"أرقام صادمة".. كتاب لقطب العربي يكشف كيف مُول الإعلام بمليارات لإسقاط مرسي؟

الكتاب يرصد مختلف الزوايا التي تكون منها المشهد الإعلامي في ذلك العام - عربي21
الكتاب يرصد مختلف الزوايا التي تكون منها المشهد الإعلامي في ذلك العام - عربي21
شارك الخبر
شهدت مدنية إسطنبول الأربعاء حفل توقيع كتاب "مرسي والإعلام.. معركة الذاكرة.. رؤية من الداخل" للكاتب الصحفي قطب العربي والذي شغل منصب الأمين العام المساعد للمجلس الأعلى للصحافة في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي الذي يوثق كواليس المشهد الإعلامي خلال فترة حكمه ويحتوي على شهادات تعرض لأول مرة .

وفي تصريحات خاصة لـ"عربي21"، أكد العربي أن كتابه الجديد لا يقدم قراءة تحليلية فحسب، بل يسجل "شهادة للتاريخ" من داخل مؤسسات إدارة الإعلام خلال عام حكم مرسي، كاشفا بالأرقام والأسماء عن شبكات تمويل وتحريض لعبت دورا حاسما في تشكيل الرأي العام ضد الرئيس المنتخب.

شهادة من داخل "المجلس الأعلى للصحافة"

وفي مستهل حديثه، أوضح العربي أنه خلال فترة تواجده داخل أروقة المجلس الأعلى للصحافة خلال فترة حكم مرسي، وهي الجهة التي كانت تشرف على الصحافة، مشيرًا إلى أن تجربته داخل هذا الإطار المؤسسي منحته اطلاعا مباشرا على خريطة المشهد الإعلامي بكل تناقضاته.

وبين أن الكتاب يرصد مختلف الزوايا التي تكون منها المشهد الإعلامي في ذلك العام، مؤكدًا أن الحملة التي استهدفت مرسي لم تكن محلية فقط، بل "كانت حملة خارجية بالأساس"، تقف وراءها "عواصم الثورة المضادة في المنطقة" خاصة دولة الإمارات.


Image1_2202611215552786374238.jpg
وقال العربي إن مليارات الجنيهات ضخت في الإعلامي المصري آنذاك بهدف "تشويه صورة ثورة يناير وتجربة حكم الرئيس محمد مرسي"، معتبرًا أن ما جرى لم يكن مجرد اختلاف سياسي، بل "عملية منظمة لإعادة تشكيل الوعي العام".

6 مليارات جنيه للإعلام الخاص

ومن أبرز ما كشفه العربي في تصريحاته، ما وصفه بـ"الفجوة التمويلية الضخمة" في الإعلام الخاص خلال تلك الفترة، وأكد أن حجم الإنفاق على القنوات الخاصة بلغ نحو 6 مليارات جنيه سنويًا، أي ما يعادل قرابة مليار دولار بأسعار الصرف حينها في حين لم تتجاوز الإيرادات الفعلية مليارًا ونصف المليار جنيه.

وأوضح أن الفارق، البالغ نحو 4.5 مليارات جنيه، لم يكن له تفسير اقتصادي طبيعي، مؤكدا أن هذه الفجوة تم تمويلها من أموال خليجية"، وأن الهدف المباشر منها كان "إسقاط حكم الرئيس مرسي عبر حملة تشويه ممنهجة".

وأشار إلى أن كتابه يتضمن تفاصيل عن ملاك قنوات فضائية، وشركات إعلامية، وإعلاميين بارزين، قال إنهم لعبوا دورا في "صناعة الفتنة والتحريض"، مضيفًا أنه ذكر أسماء بعينها، مستندًا إلى علاقات مباشرة ومعرفة شخصية بكثير من هؤلاء.

وبحسب العربي، فإن بعض المواقف الإعلامية المتشددة لم تكن بدافع قناعات مهنية أو سياسية، بل "لتحقيق منافع شخصية"، في سياق صراع نفوذ ومصالح.


Image1_2202611215640934204264.jpg

"حرية غير مسبوقة".. بلا إغلاق صحف

وشدد العربي على أن تجربة حكم مرسي اتسمت بقدر غير مسبوق من حرية التعبير، واصفا المرحلة بأنها شهدت "حرية إعلامية وصلت أحيانًا إلى حد الانفلات".

