نظرية الإزاحة وإمكانية تحوّل ليبيا إلى ساحة صراع صامت في الشرق الأوسط

مجدي الشارف الشبعاني
"ليبيا لا تواجه خطر السقوط عبر حرب شاملة، بل خطر التآكل عبر استنزاف صامت"- جيتي
"ليبيا لا تواجه خطر السقوط عبر حرب شاملة، بل خطر التآكل عبر استنزاف صامت"- جيتي
شارك الخبر
لم تعد الصراعات في الشرق الأوسط تُدار وفق النموذج التقليدي القائم على المواجهة المباشرة بين الدول. فارتفاع كلفة الحروب، وتداخل المصالح الدولية، وضغوط الرأي العام العالمي، دفعت القوى الكبرى والإقليمية إلى البحث عن مسارات أقل كلفة وأكثر مرونة لإدارة خلافاتها. في هذا السياق، برز ما يُعرف في أدبيات الجغرافيا السياسية بنظرية الإزاحة، أي نقل الصراع من ساحته المركزية المباشرة إلى ساحات بديلة، أضعف مؤسسيا، وأكثر هشاشة سياسيا وأمنيا.

وفق هذا المنطق، لا يختفي الصراع حين يتعذر خوضه مباشرة، بل يُزاح إلى دول تمر بمرحلة انتقالية، أو تعاني انقساما داخليا، أو ضعفا في القرار السيادي. هناك، تُدار المواجهة بأدوات غير مباشرة: صراعات بالوكالة، استنزاف طويل الأمد، إرباك أمني، تعطيل سياسي، أو أزمات متتابعة لا تصل إلى حد الحرب الشاملة، لكنها تمنع الاستقرار الكامل وتُبقي الدولة في حالة إنهاك دائم.

تُعدّ سوريا المثال الأوضح على تطبيق نظرية الإزاحة؛ فما بدأ كأزمة داخلية، تحوّل سريعا إلى ساحة اشتباك دولي مفتوح، شاركت فيه قوى كبرى وإقليمية متعددة، كلٌ وفق مصالحه، دون أن تنزلق هذه القوى إلى حرب مباشرة فيما بينها. الأرض السورية أصبحت مسرحا تُدار عليه صراعات عالمية مؤجلة، بينما دفعت الدولة والمجتمع السوري الكلفة الأكبر. لم تكن سوريا طرفا أصيلا في كل تلك الصراعات، لكنها كانت الساحة التي نُقلت إليها، حين تعذّر الاشتباك في ساحاته الأصلية.

القاسم المشترك بين هذه الحالات ليس طبيعة الصراع، بل البيئة التي سمحت بانتقاله: هشاشة الدولة، ضعف القرار الموحد، وتداخل المصالح الخارجية

في لبنان، اتخذت الإزاحة شكلا أكثر نعومة، لكنها لا تقل خطورة: تعطيل مؤسسي مزمن، شلل سياسي، انهيار اقتصادي، وتوتر أمني دائم دون انفجار شامل. أما في اليمن، فقد جاءت الإزاحة بصورة خشنة ومباشرة، حيث تحوّلت الدولة إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح، استنزف الجميع، لكنه جنّب الأطراف الكبرى المواجهة المباشرة.

القاسم المشترك بين هذه الحالات ليس طبيعة الصراع، بل البيئة التي سمحت بانتقاله: هشاشة الدولة، ضعف القرار الموحد، وتداخل المصالح الخارجية.

إن الإزاحة للصراع ظاهرة عالمية لا عربية

وليس من الخطأ التأكيد على أن الإزاحة ليست قدرا عربيا، بل نمطا دوليا. فقد شهدت مناطق أخرى من العالم تطبيقات مشابهة، كما في بعض دول شرق أوروبا قبل انفجار المواجهات الكبرى، أو في دول الساحل الأفريقي، حيث تُدار صراعات النفوذ الدولية عبر جماعات محلية وساحات هشة. هذا البعد العالمي يوضح أن الإزاحة أداة صراع، لا خصوصية جغرافية.

