حين تتحول السياسة إلى وهم.. ويصير الخوف
نظام حكم
تشهد
تونس منذ أشهر تصاعدًا لافتًا في
الاحتجاجات الاجتماعية، من قابس المختنقة بالتلوث والأمراض، إلى الجهات المهمشة
التي تطالب بالعيش والكرامة، دون أن تجد أمامها سوى جدار الصمت أو لغة القمع. لا
حوار، لا سياسات عمومية، لا خرائط حلول. فقط محاكمات، سجون، واتهامات فضفاضة. في
هذا المناخ، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: كيف دخلت تونس عصر الوهم العظيم؟
في لحظات معينة من تاريخ الشعوب، تتقاطع
السياسة مع الأدب، وتتحول الدولة إلى سردية، ويضيع الحد الفاصل بين الواقع
والخيال. وتبدو تونس اليوم عالقة بين روايتين: رواية دون كيشوت، حيث يخوض
الزعيم معارك بطولية ضد أعداء متخيلين، ورواية صمت الحملان، حيث تُدار السلطة
بالخوف، ويُدفع المجتمع إلى الصمت والانكماش. ليست هذه استعارة جمالية، بل مفتاحًا
لفهم ما يجري.
دون كيشوت في تونس.. الهوس الإصلاحي
والمعارك الوهمية
كتب سرفانتس دون كيشوت في لحظة أفول
الإمبراطورية الإسبانية، حين كان الماضي البطولي يتآكل، والدولة المركزية تتشكل
فوق أنقاض الفروسية. لم يكن دون كيشوت فارسًا شجاعًا بقدر ما كان عقلًا يعيش في
زمن انتهى، يرى العالم من خلال أوهامه، ويقاتل طواحين الهواء باعتبارها عمالقة.
لماذا تُعد الظروف السياسية التونسية
الحالية جزءًا من معنى الرواية؟
لأن دون كيشوت ليس مجرد فارس مجنون، بل رمز
لـ: عقل يعيش في الماضي بينما العالم يتغير
بسرعة، فرد يصطدم بالدولة الحديثة والبيروقراطية، نقد لنظام سياسي يدّعي البطولة بينما
ينهار اقتصاديًا وأخلاقيًا، نقد للمثقف الحالم الذي يعجز عن فهم
الواقع الجديد. ويتمسك بالانعزال والدغمائية.
كل شيء يتحول إلى عدو: الأحزاب، القضاء، الإعلام، النقابات، المنظمات، الطلبة، الدبلوماسيون. مثل دون كيشوت تمامًا، يحتاج الزعيم إلى خصم دائم ليبرر بطولته. وهكذا تتوالى "المعارك": نحن أمام تفكّك بنيوي في وظائف الدولة: فبدون وسطاء، لا توجد إدارة حديثة، ولا مؤسسات، ولا توازنات، ولا رقابة.
وقد كتب سرفانتس روايته في:
ـ مرحلة انهيار الفروسية وصعود الدولة
المركزية الحديثة.
ـ ظل الإمبراطورية الإسبانية المتهالكة
سياسيًا واقتصاديًا.
ـ زمن الحروب الدينية ومحاكم التفتيش
والرقابة.
ـ لحظة انتقال أوروبا من العصور الوسيطة إلى
الحداثة المبكرة.
لذلك فإن دونكيشوت ليست فقط رواية مغامرات،
بل تشريح سياسي–اجتماعي عميق لعصر كامل ينهار.
بهذا المعنى، لا يمكن فهم قيس سعيّد كمؤسسة
تقود الدولة، بل كـبنية
خطابية–تخيلية تعكس أزمة أعمق في الدولة والمجتمع.
منذ 25 تموز / يوليو 2021، لم تعد السياسة
تُدار عبر برامج ومؤسسات، بل عبر حكاية فردية يصوغها
الرئيس عن نفسه: مخلّص، طاهر،
محاصر بالأشرار.
كل شيء يتحول إلى عدو: الأحزاب، القضاء،
الإعلام، النقابات، المنظمات، الطلبة، الدبلوماسيون. مثل دون كيشوت تمامًا، يحتاج
الزعيم إلى خصم دائم ليبرر بطولته. وهكذا تتوالى "المعارك": نحن أمام
تفكّك بنيوي في وظائف الدولة: فبدون وسطاء، لا توجد إدارة حديثة، ولا مؤسسات، ولا
توازنات، ولا رقابة.
