من دافوس إلى العالم.. مارك كارني يعلن نهاية الوهم

سمير الخالدي
كارني قدّم تشخيصاً مباشراً مفاده أن القوى العظمى لم تعد تشعر بأنها مقيّدة بأي التزام مؤسساتي أو أخلاقي حين تتعارض القواعد مع مصالحها. إكس
كارني قدّم تشخيصاً مباشراً مفاده أن القوى العظمى لم تعد تشعر بأنها مقيّدة بأي التزام مؤسساتي أو أخلاقي حين تتعارض القواعد مع مصالحها. إكس
شارك الخبر
في منتدى دافوس هذا العام، حيث اعتادت النخب السياسية والاقتصادية التمسك بلغة العولمة والنظام الدولي القائم على القواعد، خرج رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بخطاب غير مألوف في صراحته وحدّته. لم يقدّم وعوداً إصلاحية داخل النظام القائم، بل أعلن عملياً أن هذا النظام يتفكك، وأن القوى الوسطى، وفي مقدمتها كندا، مطالبة بإعادة تعريف سيادتها وتحالفاتها قبل أن تجد نفسها ضحية صراع القوى العظمى.

خطاب في دافوس يهزّ سردية النظام الدولي

لم يكن اختيار مارك كارني لمنصة منتدى دافوس مجرد تفصيل بروتوكولي. فدافوس هو الفضاء الرمزي الذي لطالما جرى فيه الترويج للنظام الليبرالي الدولي والعولمة المفتوحة وحوكمة الأسواق. أن يقف رئيس وزراء كندا هناك ليعلن أن العالم لا يمر بمرحلة انتقال بل بمرحلة “تمزّق”، وأن النظام الدولي القائم على القواعد يتآكل أمام أعيننا، فذلك يحمل رسالة سياسية مضاعفة: الرسالة لم تكن موجهة لكندا فقط، بل إلى قلب المؤسسة العالمية التي صاغت هذا النظام ودافعت عنه لعقود.

من دافوس، لم يعلن كارني فقط نهاية وهم قديم، بل فتح نقاشاً دولياً حول شكل النظام القادم، ومن سيكون شريكاً في صياغته، ومن سيُترك ليتكيّف معه من موقع التابع. والسؤال الذي يضعه خطابه أمام القوى الوسطى، والعرب في مقدمتها، ليس إن كان العالم عادلاً، بل إن كانوا مستعدين أخيراً لنزع اللافتة عن نافذتهم، والتصرف وفق الحقيقة كما هي، لا كما يتمنون أن تكون.
كارني قدّم تشخيصاً مباشراً مفاده أن القوى العظمى لم تعد تشعر بأنها مقيّدة بأي التزام مؤسساتي أو أخلاقي حين تتعارض القواعد مع مصالحها. العقوبات الاقتصادية، وسلاسل التوريد، والطاقة، والتمويل باتت أدوات إخضاع جيوسياسي تُستخدم ببرود استراتيجي. في المقابل، تُترك الدول الأضعف لتحمل كلفة هذا الانهيار من دون حماية فعلية. بهذا المعنى، لم يكن الخطاب دفاعاً عن النظام القديم، بل إعلاناً عن نهايته من فوق أحد أهم منابره التاريخية.

الأهم أن كارني تحدث من موقع دولة تُصنَّف ضمن "القوى الوسطى"، لا من موقع قوة عظمى أو دولة هامشية. كندا لطالما كانت من أكثر المستفيدين من النظام الليبرالي الدولي، سواء عبر التجارة المفتوحة أو الاستقرار المالي أو المظلة الأمنية الغربية. أن يصدر هذا التشخيص عن دولة من داخل النادي الغربي، لا من خارجه، يمنحه ثقلاً سياسياً خاصاً، لأنه يعكس تصدّعاً في الوعي الغربي نفسه، لا مجرد نقد صادر من أطراف ناقمة على النظام.

