فيما يظنه بعضنا بداية النهاية للولايات
المتحدة الأمريكية، تتعامل هي معه باعتباره فرصة جديدة للانطلاق وإعادة التموضع
داخل التاريخ؛ فالولايات المتحدة ليست مجرد دولة قومية عادية، بل تمثل نموذجا
إمبراطوريا حديثا استطاع، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أن يفرض نفسه مركزا
للنظام الدولي، عبر شبكة معقدة من القوانين والمؤسسات والتحالفات التي صيغت ظاهريا
لخدمة "الاستقرار العالمي"، لكنها في العمق كانت تخدم استمرار الهيمنة
الغربية، وأمريكا في القلب منها. غير أن التّحولات التي عرفها العالم خلال العقود
الأخيرة، خاصة صعود قوى منافسة واستغلال بعض الفاعلين لتلك القوانين ذاتها من أجل
تقليص النفوذ الأمريكي، دفعت واشنطن إلى الانتقال من إدارة الهيمنة بالقواعد إلى
ممارستها بشكل أكثر مباشرة وخشونة.
الولايات المتحدة ليست مجرد دولة قومية عادية، بل تمثل نموذجا إمبراطوريا حديثا استطاع، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أن يفرض نفسه مركزا للنظام الدولي، عبر شبكة معقدة من القوانين والمؤسسات والتحالفات التي صيغت ظاهريا لخدمة "الاستقرار العالمي"، لكنها في العمق كانت تخدم استمرار الهيمنة الغربية، وأمريكا في القلب منها.
هذا التحول لا يعكس بالضرورة قوة مطلقة، كما
لا يعني ضعفا وشيكا، بل يدل على وعي أمريكي دقيق بطبيعة المرحلة؛ فالإمبراطوريات،
حين تشعر بأن أدواتها القديمة لم تعد كافية لضمان التفوق، تلجا تاريخيا إلى أساليب
أكثر صدامية، ليس لغياب البدائل، بل لكسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق. ومن هذا
المنطلق، يمكن فهم
السياسات الأمريكية الحالية بوصفها محاولة لعرقلة صعود
المنافسين، وتشويش مسارات التحول العالمي، وفرض كلفة عالية على كل من يسعى لإعادة
توزيع القوة الدولية.
صحيح أن التاريخ يخبرنا بأن كل
الإمبراطوريات قد سقطت، ولا توجد استثناءات خالدة، لكن الإشكال الجوهري يكمن في
كيفية السقوط وزمنه وشكله. فالانحلال الإمبراطوري ليس حدثا فجائيا، بل عملية طويلة
ومعقدة، تتخللها مراحل من التراجع يعقبها أحيانا تجدد جزئي أو قفزات تكيفية.
والغرب، وأمريكا في مركزه، يتميز بقدرة عالية على إعادة إنتاج نفسه، مستلهما من
منطق العِلم القائم على التراكم أو القطيعة في آن واحد؛ فكل أزمة كبرى، اقتصادية
كانت أو سياسية أو عسكرية، لا ينظر إليها باعتبارها بداية النهاية، بل باعتبارها
مختبرا لإعادة الصياغة والانطلاق من جديد.
يمكن القول ـ إذن ـ أن أمريكا تعيش مرحلة
نزول بطيء من الجبل الحضاري الذي صعدته خلال سنوات طويلة، لكنها تحاول عبر العنف
السياسي والاقتصادي والعسكري أن ترفع صوتها عاليا، لتؤكد أنها لا تزال حاضرة في
القمة. غير أن هذا السلوك، مهما بدا صاخبا، لا يلغي حقيقة التحول البنيوي في
موازين القوة العالمية؛ فالتحولات الكبرى تحتاج إلى وقت طويل وظروف معقدة، وقد
تمتد لعقود قبل أن تتضح ملامحها النهائية. وهنا يطرح إشكال أساسي يتعلق بقدرة
النظام الدولي الحالي على الاستمرار، وهل نحن أمام انهيار فعلي للنظام القائم، أم
مجرد إعادة ترتيب داخله تقودها القوة المهيمنة ذاتها.