تعاليم دون كيشوت السياسية معركة ضد أعداء
متخيّلين، فمن هم "الأعداء" في سردية قيس سعيّد؟
في رواية دون كيشوت، كل شيء يمكن تأويله
كعدو: الطواحين، السحرة، الخدم، وحتى الأغنام. المهم أن الفارس يحتاج دائمًا إلى
خصم يتعالى عليه ويهزمه باسنة الرماح كي يتأكد من بطولته.
على المنوال نفسه، بحث قيس سعيّد منذ وصوله
للسلطة عن "عدو". فتمثل أعداء كثيرين متعددين ومتحولين، ورأى في حركة
النهضة والإسلاميين كبش الفداء المثاليbouc
émissaire idéal فافتتح غزواته بزجهم في السجون وأغرى ميلشيا التصحيح
بحرق مقرهم المركزي وعدد من مقراتهم الجهوية وهيأ خارطة لبنك من الأهداف العدائية
تدرجت في:
ـ غلق برلمان 2019 الشرعي بمدرعة
عسكرية واختطف رئيس الكتلة البرلمانية نور
الدين البحيري وسجن رئيس البرلمان الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة وهو في
سن الثمانين في غزوة استعراضية لكتيبة
امنية في ليلة القدر ليلة السابع والعشرين من رمضان / 17 نيسان / أبريل 2023 إضافة الى اعتقال ثلة
من قيادات حركة النهضة وعلى راسهم علي العريض وعبد الكريم الهاروني والحبيب اللوز
والعجمي الوريمي المعروف في الحركة الطلابية باسم هيثم ، وعدد غير يسير من قيادات
الصف الأول في سياق تصفوي مريع وجرم
الأحزاب الوطنية والكتل السياسية ممثلة في جبهة الخلاص الوطني والحزب الجمهوري
والحزب الديمقراطي ،واستهدف رموز الحركة الديمقراطية من جوهر مبارك الى نجيب
الشابي وخيام التركي ورضا بلحاج وعبد الحميد الجلاصي ولطفي المرايحي واحمد صواب
وغازي الشواشي والعياشي الهمامي وشيما عيسى وسهام بن سدرين وسنية الدهماني وغيرهم
كثير دون استثناء.
ووضع اليد على القضاء وحوله الى قضاء وظيفي
موجه بالتعليمات.
ـ وتمت محاصرة مهام المحامين وانتهكت حقوق
التقاضي العادل وحقوق الدفاع.
ـ وتم تدجين الصحافة ومنع حرية الاعلام
وحرية المعتقد وحرية التعبير. واتهم الصحافيون بأنهم يبثون الإشاعات واقتيدوا الى
السجون دون خجل تحت سيف ديموكلاس للفصل 54 الزجري..
ـ واتهمت البعثات الديبلوماسية بالتدخل في
شؤون السيادة دون تعريف عقلاني لطبيعة السيادة وقوانينها وحدودها، واتهمت الإدارة
والجهاز الإداري بالبيروقراطية دون امتلاك اجندة اصلاح اداري للبيروقراطية ولا
تعريف علمي لمهام الصحافة والاعلام والقضاء ولأدوار رجال المال والاعمال الذين لم
ير فيهم الا اثرياء يرتكبون محرمات مراكمة الثروة وراس المال ويمارسون رذائل
الاحتكار.
ـ ولم ير في الحركة الطلابية الا مجاميع
للشغب مدفوعون للتآمر.. وليست هذه لائحة مهام سياسية؛ بل هي خارطة خيال سلطوي يرى
فيه كل فاعل محتمل منافسًا على الشرعية.
صمت الحملان.. حين يتحول الخوف إلى أداة حكم
إذا كانت دون كيشوت تساعدنا على فهم وهم
البطولة، فإن صمت الحملان تفسر منطق السلطة. في هذه الرواية/الفيلم، لا يُحكم
المجتمع بالعنف الفج فقط، بل بهندسة الخوف: تهديد مبهم، عدو غير مرئي، صمت يتسلل
إلى النفوس. هذا ما يحدث في تونس اليوم.
