تشهد المنطقة
العربية في هذه المرحلة واحدة
من أكثر لحظاتها تعقيدا منذ نهاية الحرب الباردة، ليس فقط بسبب تزامن الأزمات في
أكثر من ساحة، بل لأنّ هذه الأزمات تجري في سياق تحوّلات بنيوية عميقة تطاول طبيعة
الصّراع ذاته، ووظيفة الدّولة، وأنماط التدّخل الإقليمي والدّولي. فالأحداث
المتسارعة في سوريا واليمن وغزّة والسودان لا يمكن قراءتها بوصفها أزمات منفصلة أو
صراعات محلّية ذات خصوصيات مستقلّة، بل باعتبارها تعبيرات مختلفة عن أزمة إقليمية
أوسع، تتقاطع فيها نهاية ترتيبات قديمة مع تشكّل ملامح نظام جديد لم يستقر بعد.
يتزامن ذلك مع تحوّلات عالمية كبرى، أبرزها
تراجع مركزية النّظام الدّولي الليبرالي،
وصعود أنماط تنافسية متعدّدة الأقطاب، وإعادة تعريف أدوات النّفوذ والقوة. في هذا
السّياق، تبدو المنطقة العربية واحدة من أكثر الأقاليم تأثّرا بهذه التحوّلات، ليس
فقط لاعتباراتها الجيوسياسية، بل أيضا لهشاشة بنيتها الداخلية، وتآكل دولها
الوطنية، وتحوّل ساحاتها إلى مسارح مفتوحة لصراعات الوكالة والتجاذب الدّولي.
أولا ـ تزامن الأزمات لا توازيها.. منطق
اللحظة الإقليمية المركّبة
ما يميّز اللحظة الرّاهنة في الإقليم العربي
ليس تعدّد بؤر الصراع، بل تزامنها ضمن إطار زمني واحد، واشتغالها وفق منطق بنيويّ
متقاطع، يجعل من الصّعب عزل كلّ أزمة عن الأخرى أو التعامل معها كحالة مستقلّة.
نحن هنا لسنا أمام أزمات متوازية تسير جنبا إلى جنب، بل أمام أزمات متشابكة تتغذّى
من السّياق نفسه، وتتحرّك ضمن بيئة إقليمية واحدة تتغيّر فيها قواعد اللّعبة.
لا يحمل هذا التّزامن طابع الصّدفة، بل يعكس
وصول عدد من المسارات التاريخية الطويلة إلى نقاط ذروة متقاربة. فالدّول التي تشهد
انهيارات أو صراعات حادّة اليوم هي ذاتها دول عاشت عقودا من هشاشة بنيويّة، وتأجيل
الإصلاحات، وتآكل العقد الاجتماعي، لكنها كانت تُدار ضمن منظومة إقليمية ودولية
أكثر استقرارا نسبيا. مع اهتزاز هذه المنظومة، لم تعد أدوات الاحتواء القديمة
قادرة على منع الانفجار، فظهرت الأزمات دفعة واحدة، وكأنّ الإقليم بأكمله دخل
مرحلة "كشف الحساب" المؤجّل.
الأهمّ هنا هو أنّ هذا التزامن يولّد ما يمكن تسميته بالضّغط التّراكمي الإقليمي.
فالتّصعيد في غزّة، مثلا، لا يبقى محصورا في حدوده الجغرافية، بل ينعكس فورا على
البحر الأحمر، وعلى حسابات الفاعلين في اليمن ولبنان والعراق. وفي المقابل، فإنّ
هشاشة الدّولة في السّودان أو اليمن تخلق فراغات تستدعي تدخّلا إقليميا أو دوليا،
ما يضيف طبقة جديدة من التّعقيد إلى المشهد العام. هكذا، لا تنتقل العدوى من أزمة
إلى أخرى فقط، بل تنتقل معها أنماط السلوك، ومنطق إدارة الصراع، وحتى اقتصاديات
الحرب نفسها.
وفي ظلّ هذا المشهد المتشابك، يصبح التدخّل
الدّولي أقلّ حسما وليس أكثر. فبدلا من أن تؤدّي كثافة الأزمات إلى استجابات
شاملة، تدفع الكلفة العالية والتّشابك المعقّد الفاعلين الدّوليين إلى سياسات
إدارة المخاطر؛ أي احتواء الانفجارات،
ومنع التمدّد، وضبط الإيقاع، من دون معالجة الجذور البنيوية للأزمات. وهذا ما
يفسّر استمرار الصراعات في حالة "لا حرب ولا سلام"، وتحوّلها إلى حالات
مزمنة.
