لم يعد
تقرير مؤتمر ميونخ للأمن لعام 2026
مجرد وثيقة تمهيدية لاجتماع سنوي، بل يبدو أقرب إلى محاولة تشخيص سياسي لمرحلة
اضطراب عميق يمرّ بها
النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب
العالمية الثانية.
فالتقرير يوحي بأن النظام القائم على القواعد لا يواجه ضغوطا خارجية من قوى صاعدة
فحسب، بل يتعرض أيضا لاختبارات من داخل المنظومة التي أسسته. هذا التوصيف، الصادر
عن إحدى أبرز المنصات الأمنية في الغرب، يمكن قراءته بوصفه إشارة إلى تنامي القلق
داخل النخب الأطلسية من أن مصدر التهديد لم يعد خارجيا بالكامل، بل قد يكون ذاتي
المنشأ.
ويستخدم التقرير مفهوم "سياسة
الهدم" للإشارة إلى صعود تيارات سياسية داخل بعض الديمقراطيات الغربية تميل
إلى إعادة النظر في المؤسسات والقواعد بدلا من الاكتفاء بإصلاحها تدريجيا. وفي هذا
السياق، يلمّح التقرير إلى دور السياسات الأميركية، مشيرا إلى أن الرئيس دونالد
ترامب تبنّى مقاربات أثارت جدلا واسعا، سواء عبر التعامل الانتقائي مع القانون
الدولي أو إعادة تعريف التحالفات بمنطق أقرب إلى التفاوض منه إلى الالتزام طويل
الأمد. أهمية هذا الطرح لا تكمن فقط في مضمونه، بل في صدوره عن مؤسسة ارتبطت
تاريخيا بالدفاع عن النظام الليبرالي أو تفسير اختلالاته.
أوروبا أمام فراغ استراتيجي متنام
هذا التحول يضع أوروبا أمام واقع يصعب
تجاهله. فتصدر مستقبل السياسة الأمنية والدفاعية الأوروبية جدول أعمال المؤتمر، في
ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، يعكس إدراكا متزايدا بأن الاعتماد الكامل على
الولايات المتحدة لم يعد افتراضا مستقرا كما كان في العقود الماضية. ويشير التقرير
إلى أن عددا من الدول المتمسكة بالنظام القائم على القواعد بدأ بالفعل في بحث
ترتيبات تقلّل من درجة الارتهان الاستراتيجي لواشنطن، في وقت تتعرض فيه الثقة
بالدور الأميركي لاختبارات متكررة.
لم يعد الغرب قادرا بسهولة على تقديم نفسه باعتباره الحارس الوحيد للقواعد، كما لم تعد المؤسسات الدولية قادرة دائما على فرضها. لكن السؤال الأكثر إلحاحا لا يتعلق فقط بما إذا كان العالم يتجه نحو التفكك، بل أيضا بمدى قدرة القوى الكبرى على صياغة توازن جديد يمنع الانزلاق إلى فوضى ممتدة، ويتيح في الوقت ذاته إعادة بناء نظام أكثر قابلية للاستمرار.
في هذا الإطار، تكتسب تصريحات الرئيس
الفرنسي إيمانويل ماكرون دلالة خاصة، إذ أكد أن "الاستقلال الاستراتيجي
الأوروبي لم يعد ترفا سياسيا، بل ضرورة أمنية". هذا الطرح، الذي قوبل سابقا
بتحفّظ داخل بعض دوائر الاتحاد الأوروبي، أخذ يتقدم تدريجيا نحو صلب النقاش
الاستراتيجي.
ويتقاطع ذلك مع ما أقرّ به المستشار
الألماني فريدريش ميرتس حين أشار إلى أن أوروبا لم تعد قادرة على ضمان استمرار
الحماية الأميركية، داعيا إلى تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية وتكثيف التنسيق
العسكري الأوروبي. صدور مثل هذا الخطاب من ألمانيا - التي كانت لعقود معتمدة على التحالف الأطلسي -
يعكس مستوى القلق من احتمال اتساع فراغ استراتيجي في القارة.
ومع ذلك، لا يعني هذا التحول أن أوروبا باتت
على وشك الانفصال الأمني عن واشنطن، فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك أدوات عسكرية
وتحالفية هائلة، كما أظهرت قدرتها على إعادة تعبئة الناتو بعد الحرب الأوكرانية.
