كيف فضحت
سياسات ترامب أوهام النظام الدولي وأعادت الاعتبار للفكر السياسي الإسلامي؟
لم تكن
سياسات إدارة دونالد ترامب تجاه النظام الدولي مجرد نزوة رئيس شعبوي أو خروجا عابرا
عن الأعراف الدبلوماسية، بل شكّلت صدمة معرفية كشفت هشاشة الأسس التي بُني عليها
علم
السياسة الحديث.
فقد
انهار، أمام سلوك القوة الصريح، الخطاب الذي روّج لعالم قائم على القواعد،
والسيادة بوصفها حقا مصونا، والمؤسسات الدولية كضامن للاستقرار. التهديد
باستخدام القوة، والاستخفاف بالقانون الدولي، والتعامل الفج مع دول ذات سيادة مثل
فنزويلا وامريكا اللاتينية وإيران، لم يكن مجرد سياسات عدوانية، بل اختبارا فشل
فيه علم السياسة السائد في تفسير الواقع.
سقوط
القناع الليبرالي
لعقود،
جرى تدريس العلاقات الدولية باعتبارها مسارا تقدميا نحو العقلانية، حيث تُروّض
القوة بالقانون، وتُدار الخلافات عبر المؤسسات، غير أن تجربة السنوات الأخيرة
أظهرت أن هذا الخطاب لم يكن سوى قناع أخلاقي لهيمنة القوة.
فحين
تعارضت القواعد مع المصلحة، جرى تجاوزها بلا تردد، وحين اصطدمت السيادة بإرادة
الأقوياء، تبيّن أنها مفهوم انتقائي. لم يكن الانهيار في النظام الدولي بقدر ما
كان انهيارا في السردية التي شرعنته.
الواقعية
وحدها لا تكفي
صحيح أن
هذه التحولات أعادت الاعتبار للواقعية السياسية، التي طالما أكدت أن القوة
والمصلحة تحكمان السلوك الدولي، إلا أن الواقعية، بصيغتها الصلبة، تقف عاجزة أمام
سؤال مركزي: لماذا تؤدي شخصنة السلطة إلى تآكل الدولة بدل تعزيزها؟ ولماذا تتحول
القوة، في لحظة ما، من أداة سيطرة إلى عامل تفكك؟ فالواقعية تفسّر السلوك، لكنها
لا تفسّر انهيار المعنى السياسي ولا سقوط الشرعية.
في هذا
الفراغ التفسيري، تبرز النظرية السياسية الإسلامية لا كبديل أيديولوجي، بل كمرجعية
تحليلية تشكّلت في عالم صراعي، ولم تبنِ افتراضاتها على مثالية أخلاقية. لقد تعامل
هذا الفكر مبكرا مع السياسة باعتبارها مجالا محفوفا بالفتنة، ومع السلطة بوصفها
خطرا بنيويا يهدد الدولة من داخلها.
تميّزت
هذه النظرية بوعي دقيق بالفروق بين: الشرعية والغلبة، والقوة والحق، والاستقرار
والعدل، الدولة والنظام. وهي فروق غيّبتها العلوم السياسية الحديثة أو تعاملت معها
بتبسيط مخلّ.
من
الماوردي إلى ابن خلدون: قراءة بلا أوهام
عند
الماوردي، لا تُفهم الشرعية بوصفها مثالا مطلقا، بل كتوازن هش بين النص والواقع،
حيث تُعترف بالضرورة السياسية دون تحويلها إلى أصل دائم. أما ابن خلدون فيذهب أبعد
من ذلك، فيفكك الدولة باعتبارها نتاجا للعصبية، ويبيّن أن سقوطها يبدأ حين تتحول
السلطة من وظيفة جامعة إلى غنيمة.
هذه
الرؤية تقدّم تحليلا للدولة يفتقر إليه علم السياسة المعاصر: الدولة ليست كيانا
قانونيا محصنا، بل ظاهرة تاريخية قابلة للانحلال.
الحاكم
حين يبتلع الدولة
من أخطر
ما أغفلته العلوم السياسية الحديثة؛ البعد النفسي والأخلاقي للحاكم. فقد أدرك
الفكر السياسي الإسلامي أن السلطة تُضخّم الأنا، وأن اختزال الدولة في شخص القائد
يفتح الباب للاستبداد، مهما كانت قوة المؤسسات شكليا. وهو ما يفسّر كيف يمكن لدولة،
ديمقراطية عريقة، أن تنزلق سريعا نحو شخصنة القرار، وتهميش المؤسسات، وتحويل
السياسة الخارجية إلى انعكاس مباشر لمزاج الزعيم.
الفتنة:
حين تفقد السياسة معناها
يقدّم
مفهوم الفتنة في الفكر السياسي الإسلامي فهما أعمق من مصطلح الدولة الفاشلة.
فالفتنة ليست مجرد فشل إداري أو أمني، بل لحظة انهيار شامل للمعايير، حين تفقد
السلطة شرعيتها، ولا تعود القوة قادرة على إنتاج استقرار.
ما نحتاجه
اليوم ليس استبدال الواقعية بالتراث، ولا استبدال الغرب بالشرق (رغم ضرورته)، بل
تحرير علم السياسة من أوهام التفوق الأخلاقي والعالمية الزائفة. إن إدماج النظرية
السياسية الإسلامية في التحليل المقارن يمنحنا أدوات لفهم عالم تحكمه القوة، دون
تبريرها، ويكشف آليات الاستبداد قبل أن تتجسد.
لقد فضحت
سياسات القوة المعاصرة حقيقة بسيطة طال تجاهلها: العالم لم يصبح أكثر أخلاقية، بل أصبح أكثر صراحة، ومن دون أدوات
تحليلية عميقة، سيبقى علم السياسة يشرح ما كان ينبغي أن يكون، لا ما هو كائن
بالفعل.