ثانيا ـ سوريا واليمن والسودان ـ من أزمات
حكم إلى أزمات دولة
ضمن هذا السياق، تمثّل الحالات السورية
واليمنية والسّودانية نماذج مختلفة لمسار واحد، هو مسار الانتقال من أزمة سياسية
تقليدية إلى أزمة وجودية تطال الدّولة نفسها. ففي هذه البلدان، لم يعد الصّراع
يدور حول من يسيطر على السلطة المركزية، بل حول ما إذا كانت الدّولة، بوصفها إطارا
سياديا جامعا، قادرة على الاستمرار أو إعادة إنتاج ذاتها.
في اليمن، تبدو الأزمة أكثر تركيبا. فالحرب لم تدمّر الدّولة فقط، بل استبدلتها ببنية حكم بديلة قوامها سلطات أمر واقع، وكيانات وظيفية، واقتصاد حرب متشعّب. الدّولة هنا لم تختفِ، لكنها تحوّلت إلى غطاء رمزي، فيما انتقلت السلطة الفعلية إلى من يملك القوة والقدرة على التحكّم بالموارد والمساعدات والمعابر.
في سوريا، أعادت الحرب الطويلة تشكيل
الدّولة ليس بوصفها كيانا ممثّلا لمجتمع متعدّد، بل بوصفها بنية أمنية ـ عسكرية
تعتمد على تحالفات خارجية للبقاء. ورغم استعادة السيطرة على مساحات واسعة، فإن هذا
"الاستقرار" يقوم على هشاشة عميقة، حيث تُدار الدّولة من فوق المجتمع
بدلا من أن تُدار من خلاله، ويُستبدل العقد الاجتماعي بمنطق الضّبط الأمني.
في اليمن، تبدو الأزمة أكثر تركيبا. فالحرب
لم تدمّر الدّولة فقط، بل استبدلتها ببنية حكم بديلة قوامها سلطات أمر واقع،
وكيانات وظيفية، واقتصاد حرب متشعّب. الدّولة هنا لم تختفِ، لكنها تحوّلت إلى غطاء
رمزي، فيما انتقلت السلطة الفعلية إلى من يملك القوة والقدرة على التحكّم بالموارد
والمساعدات والمعابر.
أما السّودان، فيمثل حالة تفكّك متسارع، حيث
لم تعد المواجهة بين مركز قوي وأطراف متمرّدة، بل بين قوى مسلّحة تتنازع ما تبقى
من الدّولة نفسها. وهذا التحوّل يكشف أنّ المشكلة لم تعد في طبيعة النظام السياسي،
بل في انهيار الاحتكار المشروع للعنف، وهو الرّكن الأساسي لأيّ دولة حديثة.
القاسم المشترك بين هذه الحالات هو أنّ
الدّولة الوطنية العربية، بصيغتها التي تشكّلت في النصف الثاني من القرن العشرين،
باتت عاجزة عن إدارة التنوع، وامتصاص الصراعات، وتقديم حدّ أدنى من الشرعية
والخدمات. وما نراه اليوم ليس فشلا عابرا، بل أزمة نموذج.
ثالثا ـ غزّة وإعادة مركزيّة الصّراع
الإقليمي.. من القضية إلى المفصل
في مقابل هذا التفكّك الدّاخلي، جاءت الحرب
في غزّة لتعيد مركزية الصّراع العربي ـ الإسرائيلي، ولكن ليس بوصفه
"قضية" تقليدية، بل بوصفه مفصلا إقليميا يعيد ترتيب الأولويات
والتّحالفات. فغزّة لم تعد مجرد ساحة مواجهة بين طرفين، بل باتت نقطة اختبار لقدرة
إسرائيل على الحسم، ولتماسك الدّعم الغربي، ولمدى استعداد الإقليم لتحمّل كلفة التّصعيد.
الأهمّ ملاحظته هنا هو أنّ الحرب أعادت ربط
السّاحات التي كان يُعتقد أنّها منفصلة. فالبحر الأحمر بات جزءا من معادلة الرّدع،
واليمن تحوّل إلى فاعل في صراع يتجاوز حدوده، وجنوب لبنان عاد إلى واجهة
الاحتمالات. هذا التّرابط لا يعني وحدة القيادة أو الهدف، بل وحدة السياق؛ أي سياق
الانكشاف الإقليمي، حيث تتراجع القدرة على الفصل بين الجبهات.
