامل.

كما عبّر الاتحاد الأوروبي عن تضامنه العلني مع دول تعرّضت لهجمات سيبرانية، من بينها الدنمارك، حيث أكدت المتحدثة باسم الشؤون الخارجية في الاتحاد في ديسمبر 2025 أن بروكسل "ستحمّل روسيا المسؤولية عن الهجمات السيبرانية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية والعمليات الديمقراطية". هذا الموقف يعكس انتقال الاتحاد من سياسة التحفظ والغموض إلى سياسة الإسناد السياسي العلني، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر تصعيدية.

وعلى المستوى الوطني، لم يخرج الخطاب الأوروبي عن هذا الإطار. فقد صرّح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال اجتماع لقادة أوروبيين في أكتوبر 2025، بأن القارة "باتت في مواجهة تهديدات هجينة من روسيا"، تشمل الهجمات السيبرانية والمعلوماتية، معتبرا أن هذا الواقع يفرض على أوروبا إعادة تعريف مفهوم أمنها الجماعي وحدود اعتمادها على الحلف الأطلسي.

لم يعد الأمن السيبراني ملفا تقنيا يُدار في الظل، بل أصبح جزءا لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي الأوروبي. فالهجوم الرقمي، كما تقول المفوضية الأوروبية، يُعامل اليوم بوصفه اعتداء على منشأة استراتيجية، لما يحمله من آثار سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة، حتى وإن لم يُسفر عن دمار مادي مباشر.
أمام هذا المشهد، لم يعد الأمن السيبراني ملفا تقنيا يُدار في الظل، بل أصبح جزءا لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي الأوروبي. فالهجوم الرقمي، كما تقول المفوضية الأوروبية، يُعامل اليوم بوصفه اعتداء على منشأة استراتيجية، لما يحمله من آثار سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة، حتى وإن لم يُسفر عن دمار مادي مباشر.

أما مستقبل العلاقة بين أوروبا وروسيا، فيبدو محكوما باستمرار هذا النمط من الصراع. فحتى في حال ظهور مسارات تهدئة سياسية أو تفاوضية، تشير المؤشرات الأوروبية الرسمية إلى أن الحرب السيبرانية والحرب المعلوماتية ستبقيان أدوات مفضّلة في "المنطقة الرمادية"، حيث يمكن ممارسة الضغط الاستراتيجي دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.

في الختام تكشف الحرب السيبرانية كما تراها المؤسسات الأوروبية في 2025 عن تحوّل جذري في معنى الاستقرار. لم يعد الاستقرار مسألة حدود وجيوش، بل مسألة ثقة، ومعلومة، واستمرارية خدمات. وبينما تتقاطع السرديات الأوروبية والأطلسية حول طبيعة التهديد، يبقى السؤال مفتوحا حول قدرة أوروبا على بلورة مقاربة مستقلة لهذا الصراع. ما هو مؤكد، وفق الخطاب الرسمي، أن القارة تخوض اليوم معركة غير مرئية، لكنها معركة وجودية ستحدد شكل ديمقراطياتها، وحدود علاقتها بروسيا، وموقعها في نظام دولي يتغير بسرعة.
التعليقات (0)