تُعدّ الظواهرُ الاجتماعيّة مرآةً تعكس
طبيعةَ العلاقة بين الفرد والسُّلطة داخل أيّ مجتمع، ومن بين أكثر الظّواهر إثارة
للتَّساؤل في الدُّول غير الدّيمقراطيّة، خروج أعداد هائلة من المواطنين إلى
الشَّوارع احتفالا بالإنجازات الرّياضيّة، خصوصا الكرويّة منها، في مقابل إحجام
الغالبيّة نفسِها عن الاحتجاج على الظّلم الاجتماعيّ أو المُطالبة بالحقوق
السّياسيّة والاقتصاديّة؛ فالمشهدُ يبدو مُتناقضا: جماهير غفيرةٌ تملأ السّاحات
فرحا بانتصار رياضيّ مؤقّت عابر، لكنّها تغيبُ ـ أو تُغَيَّب ـ حين يتعلَّق الأمر
بقضايا مصيريّةٍ دائمة تمسّ كرامتَها وحقوقَها.
فلماذا؟
في الأنظمة غير الدّيمقراطية، تُقَيَّدُ
مجالاتُ التّعبير الحرّ وتحاصر، ويُنظر بعين الرّيبة إلى كلّ تجمّع جماهيريّ ذي
طابع سياسيّ أو اجتماعي تَوْعَوِيّا كان أو احتجاجيّا. وفي المقابل، تبرز الرّياضة
بوصفها فضاءً رمزيّا "مُحايدا" يُسمح، من خلاله، للأفراد بالتّعبير عن
مشاعرِهمُ الجماعيّةِ دون أن يُفهمَ ذلك باعتباره تهديدا مباشرا للسّلطة؛ فالفرحُ
الرياضيّ لا يحمل في ظاهره مطالبَ سياسيةً أو دعواتٍ إلى التّغيير، بل يظلّ محصورا
في إطار التّرفيه، بل ويُقدّم باعتباره من جملة أفضل التَّعبيرات على الانتماء
الوطنيّ .
كما أنَّ السّلطةَ نفسَها لا تكتفي بالسّماح
بهذه
الاحتفالات، بل تُشجّعها، لأنّها تُوظَّفُ وسيلةً لصرف الانتباه عن الأزمات
البنيوية؛ مثل الفقر والبطالة والفساد. وهكذا تتحوّلُ الانتصارات الرّياضيّة إلى
لحظات إجماع وطنيّ زائف، يُعاد من خلالَها إنتاجُ صورةَ الدّولة القويّة
والموَحَّدة، ولو على حساب الواقع الاجتماعيّ المأزوم.
إنَّ خروجَ النّاسِ للاحتفال بالإنجازات الرّياضيّة في الدّول غير الدّيمقراطيّة، مقابلَ إحجامهم عنِ الاحتجاج على الظّلم، ليس ظاهرةً عفويَّةً أو سطحيّة، بل نتيجة تفاعلٍ مُعقَّد بين القمع السّياسيّ، والخوف النّفسيّ، والتّوظيف الأيديولوجيّ للرّياضة؛
في المقابل، يُعَدّ الاحتجاجُ على الظّلم،
في هذه الدّول، فعلا عالي التّكلفة؛ فالمواطنُ يدرك، بحكم التّجربة أو الذّاكرة
الجماعيّة، أن الخروجَ للمطالبة بالحقوق قد يترتّب عنه السّجن أو التّضييق في
الشُّغل، بل وقد يمتدُّ الأذى إلى الأسرة والمحيط الاجتماعيّ. لذلك لا يكون
الصَّمتُ دائما تعبيرا عن اللاّمبالاة أو الجُبن، بل في غالب الأحيان يغدو خيارا
عقلانيّا يهدفُ إلى تفادي المخاطر. حتّى إنّ هذا "الخيارَ العقلانيَّ"
أصبح يُقدّمُ بأنّه أفضلُ الخيارات أمام المواطن.