بهذا المعنى، أعادت غزّة تعريف طبيعة
الصّراع في المنطقة، من صراعات محلّية منفصلة إلى شبكة توتّرات مترابطة، وهو ما
يرفع من احتمالات الخطأ، ويجعل أيّ تصعيد محدود قابلا للتحوّل إلى أزمة أوسع.
الإقليم العربي في ظلّ إعادة تشكّل النّظام
الدّولي ـ الأزمات المحلية كنتاج لتحوّل
عالمي
حتى تكتمل الصّورة، لا يمكن فهم ما يجري في
المنطقة العربية اليوم بمعزل عن التحوّلات العميقة التي يشهدها النّظام الدّولي ،
ليس فقط على مستوى توازنات القوة، بل على مستوى قواعد إدارة الصراع نفسها. فالعالم
لم ينتقل بعد إلى نظام دولي جديد مستقرّ، لكنّه خرج فعليا من مرحلة الهيمنة
الأحادية التي طبعت العقود الثلاثة التي تلت الحرب الباردة. هذا الوضع الانتقالي،
الذي يتّسم بالغموض والسّيولة، يخلق فراغات استراتيجية تتأثر بها الأقاليم الهشّة
أكثر من غيرها، وفي مقدّمتها الإقليم العربي.
في مرحلة النّظام الدّولي الأحادي، ورغم كل
اختلالاته، كانت هناك قدرة نسبية على فرض تسويات، أو على الأقلّ تجميد الصراعات
الكبرى ضمن أطر واضحة. أمّا اليوم، فإنّ تراجع القدرة الأميركية على لعب دور
"المنظّم النهائي"، من دون بروز بديل قادر أو راغب في تحمّل هذا الدّور،
أفضى إلى نمط جديد من التّفاعلات الدّولية، يقوم على إدارة الأزمات وليس على
حلّها، وعلى تقاسم النفوذ دون إعادة بناء الدّول.
الحرب أعادت ربط السّاحات التي كان يُعتقد أنّها منفصلة. فالبحر الأحمر بات جزءا من معادلة الرّدع، واليمن تحوّل إلى فاعل في صراع يتجاوز حدوده، وجنوب لبنان عاد إلى واجهة الاحتمالات. هذا التّرابط لا يعني وحدة القيادة أو الهدف، بل وحدة السياق؛ أي سياق الانكشاف الإقليمي، حيث تتراجع القدرة على الفصل بين الجبهات.
هذا التحوّل ينعكس مباشرة على الدّول
العربية التي تمرّ بأزمات. فالدّولة المنهكة، التي كانت في السابق تحظى بحدّ أدنى
من الدّعم الدّولي لإعادة الاستقرار، تجد نفسها اليوم أمام بيئة دولية أقلّ
استعدادا للاستثمار في الحلول طويلة الأمد، وأكثر ميلا إلى ترتيبات مؤقّتة، ووكلاء
محلّيين، وصيغ حكم هجينة تضمن الحدّ الأدنى من الاستقرار الأمني، حتى لو جاء ذلك
على حساب السيادة أو إعادة بناء العقد الاجتماعي.
من التدخّل لإعادة البناء إلى التدخّل
لإدارة المخاطر
يتمثّل الفارق الجوهري بين السياقين
الدّوليين القديم والجديد في تحوّل هدف التدخل الخارجي. ففي مراحل سابقة، كان
التدخّل ـ مهما كانت دوافعه ـ يُبرَّر بخطاب إعادة بناء الدّولة، أو فرض
الاستقرار، أو الانتقال السياسي. أمّا اليوم، فإنّ الهدف بات أكثر تواضعا
وبراغماتية؛ منع الانهيار الشامل، وضبط الفوضى، وحماية المصالح الحيوية.
في هذا الإطار، تصبح سوريا "مستقرّة
بما يكفي" ما دامت لا تهدّد توازنات الإقليم، ويُدار اليمن بوصفه ملفّا أمنيا
مرتبطا بالممرّات البحرية والحدود، ويُنظر إلى السودان من زاوية منع تمدّد الفوضى
الإقليمية وليس من زاوية إعادة بناء الدّولة. وهذا المنطق لا ينتج، بالتأكيد،
حلولا، بل يرسّخ الأزمات في صيغتها المزمنة.