ليبيا اليوم مع تشابه الشروط لا تشابه الوقائع

ليبيا لم تصل إلى مستوى الانفجار السوري، لكنها باتت تتقاطع مع تلك التجارب في الشروط البنيوية التي تسمح بتطبيق منطق الإزاحة. فهي دولة ذات موقع استراتيجي بالغ الحساسية، تطل على المتوسط، وتملك موارد طاقة مؤثرة، وتقع عند تقاطع ملفات الهجرة، والأمن، والطاقة، والنفوذ الإقليمي في شمال أفريقيا، وفي الوقت نفسه، تعاني انقساما سياسيا، هشاشة مؤسسية، وتعدد مراكز القرار.

الخطورة لا تكمن في اندلاع حرب شاملة، بل في أن الصراع حول ليبيا يُدار اليوم بطريقة بطيئة وصامتة. فبدل الانفجار المفاجئ، يجري استنزاف الدولة عبر تراكم الأزمات، وفتح مسارات متداخلة، وتوظيف هشاشة الداخل لتمرير صراعات لا تكون ليبيا طرفا أصيلا فيها، لكنها تتحمل نتائجها.

مؤشرات الإزاحة في الحالة الليبية: كيف نعرف أننا دخلنا المسار؟

لا تُقاس الإزاحة باندلاع الحرب أو غيابها، بل تُقاس بجملة من المؤشرات التراكمية التي تكشف أن الصراع لم يعد يُدار لحسمه، بل لإبقائه في حالة دوران مُنهِك. في الحالة الليبية، تظهر هذه المؤشرات في تعدد المسارات الدولية المتوازية دون مرجعية وطنية جامعة، وفي استمرار الانقسام السياسي دون تمكين أي طرف من الحسم أو إعادة بناء الدولة. كما تتجلى الإزاحة في تعطيل الحلول دون إسقاط الكيان، وفي إبقاء مؤسسات الدولة قائمة شكليا لكنها عاجزة وظيفيا، بما يحولها إلى أدوات إدارة أزمة لا أدوات سيادة. ويضاف إلى ذلك تسييل الملفات الحساسة -كالأمن، والطاقة، والهجرة- وربطها بحسابات خارج القرار الوطني، بما يجعل ليبيا ساحة لتفريغ التوترات الإقليمية بدل أن تكون فاعلا في إدارتها. حين تتكامل هذه المؤشرات، لا نكون أمام أزمة داخلية قابلة للحل، بل أمام إدخال الدولة تدريجيا في مسار إزاحة صامت، تُدار فيه الصراعات من حولها ومن خلالها دون إعلان.

البيئة الدولية الجديدة: لماذا تزداد المخاطر؟

ما يرفع من قابلية ليبيا لمنطق الإزاحة اليوم هو تغيّر السياق الدولي والإقليمي، فالحرب في أوكرانيا أظهرت أن الصراعات الكبرى لا تُحسم في مركزها فقط، بل تُعاد هندستها في أطراف النظام الدولي. كما أن إعادة التموضع الدولي، وتوازنات شرق المتوسط، وتنامي أدوار قوى إقليمية جديدة، جعلت شمال أفريقيا جزءا من حسابات الصراع غير المباشر.

في هذا السياق، تصبح ليبيا ساحة محتملة لتفريغ التوترات بدل مواجهتها في ساحات أكثر حساسية. ليس عبر حرب معلنة، بل عبر إرباك أمني، أو تعطيل سياسي، أو ضرب الثقة المؤسسية، وهي كلها أدوات إزاحة معروفة، لا تترك بصمات فورية لكنها تُنتج استنزافا طويل الأمد.