من فاكلاف هافيل إلى نقد العولمة في عقر دارها

أكثر لحظات الخطاب إثارة للانتباه كانت استدعاء كارني لمقال فاكلاف هافيل “قوة الضعفاء”، وقصة البقّال الذي يعلّق شعاراً لا يؤمن به فقط لتجنب المشاكل. في سياق دافوس، بدا هذا التشبيه بالغ الدلالة. فكارني لم يكن يقدّم استعارة أخلاقية عامة، بل كان يلمّح إلى أن كثيراً من الدول والمؤسسات التي حضرت المنتدى ذاته تمارس عملياً نوعاً من “العيش في كذبة” جماعية، عبر التمسك بلغة القواعد والحوكمة العالمية رغم معرفتها بأن هذه القواعد تُطبّق انتقائياً.

الرسالة كانت واضحة: النظام الدولي لا يستمر فقط بالقوة، بل باستعداد الدول نفسها للتصرف كما لو كان عادلاً، رغم معرفتها العميقة بأنه ليس كذلك. كارني أقرّ، ولو ضمناً، بأن كندا نفسها شاركت طويلاً في هذا الطقس. فكرة “النظام القائم على القواعد” كانت صفقة مقبولة حين وفّرت الهيمنة الأمريكية سلعاً عامة حقيقية: استقراراً نسبياً للنظام المالي، حماية للممرات البحرية، توسعاً في التجارة، ومظلة أمنية في مناطق كثيرة. مقابل ذلك، تم التغاضي عن الفجوات المتزايدة بين الخطاب والممارسة، وعن ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي.

خطاب كارني يقدّم درساً استراتيجياً غير مباشر: التفاوض الثنائي مع القوى العظمى من موقع ضعف ينتهي غالباً بصفقات غير متوازنة، سواء في الطاقة أو الأمن أو التجارة أو التكنولوجيا. التنافس العربي ـ العربي، أو غياب التنسيق الإقليمي، يضاعف هذا الضعف ويحوّل ما يُسمّى "السيادة الوطنية" إلى مجرد استعراض رمزي يخفي في الواقع قبولاً بالخضوع لشروط الخارج.
لكن هذه الصفقة، كما قال كارني من منصة دافوس، لم تعد قائمة. النظام لم يعد يضمن الاستقرار، ولا يوفّر مظلة أمنية موثوقة، بل بات نفسه مصدراً رئيسياً للمخاطر. جائحة كوفيد-19 كشفت هشاشة سلاسل التوريد، الحرب في أوكرانيا أعادت القوة العسكرية إلى قلب السياسة الدولية، والحروب التجارية والتكنولوجية بين واشنطن وبكين أنهت وهم السوق العالمية المحايدة. ومع ذلك، ما زالت دول كثيرة تتصرف كما لو أن شيئاً لم يتغير، وتواصل تعليق "لافتة القواعد" على نوافذها، رغم معرفتها بزيفها.

في دافوس، حيث يُفترض أن تُناقش حلول التعاون العالمي، تحوّل خطاب كارني إلى اتهام سياسي مباشر: الاستمرار في هذا الوهم لم يعد مجرد سذاجة، بل تعريضاً واعياً للسيادة الوطنية للخطر. هذه لحظة قطيعة رمزية مع عقود من اللغة الدبلوماسية الغربية التي كانت تفضّل التجميل على التسمية.

كندا تعيد التموضع.. وما يعنيه ذلك للعالم العربي

بعد هذا التشخيص القاسي، انتقل كارني إلى ما هو أكثر حساسية: ماذا يعني هذا الواقع الجديد عملياً لكندا وللقوى الوسطى؟ هنا كانت نبرته أقرب إلى إعلان تعبوي استراتيجي. قال بوضوح إن الدولة التي لا تستطيع تأمين غذائها وطاقتها ومعادنها الحيوية وسلاسل إمدادها والدفاع عن نفسها لا تمتلك خيارات حقيقية، مهما رفعت من شعارات السيادة. حين لا تحميك القواعد، عليك أن تحمي نفسك.

في هذا السياق، أعلن كارني تحوّلاً جذرياً في الموقف الاستراتيجي الكندي. لم تعد أوتاوا، بحسب خطابه في دافوس، تعتمد فقط على “قوة قيمها”، بل أيضاً على “قيمة قوتها”. تعهده بمضاعفة الإنفاق الدفاعي بحلول نهاية العقد، وتنويع الشراكات الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي والصين وقطر، والتفاوض على اتفاقيات تجارة حرة مع الهند وآسيان وتايلاند والفلبين وميركوسور، لا يمكن قراءته إلا بوصفه إعادة تموضع كندي في عالم متعدد الأقطاب غير مستقر.