إضافة إلى ذلك، يُسهمُ القمعُ المستمرُّ في
خلق ما يمكنُ تسميته بـ"الخوف المتراكم"؛ حيث تتحوَّل الرقابةُ
الخارجيَّة إلى رقابةٍ ذاتيّة، فيمتنعُ الأفرادُ عن التَّفكير أصلا في الاحتجاج.
ومع مرور الوقت، يَضْعُفُ الإيمانُ بجدوى الفعل الجماعيّ، ويترسّخُ الشُّعورُ
بالعجز، مما يجعلُ أيَّ محاولة للتَّغيير تبدو غيرَ واقعيّة أو عبثيّة.
تلعب السُّلطة، في هذه الدُّول، دورا
أساسيّا في إعادة توجيه مشاعر المواطنين؛ فالإنجازاتُ الرياضية تُقدَّم بوصفها
انتصاراتٍ وطنيّةً تعويضيَّة، تُخدِّر الإحساسَ بالفشل السياسيّ والاقتصاديّ. في
هذه اللحظات، يشعر الفردُ بأنَّه جزءٌ من "نجاحٍ جماعيٍّ"، حتّى وإن كان
هذا النجاحُ لا ينعكس على حياته اليوميّة. وهنا لا بدّ من العودة المتكرّرة لكتاب
"سيكولوجية الجماهير" لغوستاف لوبون لفهم كيف ينتصرُ
"الحَشْدُ" على "الفرد"!
تتطلَّب المطالبةُ بالحقوق توفُّرَ وعيٍ جماعيّ، وتنظيمٍ، وأملٍ في التّغيير، وهي شروط تعمل الأنظمةُ الاستبداديّة على إضعافها؛ عبر تفكيك المجتمع المدني، وتهميش النُّخب النَّقديَّة، والتَّحكُّم في وسائل الإعلام. وهكذا يصبح "الحلمُ الرياضيُّ" بديلا عن "المواجهة السياسية"، لأنَّ الأوّلَ لا يستلزم ثمنا، بينما يفرضُ الثّاني تضحياتٍ جسيمةً.
من جهة أخرى، تتطلَّب المطالبةُ بالحقوق
توفُّرَ وعيٍ جماعيّ، وتنظيمٍ، وأملٍ في التّغيير، وهي شروط تعمل الأنظمةُ
الاستبداديّة على إضعافها؛ عبر تفكيك المجتمع المدني، وتهميش النُّخب النَّقديَّة،
والتَّحكُّم في وسائل الإعلام. وهكذا يصبح "الحلمُ الرياضيُّ" بديلا عن
"المواجهة السياسية"، لأنَّ الأوّلَ لا يستلزم ثمنا، بينما يفرضُ
الثّاني تضحياتٍ جسيمةً.
إنَّ خروجَ النّاسِ للاحتفال بالإنجازات
الرّياضيّة في الدّول غير الدّيمقراطيّة، مقابلَ إحجامهم عنِ الاحتجاج على الظّلم،
ليس ظاهرةً عفويَّةً أو سطحيّة، بل نتيجة تفاعلٍ مُعقَّد بين القمع السّياسيّ،
والخوف النّفسيّ، والتّوظيف الأيديولوجيّ للرّياضة؛ فالفرحُ مُباحٌ لأنَّه لا
يهدِّدُ النظامَ، بينما تُحاصَرُ المطالبة بالحقوق ـ بجميع أشكالها ـ لأنَّها
تَمُسُّ جوهرَ السُّلطة. وبين الفرح العابر والصَّمتِ القسريِّ، تستمرُّ معاناةُ
المواطن، مؤجِّلةً لحظةَ الوعي والمواجهة، في انتظار شروط تاريخيّة تسمحُ بتحويل
الحلم إلى فعل، والانفعال إلى تغيير.
*باحث من
المغرب