حث قيس سعيّد منذ وصوله للسلطة عن "عدو". فتمثل أعداء كثيرين متعددين ومتحولين، ورأى في حركة النهضة والإسلاميين كبش الفداء المثاليbouc émissaire idéal فافتتح غزواته بزجهم في السجون وأغرى ميلشيا التصحيح بحرق مقرهم المركزي وعدد من مقراتهم الجهوية وهيأ خارطة لبنك من الأهداف العدائية
لا حاجة لقمع شامل؛ يكفي خلق مناخ قانوني
ضبابي، توظيف القضاء كأداة ردع، تحويل الإعلام إلى فضاء يحكمه الخوف والارتباك،
ودفع المنظمات الوطنية إلى المنطقة الرمادية. النتيجة: مجتمع صامت، متردد، يعيش
رقابة ذاتية مقيتة. ونسبة من احزاب سياسية "معارضة" تفضل – تحت طائلة
الخوف الخفي- الوقوف عند حدود تحسين شروط الانقلاب مع تأييد الانقلاب في قمع
خصومهم من الإسلاميين رغم اشتراكهم في القهر والخصاصة والمنحدر الطبقي. ضافة الى
الترحيب بما مارسته البيروقراطية النقابية لاتحاد الشغل والبيروقراطية الحقوقية
لرابطة حقوق الانسان من سياسة تمييزية وسكتارية بين التونسيين أدت بهم في النهاية الى التحجيم والتقزيم والتهميش والضعف.
هنا لا تختفي السياسة فقط، بل ينهار الفضاء
العمومي. ويصبح المواطن فردًا معزولًا، يبحث عن النجاة الفردية: الهجرة، الصمت، أو
الغضب غير المنظم.
الخلفية المادية للوهم.. النيوليبرالية
المتأخرة وانهيار الطبقة الوسطى
لا يولد الوهم السياسي من فراغ. فقد عاشت
تونس أزمة مالية خانقة: مديونية مرتفعة، تضخما يلتهم الأجور، وعجزا في الدولة عن
تمويل الخدمات الأساسية خلال عهدتين رئاسيتين، حيث تم اعتماد نموذج نيو ليبرالي
هشّ: سماته اقتراض، تقشف، رفع دعم، دون مشروع تنموي حقيقي.
وكانت النتيجة هي تفكك الطبقة الوسطى، وهي
العمود الفقري لأي منظومة ديمقراطية. ولم
يعد الموظف العمومي قادرًا على الادخار، وانزلق المهني الحر إلى الهشاشة، وأصبح
نمط العيش “التونسي” ذكرى باهتة لما عرفه من تدهور وانهيار.
في هذا الفراغ، عاش قيس سعيّد على راس
انقلابه السعيد متأملا الأرض المحروقة بين يديه وصراخ المستضعفين والثكالى ممن
يساق عوائلهم للسجون بدلا من ارسالهم الجامعات ومراكز البحث العلمي واقطاب
الصناعة، والفلاحة، والمال، والإنتاج. فبنى بطريركية كما يقول عالم الاجتماع
الفلسطيني هشام شرابي انتهت الى ابوية لا تعبأ بالشعب ولا بإرادة شعب سيستجيب لها
القدر طالما تعرف ما تريد وتتولى امرها الوطني فيما تريد رغم إرادة البطريرك الذي
قاد البلاد إلى دولة خوف بلا أفق.
نهاية الدولة الوسيطة وتفكك الشرعية
منذ الاستقلال، عرفت تونس دولة وسيطة:
مؤسسات، أحزاب، نقابات، توازنات. بعد 2011 واصلت الاجسام والمؤسسات الوسيطة
أدوارها بدرجات ونسب متفاوتة، لكن انقلاب 2021 مثّل التفكيك الكامل للدولة،
ونظامها الجمهوري، وللأحزاب، والمؤسسات.
. دولة بلا
مؤسسات ولا أحزاب ولا منظمات ولا اجسام وسيطة تعني دولة بلا روح ولا عدل وبلا
حداثة ولا تحديث إدارة حديثة وبلا مؤسسات، بلا رقابة، بلا عقل جماعي. عكس ما يدرس
في القانون وفي الجامعات عن ابن خلدون ومونتسكيو وجان جاك روسو وموريس دوفرجيه وعكس ما تمارسه دولة القانون في الجمهوريات
الديمقراطية التي تحترم شعوبها.
المفارقة أن تركيز السلطة لم يؤدِ إلى
الفاعلية، بل إلى العجز. دولة أقوى شكليًا وأضعف عمليًا. ومع كل “معركة رمزية” ضد
الفساد أو التآمر، تتآكل الشرعية بدل أن تُستعاد.