لكن البعد الأهم في هذا الجزء من الخطاب لم يكن كندياً صرفاً، بل بنيوياً، ويعني العالم العربي مباشرة. فدول المنطقة تمثّل نموذجاً صارخاً لما تحدّث عنه كارني: أمن غذائي هش، اعتماد عالٍ على الخارج في التكنولوجيا والتسليح، وانكشاف كبير أمام تقلبات الطاقة والعقوبات والاصطفافات الدولية. كثير من الدول العربية عاشت لعقود على افتراض أن المظلة الدولية أو التحالف مع قوة عظمى كافٍ لضمان الاستقرار، لكن التجربة أثبتت أن هذه المظلة انتقائية ومشروطة وقابلة للانسحاب في أي لحظة.

من زاوية عربية، خطاب كارني يقدّم درساً استراتيجياً غير مباشر: التفاوض الثنائي مع القوى العظمى من موقع ضعف ينتهي غالباً بصفقات غير متوازنة، سواء في الطاقة أو الأمن أو التجارة أو التكنولوجيا. التنافس العربي ـ العربي، أو غياب التنسيق الإقليمي، يضاعف هذا الضعف ويحوّل ما يُسمّى "السيادة الوطنية" إلى مجرد استعراض رمزي يخفي في الواقع قبولاً بالخضوع لشروط الخارج.

الحل الذي طرحه كارني، وإن صيغ بلغة كندية، ينطبق حرفياً على العالم العربي: بناء تحالفات عملية مرنة، قضية بقضية وملفاً بملف، مع أطراف تتقاطع مصالحها بما يكفي للعمل المشترك. شبكات تعاون عربية في الأمن الغذائي، والطاقة المتجددة، وسلاسل التوريد، والصناعات الدفاعية، والتكنولوجيا الحيوية، يمكن أن تحوّل المنطقة من ساحة تنافس بين القوى العظمى إلى كتلة تفاوضية لها وزنها. فإما أن تكون الدول العربية على الطاولة حيث تُصاغ القواعد الجديدة، أو ستجد نفسها على "قائمة الطعام"، تُدار أزماتها من الخارج لا من الداخل.

رسالة دافوس وما بعدها

خطاب مارك كارني في دافوس لا يمكن اختزاله في كونه إعلان سياسة كندية جديدة فحسب. هو وثيقة سياسية تعكس تحوّلاً أعمق في وعي القوى الوسطى بمكانتها في عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية الأحادية. للمرة الأولى منذ عقود، يعلن قائد غربي بارز، من قلب منتدى العولمة ذاته، أن النظام الدولي القائم على القواعد لم يعد إطاراً صالحاً، وأن الحنين إليه ليس استراتيجية، بل هروب من مواجهة واقع جديد أكثر قسوة.

في عالم القلاع المتقابلة، حيث تبني كل قوة عظمى دائرتها المغلقة من الحلفاء والأسواق وسلاسل التوريد، ستكون كلفة الدخول منفرداً باهظة على القوى الوسطى، وعلى العالم العربي بشكل خاص. لكن الدخول متعاونين، بوعي استراتيجي وتنسيق جماعي، قد يحوّل الضعف البنيوي إلى قوة تفاوضية مشتركة. رسالة كارني الجوهرية بسيطة لكنها ثقيلة المعنى: العالم لم يعد يكافئ حسن النيات، بل يكافئ القدرة على حماية المصالح وبناء التحالفات الذكية.

من دافوس، لم يعلن كارني فقط نهاية وهم قديم، بل فتح نقاشاً دولياً حول شكل النظام القادم، ومن سيكون شريكاً في صياغته، ومن سيُترك ليتكيّف معه من موقع التابع. والسؤال الذي يضعه خطابه أمام القوى الوسطى، والعرب في مقدمتها، ليس إن كان العالم عادلاً، بل إن كانوا مستعدين أخيراً لنزع اللافتة عن نافذتهم، والتصرف وفق الحقيقة كما هي، لا كما يتمنون أن تكون.
التعليقات (0)