لكن النقاش الأوروبي المتصاعد يوحي بمحاولة تقليل المخاطر لا استبدال التحالف.
ميونخ 2026 مقارنة بنسخ سابقة
عند مقارنة خطاب مؤتمر 2026 بدوراته التي
أعقبت الحرب الباردة، يبرز تحول لافت في وظيفة المؤتمر نفسها. فقد اعتاد
"ميونخ" أن يُقدَّم كمنصة لإدارة الخلافات داخل المعسكر الغربي، ضمن
افتراض أساس مفاده أن النظام القائم قابل للاستمرار مع إدخال تعديلات دورية عليه.
وكانت اللغة السائدة تدور حول "حماية النظامط و"احتواء التحديات".
أما اليوم، فتبدو النبرة أقرب إلى التحذير
من أزمة أعمق تتعلق بوظيفة النظام وشرعيته، لا بمجرد آليات إدارته. فالتركيز لم
يعد موجها أساسا إلى قوى خارجية، بل إلى التحولات السياسية داخل الديمقراطيات
الغربية نفسها، وعلى رأسها الولايات المتحدة. بهذا المعنى، لم يعد
"ميونخ" فقط مساحة لتأكيد الإجماع الأطلسي، بل أصبح أيضا مرآة تعكس حجم
التباينات والشكوك المتبادلة.
ومع ذلك، قد يكون من المبكر اعتبار هذا
الخطاب إعلانا عن تفكك وشيك للنظام الدولي، إذ أظهرت التجارب التاريخية قدرة
المؤسسات الغربية على التكيّف وإعادة إنتاج نفسها خلال الأزمات، كما حدث بعد نهاية
الحرب الباردة والأزمة المالية العالمية. لذلك يمكن
قراءة التقرير بوصفه تحذيرا
استباقيا، إضافة إلى أنه تشخيص لأزمة أوربية تتفاقم.
عالم ما بعد القواعد؟ تحذيرات دافوس تتقاطع
مع ميونخ
يتقاطع هذا التشخيص مع التحذيرات التي برزت
في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، حيث نبّه مارك كارني - الذي شغل سابقا مواقع
محورية في الحوكمة المالية الدولية - إلى أن العالم يمر بمرحلة إعادة تشكّل عميقة
في النظامين الاقتصادي والمالي. وحذّر من أن تآكل الأطر متعددة الأطراف وتراجع
الثقة في المؤسسات العالمية قد يفتحان الباب أمام صدمات نظامية ويهددان الاستقرار
الاقتصادي.
الرئيس دونالد ترامب تبنّى مقاربات أثارت جدلا واسعا، سواء عبر التعامل الانتقائي مع القانون الدولي أو إعادة تعريف التحالفات بمنطق أقرب إلى التفاوض منه إلى الالتزام طويل الأمد. أهمية هذا الطرح لا تكمن فقط في مضمونه، بل في صدوره عن مؤسسة ارتبطت تاريخيا بالدفاع عن النظام الليبرالي أو تفسير اختلالاته.
كما يشير تقرير ميونخ إلى أن مظاهر التفكك
لا تقتصر على السياسة، بل تمتد إلى مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن
السيبراني، حيث تتقدم أدوات جديدة للصراع والردع في ظل غياب أطر تنظيمية دولية
فعّالة. هذا الفراغ، كما يلمّح كارني، لا يهدد النمو فحسب، بل يعيد الاعتبار لمنطق
القوة كأحد محددات التوازن العالمي.
ختاماً، يوحي تقرير "ميونخ 2026"
مدعوما بإشارات "دافوس" بأن النظام الدولي يدخل مرحلة اختبار قد تعيد
تعريف طريقة توزيع القوة وإدارتها. لم يعد الغرب قادرا بسهولة على تقديم نفسه
باعتباره الحارس الوحيد للقواعد، كما لم تعد المؤسسات الدولية قادرة دائما على
فرضها. لكن السؤال الأكثر إلحاحا لا يتعلق فقط بما إذا كان العالم يتجه نحو
التفكك، بل أيضا بمدى قدرة القوى الكبرى على صياغة توازن جديد يمنع الانزلاق إلى
فوضى ممتدة، ويتيح في الوقت ذاته إعادة بناء نظام أكثر قابلية للاستمرار.