الأخطر أنّ هذا النّمط من التدخّل يعيد
تعريف مفهوم السيادة نفسه. فالدّولة لم تعد تُقاس بقدرتها على تمثيل مجتمعها أو
إدارة اقتصادها، بل بمدى قدرتها ـ أو عجزها ـ عن تعطيل المصالح الدّولية. وهكذا،
تُكافأ أحيانا الكيانات الأكثر قدرة على الضّبط الأمني، حتى لو كانت سلطات أمر
واقع، فيما تُترك المجتمعات تدفع كلفة هذا "الاستقرار السّلبي".
تعدّدية قطبية بلا قواعد.. بيئة مثالية
للأزمات المزمنة
إضافة إلى تراجع الدور الأميركي، فإنّ صعود
قوى دولية أخرى، كالصين وروسيا، لا يعني بالضرورة انتقالا إلى نظام أكثر توازنا أو
عدالة. فهذه القوى لا تسعى، حتى الآن، إلى لعب دور الضامن الشامل للنظام الدّولي،
بل تفضّل توسيع نفوذها عبر أدوات انتقائية تتنوّع ما بين صفقات اقتصادية، وحضور
سياسي محدود، أو دعم أطراف بعينها، من دون الانخراط في كلفة إدارة الأزمات
المعقّدة.
يخلق هذا الوضع تعدّدية قطبية بلا قواعد
واضحة، حيث تتقاطع المصالح من دون إطار ناظم، وتتنافس القوى الكبرى على النّفوذ من
دون تحمّل مسؤولية النتائج. أما بالنسبة للمنطقة العربية، فيعني ذلك مزيدا من
الانكشاف؛ فنحن أمام دول ضعيفة في بيئة دولية لا توفّر مظلّة حماية، بل تشجّع على
المقايضات المرحلية.
في مثل هذا السّياق، تصبح الأزمات العربية
ساحات اختبار لتوازنات دولية غير مستقرة. غزّة تختبر حدود الدّعم الغربي لإسرائيل
في عالم لم يعد الغرب فيه متماسكا كما كان. واليمن يختبر قدرة القوى الإقليمية على
ملء الفراغ في ظلّ غياب تسوية دولية. أمّا حالة السودان فتكشف حدود اللامبالاة
الدّولية حين لا تكون المصالح الحيوية مهدّدة مباشرة.
الإقليم كوحدة وظيفية في النّظام
الدّولي الجديد
ضمن هذه التحوّلات، لم يعد يُنظر إلى
المنطقة العربية بوصفها مجموعة دول ذات مسارات مستقلّة، بل كوحدة وظيفية داخل
النّظام الدّولي الجديد. فالبحر الأحمر،
وشرق المتوسط، والخليج، والقرن الإفريقي باتت فضاءات مترابطة في حسابات التّجارة
والطاقة والأمن. وهذا الترابط يزيد من أهمية المنطقة، لكنّه في الوقت نفسه يضاعف
كلفة استقرارها.
المفارقة هنا تكمن في أنّ هذه الأهمية
الاستراتيجية لا تترجم استثمارا في بناء الدول، بل تشجّع على إدارة الإقليم عبر
نقاط نفوذ تنحصر في الموانئ ، والقواعد العسكرية، والتّحالفات الأمنية، وكيانات
محلية قادرة على تأمين هذه المصالح. في هذا الإطار، تتحوّل الدّول الهشّة إلى
ساحات مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ، وليس إلى أطراف فاعلة في النّظام الدّولي.
ما الذي يعنيه كلّ هذا لمستقبل الدول
العربية المأزومة؟
في ضوء ما سبق، يمكن القول إنّ الأزمات
العربية الحالية لم تكن نتيجة إخفاقات داخلية فقط، بل أيضا نتيجة عدم مواءمة بين
زمنين؛ زمن داخلي يتطلّب إعادة بناء الدّولة، وزمن دوليّ لا يمنح هذا المشروع
أولويّة. ويفسّر لنا هذا التناقض لماذا تطول الأزمات، ولماذا تتّخذ طابعا بنيويا،
ولماذا تفشل معظم محاولات التّسوية الجزئية.
وما لم يحدث تغيّر نوعي في مقاربة النّظام
الدّولي تجاه الأقاليم الهشّة، أو تحوّل داخلي عميق يعيد إنتاج الدّولة من القاعدة
إلى القمة، ستبقى المنطقة العربية عالقة في هذا الفراغ؛ فلا هي قادرة على الانهيار
الكامل، ولا هي قادرة على النهوض.