وقال إنه خلال تلك الفترة لم يتم حبس صحفيين أو إغلاق صحف أو قنوات، وضرب مثالا بقضية حبس أحد رؤساء تحرير الصحف بتهمة إهانة رئيس الجمهورية، موضحًا أنه جرى التدخل سياسيا وتشريعيا حتى لا يقال إن صحفيًا سجن في عهد مرسي.

وأضاف العربي أن تعديلا قانونيا صدر في هذا السياق، حتى إن البعض أطلق عليه اسم "قانون إسلام عفيفي"، في إشارة إلى أنه صدر خصيصًا لإنهاء تلك القضية ومنع تنفيذ حكم الحبس.

رؤية لم تكتمل

وكشف العربي أن المجلس في عهد مرسي كانت تمتلك رؤية متكاملة لإعادة هيكلة الإعلام بما يتماشى مع روح ثورة 25 يناير، تقوم على الانتقال من "إعلام السلطة" إلى "إعلام الشعب".

وأوضح أن التصور كان يقوم على تحويل المؤسسات الصحفية إلى شركات مساهمة مستقلة، تضمن التحرر من الهيمنة الحكومية وتخفف العبء عن ميزانية الدولة، معتبرًا أن المؤسسات القومية كانت تستنزف الموارد العامة دون تطوير حقيقي.

غير أن هذه الرؤية لم  تتح لها الفرصة للتنفيذ بسبب قصر مدة الحكم، قبل أن يقع الانقلاب في 3 تموز / يوليو 2013، الذي أنهى التجربة السياسية برمتها.


Image1_2202611215746872277511.jpg

معركة سرديات


وخلال حفل توقيع الكتاب ألقى الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي كلمة، اعتبر فيها أن الصراع حول تجربة مرسي هو "معركة سرديات" قبل أن يكون صراعا سياسيا تقليديًا.

المرزوقي، الذي كتب تقديمًا للكتاب، أوضح أن المعركة اليوم لا تدور فقط حول الوقائع، بل حول "من يكتب القصة ومن يغزل الرواية".

واعتبر أن إعادة الاعتبار لمرسي جزء من هذه المعركة، واصفا إياه بأنه "ظاهرة فريدة في تاريخ مصر"، إذ كانت تلك المرة الأولى منذ سنوات التي يختار فيها الشعب المصري رئيسا مدنيا من صلبه عبر انتخابات حرة.

وأضاف أن هذه اللحظة التاريخية لم يسمح لها بالاستمرار، مشيرًا إلى أن ما حدث في مصر عام 2013 كان بداية "تصفية الثورة المضادة للثورات العربية"، وهو مسار امتد لاحقًا إلى تونس.

وفي سياق حديثه، قدّم المرزوقي قراءة نقدية لدور الإعلام، مقسمًا إياه إلى ثلاثة أنماط: ما يسمي بـ"إعلام العار"، و"الإعلام المهني"، ومنطقة رمادية بينهما.

وقال إن "إعلام العار" استخدم تقنيات التضليل والكذب والإشاعات والسخرية ذاتها التي استخدمت سابقا ضد الأنظمة المستبدة، لكن هذه المرة ضد التجارب الديمقراطية الناشئة.

واعتبر أن أحد "الأوهام" التي عاشها كديمقراطي هو الاعتقاد بأن حرية التعبير تؤدي تلقائيًا إلى انتصار الحقيقة، مؤكدًا أن الحرية قد تستغل أيضًا لنشر التضليل وإعادة إنتاج الاستبداد عبر صناديق الاقتراع.

وضرب مثالًا بالانتخابات الأمريكية، قائلًا إن نتائجها أظهرت كيف يمكن للإعلام أن يؤثر في خيارات فئات اجتماعية متباينة.


Image1_2202611215826673570495.jpg

الديمقراطية وحماية الوعي

وشدد المرزوقي على أن الدفاع عن حرية التعبير يجب أن يترافق مع تشريعات تحمي المجتمعات من التضليل المنظم، داعيًا إلى سياسات صارمة في ما يتعلق بملكية وسائل الإعلام وتمويلها.

وقال إن المعركة المقبلة هي معركة حماية العقول والقلوب، مؤكدًا أن الديمقراطية يمكن أن "تهدم من الداخل" إذا تركت المجتمعات فريسة لما وصفه بالإعلام الفاسد.

