لم يعد
انكشاف
الفضائح السياسية والأخلاقية في الولايات المتحدة والغرب حدثا استثنائيا،
بل تحوّل إلى ظاهرة متكررة تتزامن، بوضوح لافت، مع تحوّل السياسة الخارجية
الأمريكية نحو مزيد من الخشونة والهيمنة وتجاوز الخطاب القيمي التقليدي. هذا التزامن يفرض سؤالا يتجاوز الأفراد
والوقائع: هل نحن أمام لحظة محاسبة حقيقية، أم أمام إعادة ترتيب محسوبة لأقنعة
السلطة؟
الفضائح،
في التحليل السياسي لا تظهر في لحظات الاستقرار، بل في فترات الضغط والتحوّل. اليوم، يمرّ النظام الدولي بمرحلة اهتزاز عميق:
تراجع الهيمنة الأحادية، وصعود قوى منافسة، وأزمات اقتصادية داخلية، واستقطاب
سياسي غير مسبوق. في مثل هذه اللحظات، لا
يعود الكتمان ممكنا بالكفاءة السابقة، لا لأن النظام أصبح أكثر
أخلاقية، بل لأن
تكلفة الإخفاء باتت أعلى من تكلفة الكشف الجزئي.
النمط المتكرر في معظم القضايا الكبرى يكشف الكثير: التركيز على أفراد بدل الشبكات، وعلى الصدمة الأخلاقية بدل السياق البنيوي، وعلى الجريمة المعزولة بدل منظومات التواطؤ السياسي والاقتصادي
هنا، يصبح
انكشاف الفضائح جزءا من أعراض ما وصفه أنطونيو غرامشي بأزمة الهيمنة: حين تفقد
النخب قدرتها على الحكم عبر القبول والشرعية، فتضطر إلى إدارة الأزمات بدل
احتوائها، وإلى التعايش مع الفضيحة بدل منعها. الكشف في هذه الحالة لا يعني تطهير
النظام، بل تكيّفه مع واقع جديد.
لكن الأهم
ليس أن تُكشف الفضائح، بل كيف تُكشف. النمط المتكرر في معظم القضايا الكبرى يكشف
الكثير: التركيز على أفراد بدل الشبكات، وعلى الصدمة الأخلاقية بدل السياق
البنيوي، وعلى الجريمة المعزولة بدل منظومات التواطؤ السياسي والاقتصادي. بهذا المعنى، يُسمح بسقوط أسماء، لا بانكشاف
البنية التي صنعتها وحمتها. وهذا
ما يجعل الفضيحة أداة سياسية بامتياز.
فكما بيّن
ميشيل فوكو، السلطة لا تعمل فقط عبر القمع، بل عبر تنظيم المعرفة وحدود النقاش: ما
يُقال، وما يُسمح بتداوله، وما يُمنع من التحول إلى سؤال جذري. لذلك، لا يُكشف إلا
ما لا يهدد جوهر النظام، فيما يبقى الأخطر خارج الضوء.
يلعب
الإعلام هنا دورا مزدوجا، فهو من جهة يكشف، لكنه من جهة أخرى يحتوي؛ تُضخّم
التفاصيل الصادمة، ويُعاد تدويرها بوصفها مادة استهلاكية، بينما يُهمَل التحليل
المتعلق بالبُنى: التمويل، وشبكات
النفوذ، ودور المؤسسات، وحدود المساءلة
الحقيقية. النتيجة هي تحويل الغضب العام إلى استهلاك أخلاقي، لا إلى ضغط سياسي
منظّم؛ تتساقط الأسماء المستهلكة، وتستمر منظومة الفساد في تجديد تلقائي وإعادة
الهيمنة.
في
المقابل، تتجه السياسة الخارجية الأمريكية نحو مزيد من التوحّش. وفق المدرسة
الواقعية في العلاقات الدولية، حين تشعر القوى العظمى بتراجع نفوذها النسبي، تميل
إلى تعويض ذلك عبر القوة المباشرة، وتخفيض كلفة الاعتبارات الأخلاقية. ومع تآكل
الخطاب الليبرالي وفقدانه القدرة على الإقناع، لم يعد الحفاظ على صورة القائد
الأخلاقي أولوية، بقدر ما أصبح الحفاظ على النفوذ بأي وسيلة.
يغدو السماح بانكشاف بعض القذارة الداخلية تكلفة مقبولة، طالما أنها لا تمس مركز القرار ولا تعيق القدرة على الفعل خارجيا
في هذا
السياق، لا يبدو انكشاف الفضائح الداخلية تناقضا مع التوحّش الخارجي، بل وجها آخر
له، فحين تسقط الأخلاق بوصفها خطابا مهيمنا، تُستبدل بالقوة بوصفها لغة صريحة.
ويغدو
السماح بانكشاف بعض القذارة الداخلية تكلفة مقبولة، طالما أنها لا تمس مركز القرار
ولا تعيق القدرة على الفعل خارجيا. نحن،
إذن، لا نعيش عصر إنكار الفساد، بل عصر الاعتراف المُدار؛ يُعترف بوجود الفساد،
لكن دون تفكيك أسبابه. يُدان الأفراد، لكن تُحصّن المنظومات. هذا الاعتراف لا يُضعف النظام، بل يمنحه قدرة جديدة على امتصاص الغضب
وإعادة إنتاج شرعيته بشكل أقل ادعاء وأكثر فجاجة.
الخطر
الحقيقي لا يكمن في انكشاف الفضائح، بل في تطبيعها، وفي تحويلها من فرصة مساءلة
بنيوية إلى مسرح أخلاقي عابر. ما
نشهده اليوم ليس سقوط النظام الدولي الليبرالي، بل تحوّله إلى نسخة أكثر قسوة وأقل
تزويقا.
حين تسقط
الأقنعة، لا تسقط السلطة بالضرورة. أحيانا، كل ما يحدث هو أن تتوقف عن التظاهر
بأنها أخلاقية، وحين تتوقف السلطة عن التظاهر بأنها أخلاقية، هل نتوقف نحن عن
التظاهر بأننا مغفّلون؟