الخلاصة الاستراتيجية واستشراف السيناريوهات
المستقبلية
قدّمنا في هذا التحليل إطارا لفهم الأزمة
العربية الحالية بوصفها تراكما مترابطا بين هشاشة الدّولة الوطنية، والتحوّلات
الإقليمية، وإعادة ضبط النّظام الدّولي . سواء في اليمن أو سوريا أو السودان، يتضح
أنّ الصراع لم يعد مجرّد نزاع على السلطة، بل بات صراعا على معنى الدّولة
ووظيفتها، وهو صراع يتمّ إدراكه دوليا على أنّه تحدٍّ لإدارة الاستقرار أكثر من
كونه دعوة لإعادة البناء الشامل. اليمن، على سبيل المثال، يظهر كدولة شكلية تحكمها
كيانات وظيفية مرتبطة بالتحالفات الإقليمية، بينما تظل الدّولة المركزية عاجزة عن
ممارسة سيادة فعلية. أما في سوريا، فتعكس الشبكات الأمنية والتّحالفات الخارجية
استمرار الدّولة منقوصة الوظائف، فيما يظهر السودان كحالة فوضى متحرّكة تُدار
جزئيا عبر ضوابط إقليمية ودولية، دون قدرة فعليّة على إعادة بناء الدّولة أو إنتاج
شرعية جامعة.
إنّ الأزمات العربية الحالية لم تكن نتيجة إخفاقات داخلية فقط، بل أيضا نتيجة عدم مواءمة بين زمنين؛ زمن داخلي يتطلّب إعادة بناء الدّولة، وزمن دوليّ لا يمنح هذا المشروع أولويّة. ويفسّر لنا هذا التناقض لماذا تطول الأزمات، ولماذا تتّخذ طابعا بنيويا، ولماذا تفشل معظم محاولات التّسوية الجزئية
في ضوء هذه المتغيّرات، يمكن استشراف
السيناريوهات المستقبلية على ثلاثة مستويات زمنية متداخلة، تبدأ من المدى القصير
(ستة أشهر إلى سنة)، مرورا بالمدى المتوسط (سنة إلى ثلاث سنوات)، وصولا إلى المدى
الطويل (خمس سنوات أو أكثر)، بحيث يرتبط كل سيناريو بالتحوّلات المحلية والإقليمية
والدّولية.
على المدى القصير، يُرجّح أن تستمرّ إدارة
الأزمات عبر منطق التقليل من الضّرر، حيث تظلّ الدّول المأزومة تحت مظلّة كيانات
وظيفية أو تحالفات خارجية، تُقيّد قدراتها على اتّخاذ قرارات استراتيجية، بينما
تتزايد الضّغوط الإنسانية والاقتصادية، وتتنامى الفوضى الاجتماعية. في اليمن،
سيستمر الجنوب في العمل ضمن سقف وظيفي محدّد، مع استمرار محاولات الزّبيدي ـ إذا
كان على قيد الحياة أو لم يُعتقل ـ وأمثاله توسيع الدّور السياسي، لكن دون قدرة
على تحويله إلى مشروع دولة مستقل. وفي سوريا، سيستمرّ استقرار الدّولة على قاعدة
تحالفات خارجية، مع احتمال زيادة الاحتكاك بين القوى المحلّية بسبب نقص الموارد
والخدمات. وفي السّودان، ستظلّ القوى المسلّحة هي الفاعل الأساس، مع استمرار إدارة
الأزمة عبر تدخّلات إقليمية محدودة، تراعي الحدّ الأدنى من استقرار الحدود ومنع
توسّع الصّراع.
على المدى المتوسّط، يمكن أن يظهر مسار
تراكمي للتّصعيد الجزئي، حيث يؤدّي استمرار حالة الفراغ السياسي إلى تفاقم
الصّراعات الداخلية، وإعادة رسم جغرافيا النّفوذ المحلّي. في اليمن، قد تزداد
محاولات المجلس الانتقالي والكيانات الجنوبية للتوسّع في إدارة الموانئ والمنافذ،
ما سيزيد التوتّر مع الحكومة المعترف بها دوليا والتّحالف الإقليمي. في سوريا،
يمكن أن تتجدّد الاحتكاكات بين الميليشيات المحلية والقوات الحكومية، ما قد يؤدّي
إلى انفجارات إقليمية محدودة على طول خطوط التّماس. أما السودان، فقد يشهد تصاعدا
في التنافس بين الأطراف المسلّحة على السيطرة على الموارد، مع احتمالية تمدّد
الصراع إلى مناطق مجاورة، ما قد يخلق أزمات لجوء وتوتّرات حدودية مع دول الجوار.