العلاقة الليبية-التركية ضمن هذا الإطار
تصبح ليبيا ساحة محتملة لتفريغ التوترات بدل مواجهتها في ساحات أكثر حساسية. ليس عبر حرب معلنة، بل عبر إرباك أمني، أو تعطيل سياسي، أو ضرب الثقة المؤسسية، وهي كلها أدوات إزاحة معروفة، لا تترك بصمات فورية لكنها تُنتج استنزافا طويل الأمد

العلاقات الليبية-التركية، بحكم طابعها الأمني والجيوسياسي، تدخل هي الأخرى ضمن معادلات الإزاحة. فهذه العلاقة ليست تقنية أو ثنائية فحسب، بل تتقاطع مع توازنات إقليمية أوسع، ما يجعلها محل قراءة دقيقة من أطراف متعددة. التركيز على هذا البعد لا يعني التشكيك في الشركاء، بل إدراك أن أي علاقة استراتيجية في بيئة مضطربة تُقرأ دائما بمنطق المصالح والتوازنات، لا بمنطق النوايا المعلنة وحدها.

ومن الضروري التمييز بين التحليل المشروع والاتهام غير المؤسس. نظرية الإزاحة لا تُستخدم لإطلاق الأحكام أو تبنّي سرديات مؤامراتية، بل كأداة لفهم البيئة المحيطة، وتقدير المخاطر، وبناء سياسات وقائية. الدولة الرشيدة لا تقفز إلى الاستنتاجات، لكنها أيضا لا تتجاهل السياق ولا تُطمئن نفسها بإنكار الواقع.

ليبيا اليوم لا تعيش السيناريو السوري، لكنها تتحرك داخل منطقه البنيوي. والخطر الحقيقي ليس أن تتحول إلى ساحة حرب مفتوحة، بل أن تصبح ساحة صراع بلا عنوان، تُدار فيها تناقضات الإقليم بهدوء، بينما تدفع الدولة ثمن الاستنزاف دون أن تكون طرفا فاعلا أو صاحب قرار.

ليبيا لا تواجه خطر السقوط عبر حرب شاملة، بل خطر التآكل عبر استنزاف صامت. وهذا النمط من الصراع لا يُواجَه بالخطاب ولا بالمواقف الانفعالية، بل بقراءة مبكرة للمسار وبناء أدوات وقائية قبل اكتمال حلقته. وأولى هذه الأدوات هي القدرة على تمييز مؤشرات الإزاحة في وقتها، لا بعد تحولها إلى واقع مفروض.

فحين تتكاثر المسارات الدولية دون مرجعية سيادية موحدة، وحين يُدار الانقسام بدل حسمه، وحين تُستخدم مؤسسات الدولة لإدارة الأزمة لا لإنهائها، نكون أمام إنذار مبكر بأن الصراع لم يعد يسير نحو حل، بل نحو تدوير واستنزاف. ومع كل تأخير في توحيد القرار السيادي، وكل ضعف في الحوكمة الأمنية، تتراجع قدرة الدولة على التحكم في موقعها داخل هذه المعادلة.

كسر هذا المسار لا يتطلب مواجهة الخارج، بقدر ما يتطلب تحصين الداخل: بناء مؤسسات قادرة لا شكلية، توحيد مركز القرار في الملفات السيادية، وامتلاك رؤية واضحة لإدارة العلاقات الخارجية على أساس المصالح الوطنية لا منطق ردّ الفعل. فالدول التي تفلت من الإزاحة ليست تلك التي تُنكر الصراع، بل تلك التي تمنع نقله إلى أرضها عبر تقوية الدولة ووضوح الخيارات.

ليبيا لا تزال تمتلك هامش الاختيار، لكنها إن لم تحوّل هذا الهامش إلى سياسة واعية، فإنها تخاطر بأن تصبح ساحة يُدار فيها الصراع بصمت، بينما يتآكل القرار الوطني تدريجيا. وفي عالم تُدار فيه النزاعات عند الأطراف لا في المراكز، تصبح السيادة الحقيقية هي القدرة على الخروج من معادلة الإزاحة قبل أن تكتمل.
التعليقات (0)