وفي ختام كلمته، عاد إلى الحديث عن مرسي، معتبرًا أنه "بذرة لا تموت"، وأن الكتاب يمثل جزءًا من معركة أوسع لإعادة قراءة مرحلة الربيع العربي، الذي "لم ينتهِ، بل ما زال في بداياته الأولى".

القدرة على التحول في وعي الشعوب

خلال كلمته، قال أستاذ العلوم السياسية ومستشار الرئيس الراحل محمد مرسي، الدكتور سيف عبد الفتاح، إن الحديث عن ثورة 25 يناير لا يجب أن يختزل في نتائج آنية أو مقارنات سطحية مع تجارب غربية، مؤكدا أن الثورات تقاس بقدرتها على إحداث التحول العميق في وعي الشعوب واستعادة المعنى الكامن في فكرة التغيير.

وأوضح عبد الفتاح أنه بعد مرور سنوات على اندلاع ثورة يناير وسقوط نظام حسني مبارك في 11 شباط / فبراير، ما زال الجدل قائما حول توصيف ما جرى، مشددًا على أن من يقلل من شأن تلك اللحظة التاريخية "لا يدرك طبيعة الثورات ولا قوانينها".

وأضاف أن الثورات لا تقاس فقط بمدى استقرار نتائجها الفورية، بل بما تتركه من أثر متراكم في الوعي الجمعي، معتبرا أن الحدث الثوري في العالم العربي له خصوصيته التي تختلف عن الثورات الأوروبية أو الأمريكية.

وأشار إلى أن بعض القراءات تحاول حصر ثورات المنطقة في إطار مقارنات تقليدية مع الثورة الفرنسية أو الأمريكية، بينما الواقع يؤكد أن لكل بيئة تاريخية واجتماعية مساراتها وأدواتها المختلفة، وقال إن الثورة تمر بمراحل وقطاعات متعددة، وتتخذ أشكالًا متنوعة، ولا يمكن الحكم عليها بمعايير جاهزة أو مستوردة من تجارب أخرى.


Image1_2202611221517826892334.jpg

وأكد عبد الفتاح أن ما جرى في يناير لم يكن حدثا عابرا، بل محطة كبرى في مسار طويل، مضيفًا أن "الضوء الذي أشعلته الثورة لن يعود إلى العتمة"، وأن استلهام معنى الثورة ما زال حاضرا في قلوب الشعوب، مهما تعرضت التجربة لانتكاسات، وشدد على أن الشعوب قادرة على استرداد الزمن السياسي إذا ما توفرت لها قيادات حقيقية تعبّر عنها وتتحمل مسؤولية التغيير.

اظهار أخبار متعلقة


وتطرق مستشار الرئيس الراحل إلى مفهوم "التغيير الجذري"، معتبرًا أن ما حدث لم يكن مجرد تغيير أشخاص أو إسقاط أنظمة بعينها، بل كان بداية لإعادة تشكيل المجال السياسي العربي بأكمله، وأوضح أن الأمر لا يتعلق فقط برحيل رئيس أو سقوط نظام، وإنما بمسار أوسع يتصل بقوانين التغيير وسننه التاريخية، وبالقدرة على بناء أدوات جديدة لإدارة المجال العام.

وقال إن التغيير الحقيقي يحتاج إلى إعداد وبناء وعي وأدوات، وليس مجرد لحظة احتجاج، مشيرًا إلى أن الثورات تمر بموجات مد وجزر، لكنها تظل جزءًا من حركة تاريخية أوسع لا يمكن إيقافها بسهولة. وأضاف أن قدرة الشعوب على إعادة إنتاج فعلها الثوري ترتبط بمدى وعيها بأدوات التغيير وبإدراكها لطبيعة الصراع القائم.

واعتبر عبد الفتاح أن السنوات التي تلت يناير كشفت حجم التحديات التي تواجه أي تجربة تحول ديمقراطي في المنطقة، سواء على مستوى الداخل أو في ظل التفاعلات الإقليمية والدولية، مشددًا على أن التغيير ليس قرارا لحظيًا بل عملية تراكمية تتطلب صبرًا وإرادة سياسية ومجتمعية.
التعليقات (0)