في هذا الّسيناريو، يصبح التفكّك المحلّي عاملا مؤثّرا في المعادلات الإقليمية،
وبالتالي، فإنّه سيعكس الحاجة الملحّة لتدخّلات دبلوماسية مستمرة، لكنها غالبا ما
ستكون محدودة التأثير.
أمّا على المدى الطويل، فيبرز سيناريو تحوّل
بنيوي طويل الأمد، يتمثّل في إعادة تشكيل جزئية أو كاملة لنموذج الدّولة الوطنية
في المنطقة، تحت تأثير ضغوط متراكمة من الدّاخل والخارج. في اليمن، قد يؤدي
استمرار التفكّك إلى تكوين كيانات إقليمية شبه مستقلة، قادرة على إدارة مواردها،
لكنها ستظل مرتبطة بالتّحالفات الإقليمية، فيما ستظلّ الدّولة المركزية محدودة
الوظائف. في سوريا، قد يتحقّق استقرار سياسي نسبي على قاعدة اتّفاقات خارجية، لكن
الدّولة ستبقى غير قادرة على إنتاج شرعية جامعة، بينما سيظلّ النّظام الدّولي
يتعامل معها كمساحة استقرار وظيفية أكثر من كونها مشروع دولة كاملة. السودان، في
هذا السّيناريو، قد يشهد إعادة هندسة السّلطة المركزية جزئيا، أو بروز تحالفات
محلّية جديدة تحلّ محلّ الدّولة، ما سيعني تغييرات في توازنات القوى الإقليمية.
وفي كلّ هذه الحالات، يبقى العامل الحاسم هو مدى قدرة الفاعلين الدّوليين
والإقليميين على فرض حدود للتدخّل أو تمكين بدائل محلية، بدلا من إنتاج حلول وطنية
جامعة.
إنّ ما تتفق عليه هذه السيناريوهات هو أنّ
مرحلة الأوهام السّابقة حول الدّولة الوطنية المكتملة، أو الاستقرار السياسي
الكلاسيكي، قد انتهت، وأنّ المنطقة أمام مسار انتقالي طويل ومعقّد، تُدار فيه
الأزمات على أساس مصالح محدودة وظرفية، مع إبقاء الفضاء السياسي مفتوحا على
الصّراعات المحتملة، والكيانات المحلّية في حالة شبه استقلال وظيفي، لكن ضمن سقوف
إقليمية دقيقة.
من منظور استراتيجي، ينبغي لصنّاع القرار
العرب والدّوليين أن يضعوا في الاعتبار هذه الدّيناميات البنيوية، وأن يركزوا على
إدارة الانتقال والتحوّلات التدريجية بدلا من انتظار حلول كلية. يشمل ذلك دعم
الحدّ الأدنى من الخدمات والمؤسسات، وضبط شبكات النّفوذ المحلية، وتهيئة مساحات
للتّسويات الجزئية، مع مراقبة تأثير التحوّلات الإقليمية والدّولية، لضمان ألاّ
يتحوّل الفراغ إلى انفجار كامل للأزمات، وأن تُحفظ مصالح شعوب المنطقة ضمن حدّ
أدنى من الاستقرار السياسي والأمني.
خاتمة
تدلّ التطورات المتسارعة في سوريا واليمن
وغزّة والسودان على أنّ المنطقة العربية لم تعد تعيش أزمات عابرة، بل تمرّ بلحظة
تحوّل تاريخية، تتداخل فيها الأبعاد المحلية والإقليمية والدّولية. في هذه اللحظة،
لم يعد كافيا تحليل كل ساحة على حدة، بل بات ضروريا فهم منطق التّزامن، وتشابك
الأزمات، وحدود الحلول التقليدية. فالمستقبل الإقليمي لن يُحسم في معركة واحدة أو
تسوية واحدة، بل عبر مسار طويل من إعادة التشكّل، تتحدّد ملامحه بقدر ما تنجح
الدول والمجتمعات في استعادة دور الدّولة، ليس باعتبارها أداة قسر، بل باعتبارها
إطارا جامعا قادرا على الاستمرار والبقاء.