الخطر الداهم.. من ظرف استثنائي إلى منطق
حكم دائم
تحوّل المبرر الذهبي للانقلاب وهو مفهوم
“الخطر الداهم” من إجراء دستوري مؤقت إلى عقيدة حكم، خطر غير معرف، مطاط، يتوسع
ويفسر بشتى الطرق التبريرية ليشمل اشباحا لكل شيء: الإرهاب، الفساد، المعارضة،
الحوار، وحتى المبادرات الوطنية والمقابلات الرياضية. فهل وجدت خطط واستراتيجيات
تدعم الديمقراطية وتواجه الفساد والإرهاب؟ كل المؤشرات تشير الى الإطاحة
بالديمقراطية وبخبز المواطن وعيشه الكريم مقابل شعارات يحملها دون كيشوت ورفيقه
سانشو على ظهر حصانه.
بهذا المنطق، تصبح حالة الاستثناء قاعدة.
وتُدار الدولة لا عبر السياسات، بل عبر إدارة الخوف: ولسان الحال يقول "اصبروا،
الوضع خطير، نحن وحدنا نحميكم".
أي مستقبل؟ بين الوهم والانفجار
تواجه تونس ثلاث مسارات محتملة:
1 ـ الدولة البوليسية الناعمة: صمت سياسي،
استقرار هش، هجرة متصاعدة، وانفجار مؤجل.
2 ـ انفراج محدود: تحت ضغط الأزمة، عودة
جزئية للحوار والمؤسسات، إذا توفرت إرادة داخل السلطة ووحدة لدى المعارضة. ولكنها
ستغدو واقعة تحت نزعة إصلاحية لتحسين شروط الانقلاب.
3 ـ انفجار اجتماعي: نتيجة انسداد الأفق، قد
يخرج عن السيطرة ويفتح الباب لسيناريوهات أخطر.
الخروج من الأسطورة
تونس ليست في أزمة اقتصاد أو سياسة فقط، بل
في أزمة سردية بين فارس وهمي يقاتل طواحين الهواء، ومجتمع يُدفع ليكون قطيعًا
صامتًا كالخرفان، وبين الوهمين يضيع المعنى.
لا يولد الوهم السياسي من فراغ. فقد عاشت تونس أزمة مالية خانقة: مديونية مرتفعة، تضخما يلتهم الأجور، وعجزا في الدولة عن تمويل الخدمات الأساسية خلال عهدتين رئاسيتين، حيث تم اعتماد نموذج نيو ليبرالي هشّ: سماته اقتراض، تقشف، رفع دعم، دون مشروع تنموي حقيقي.
هل إلى الخروج من الأزمة من سبيل؟ ولا نملك
الإجابة في هذه الحال الا بالإيجاب، ولكن ضمن شروط محددة وهي:
ـ بناء أرضية للحد الأدنى المشترك للتونسيين
والتونسيات حول التساوي في الوطن والمواطنة.
ـ استعادة السياسة من قبضة الميتافيزيقا
والوهم والشعبوية.
ـ بناء جبهة ديمقراطية–اجتماعية عريضة،
وموحدة للفاعلين للسياسيين والشعب والوطن.
ـ إحياء دور المنظمات والأحزاب ومراكز
البحوث والاقطاب الوطنية للمال والاعمال.
ـ طرح برنامج إنقاذ اقتصادي واقعي عاجل
وعادل.
ـ كسر خطاب الخوف بسردية وطنية بديلة تعمق
المشترك الوطني وتخصب أرضية الحد الأدنى.
ـ السؤال الحقيقي ليس: إلى أين تسير تونس؟
بل: من سيكتب رواية تونس القادمة؟
ـ هل سيستمر الانقلاب في كتابة فصول ملحمته
الفردانية؟ أم سيستعيد المجتمع بأحزابه الوطنية ومنظماته دوره كراوٍ لقصته، يرفض
الخوف، ويتجاوز الوهم، ويحقق وحدته المواطنية ويصوغ مصيره بنفسه؟
ـبين الوهم والواقع، بين الشجاعة والخوف،
بين الخرافة والدولة الحديثة… تقف تونس عند مفترق طرق تاريخي.
ولعل أول خطوة للخروج من الأسطورة هي
الاعتراف بأن الأزمة حقيقية، وأن مواجهة الواقع أصعب من مواجهة الطواحين، لكنها
وحدها بداية النجاة.
وفي الأخير هل ستنجح تونس في كسر ثنائية
الفارس الوهمي والقطيع الصامت والعودة إلى سياسة تعترف بتعقيد المجتمع، وتعيد
للناس حقهم في الكلام، والفعل، والإرادة، والأمل؟