المشهد في
دافوس 2026 لا يصوّر موت
النظام العالمي القديم بقدر ما يكشف عن طبيعة حياته الحقيقية.
فـ"الجنازة" هنا ليست مراسم وداع، بل مزاد علني، تُباع فيه رموز السلطة القديمة،
بينما يحتفظ نفس اللاعبين بمفاتيح الخزينة. إنه المشهد النهائي لمسرحية طويلة: ارتداء
جلادي الأمس لعباءات القضاة، وتسلم من أشعلوا الحرائق لقيادة فرق الإطفاء.
كشف الستار
عن منطق القوة الخام
ليس ما يحدث
اختراعا لمنطق جديد، بل هو كشف للسرّ الذي ظلّ مقنّعا لعقود. لقد كان القانون الدولي
والشعارات الأخلاقية غطاء مخمليا لقبضة القوة، الفرق اليوم أن الأقوياء تخلّصوا من
عناء الترجمة بين الخطاب والممارسة. فالاتفاقيات التي انتُهكت، والمؤسسات التي شُلّت، والتجارة التي جُورَت، لم تكن سوى أدوات في يد
من يملك القوة. الآن، يسقط القناع الأخير.
الجنوب: من
متفرج إلى وقود في آلة الصراع
يُعرض الواقع على أنه خيار بين نظامين: قديم متهاوٍ وجديد وحشي، لكن هذا التصوير يخفي الخيار الجوهري، فالمعضلة ليست في اختيار تابع بين سيدين، بل في الاختيار بين منطقين: منطق التبعية والتفتيت، ومنطق السيادة والتكامل
يُقدم العالم
العربي وأفريقيا كمشاهدين سلبيين، لكن دورهما في المعادلة الجديدة أكثر خطورة، إنهما
الوقود المُعدّ للاحتراق في أفران النظام القادم. فبينما تتفق عشرات الدول على تشكيلات
"
السلام" الجديدة، تُترك المئات الأخرى كساحات اختبار؛ تُنهب ثرواتها، وتُمزّق
سيادتها، وتُقاسَم أراضيها على خرائط النفوذ.
ليست الحروب
في السودان وليبيا واليمن وسوريا سوى فصول أولى في هذه المسرحية، إنها مختبرات مفتوحة
تُختبر فيها الأسلحة، وتُرسَم فيها الحدود الجديدة، ويُقاس فيها مدى جوع القوى الكبرى
للمزيد.
الوهم المزدوج
والخيار الحقيقي
يُعرض الواقع
على أنه خيار بين نظامين: قديم متهاوٍ وجديد وحشي، لكن هذا التصوير يخفي الخيار الجوهري، فالمعضلة ليست في اختيار تابع بين سيدين، بل في الاختيار بين منطقين: منطق
التبعية
والتفتيت، ومنطق
السيادة والتكامل.
المأساة العربية-الأفريقية
لا تكمن في فقر المقومات، بل في إرادة تبديدها. فمن يملك ثلث احتياطي النفط العالمي،
ويجلس على مفترق القارات، ويمتلك تاريخا حضاريا ضاربا في العمق، لا يمكن أن يكون ضحية
إلا إذا قبل بدور الضحية.
الطريق: من
رد الفعل إلى صناعة البديل
الحل ليس في
الحنين إلى ماضٍ وهمي أو الانكفاء على الذات، وهو بالتأكيد ليس في انتظار من يبيع الأمان
في أسواق دافوس؛ الخلاص يكمن في الانتقال من حالة رد الفعل إلى حالة صناعة البديل.
النموذج المطلوب
ليس مفقودا، بل هو مُهمَل: التضامن الجنوبي-الجنوبي. فالتكامل الاقتصادي، والتحالفات
الأمنية المشتركة، والأسواق الموحدة، ليست أحلاما رومانسية بل ضرورات وجودية. لقد حوّل
الأوروبيون تحالف فولاذ وفحم إلى قوة عالمية بعد حرب مدمرة، فكم تكون الفرصة أكبر لمن
يملك مقومات البناء من موقع السلم؟
قد يكون عام
2026 عام الانهيار الظاهر، لكنه قد يكون أيضا عام الصحوة المختبئة. فالتاريخ يُعلّم
أن الأنظمة التي تظن نفسها أبدية هي الأقرب إلى السقوط، والنظام القائم على منطق السوق
المطلق -حيث يصبح السلام سلعة والكرامة سعرا تفاوضيا- محكوم عليه بالفشل؛ لأنه ببساطة
ينكر حقيقة كون البشر بشرا.
قد يكون عام 2026 عام الانهيار الظاهر، لكنه قد يكون أيضا عام الصحوة المختبئة
من قاعة العزاء
إلى رحم الصحراء
وبينما تُنعى
الأنظمة في القاعات المكيفة، تولد المقاومات في صحاري الوعي. بذور النظام الجديد -نظام
الكرامة لا التجارة- تُزرع في كل خطوة تكامل، وفي كل رفض للتبعية، وفي كل إرادة جمعية
ترفض أن تكون بضاعة في سوق القوى.
السلام لا
يُشترى لأن السلام ليس منتجا، السيادة لا تُمنح لأنها حق غير قابل للتفويض، والكرامة
لا تُباع لأنها جوهر الوجود. ربما تحتاج البشرية إلى هذه الصدمة -صدمة تحويل القيم
إلى سلع- لتستعيد وعيها الجمعي.
ما بعد دافوس
لا يرسمه المتفاوضون على الطاولات، بل تُخطّطه إرادات الشعوب في ساحات وعيها. هناك،
حيث الوضوح لا الغموض، تُبنى المقاومات الحقيقية. وها نحن على عتبة ذلك الوضوح القاسي،
الواضح.