في مقابل هذا التحليل، تنتشر بين بعض
الأوساط ـ ليس الشعبية فقط بل حتى العالمة ـ تصورات متعجلة ترى في الأزمات
الأمريكية مؤشرا على قرب نهايتها، وتذهب أبعد من ذلك لتعتبر اللحظة التاريخية
مواتية لعودة المسلمين إلى قيادة العالم. مثل هذه التصورات، بالإضافة إلى ما تحمله
من شحنة عاطفية، تعكس قدرا كبيرا من التبسيط والسذاجة في فهم سنن التاريخ؛
فالتاريخ لا يقفز فوق المراحل، ولا يوزع القيادة على أساس النوايا أو الأمنيات، بل
وفق شروط مادية ومعرفية وحضارية معقدة.
الانحلال الإمبراطوري ليس حدثا فجائيا، بل عملية طويلة ومعقدة، تتخللها مراحل من التراجع يعقبها أحيانا تجدد جزئي أو قفزات تكيفية. والغرب، وأمريكا في مركزه، يتميز بقدرة عالية على إعادة إنتاج نفسه، مستلهما من منطق العِلم القائم على التراكم أو القطيعة في آن واحد؛ فكل أزمة كبرى، اقتصادية كانت أو سياسية أو عسكرية، لا ينظر إليها باعتبارها بداية النهاية، بل باعتبارها مختبرا لإعادة الصياغة والانطلاق من جديد.
إن افتراض أن التاريخ سيُطوى فجأة ليزيح
حضارات قائمة، أو قوى صاعدة تنتظر دورها، من أجل تسليم المشعل مباشرة للأمة
الإسلامية، هو تصور يتجاهل القوانين التي تحكم العمران البشري. صحيح أن قدرة الله
مطلقة، ولا يعجزه شيء، لكن السنن التي أودعها في المجتمعات تؤكد أن التمكين مرتبط
بالأسباب، وبالعمل الطويل، وببناء القوة في مختلف أبعادها. وهنا يبرز إشكال ثان
يتمثل في الفجوة بين الخطاب التبشيري والواقع الحضاري الفعلي الذي تعيشه المجتمعات
الإسلامية اليوم.
لا شك أن خطاب التبشير وبث الأمل عنصر مهم
في أي مشروع نهضوي، لكنه حين يتحول إلى خطاب معزول عن النقد والتحليل الواقعي،
يصبح أقرب إلى أداة تخدير جماعي؛ فالأمل غيرُ المُؤسَّسِ على وعي نقدي وعلى قراءة
دقيقة لموازين القوة، لا ينتج فعلا تاريخيا، بل يرسخ الانتظار السلبي. ومن هنا
تأتي ضرورة الحذر من تحويل الأزمات العالمية إلى وهم خلاص سريع، بدل اعتبارها فرصة
لمراجعة الذات وبناء الشروط الموضوعية للدخول الفعلي في التاريخ.
لقد كان أسلافنا أكثر وعيا بطبيعة التحولات،
حين عبروا عن ذلك في أمثالهم الشعبية التي تختزن حكمة عميقة؛ فالأشياء ـ
عندهم وفي وعيهم ـ لا تنغلق ولا تنفتح
دفعة واحدة، بل تمر بمراحل مد وجزر، وتحتاج إلى صبر وعقل وتقدير دقيق للحظة
التاريخية. ومن ثم، فإن قراءة الواقع الدولي، وواقع الأمة داخله، تقتضي التحرر من
الأوهام، والنظر إلى التحولات الكبرى باعتبارها مسارات طويلة، لا تحسم بالشعارات،
بل بالفعل الحضاري المتراكم.
*باحث من
المغرب