قضايا وآراء

ماذا يعني انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من حلف الناتو؟

محمد كرواوي
"السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كانت الولايات المتحدة ستنسحب فعلا من الناتو، بل بما إذا كانت أمريكا نفسها تعيد صياغة دورها في العالم"- الأناضول
"السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كانت الولايات المتحدة ستنسحب فعلا من الناتو، بل بما إذا كانت أمريكا نفسها تعيد صياغة دورها في العالم"- الأناضول
شارك الخبر
ليس من المبالغة القول إن مجرد تداول فكرة انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من حلف شمال الأطلسي يكشف أن شيئا عميقا يتحرك تحت سطح النظام الدولي، وأن ما كان يبدو مستقرا ومحصنا بقوة التاريخ والمؤسسات لم يعد كذلك. فالناتو، منذ لحظة ولادته بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكن مجرد تحالف عسكري بالمعنى التقني الضيق، بل كان التعبير السياسي الأعلى عن زعامة أمريكية للعالم الغربي، وعن تصور شامل للأمن يقوم على أن أوروبا هي خط الدفاع الأول عن المصالح الأمريكية، وأن واشنطن هي الضامن الأخير لتوازن القارة واستقرارها. لذلك فإن أي اهتزاز في العلاقة بين الطرفين لا يمكن قراءته كحدث عابر، بل كعرض لتحول أعمق في بنية القوة والنفوذ.

من هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كانت الولايات المتحدة ستنسحب فعلا من الناتو، بل بما إذا كانت أمريكا نفسها تعيد صياغة دورها في العالم. فعندما تهتز علاقة واشنطن بحلف أسسته وقادته ومولته لعقود، فإن ذلك يعني أن مركز الثقل في التفكير الاستراتيجي الأمريكي بدأ يتحرك بعيدا عن أوروبا، وبعيدا حتى عن فكرة التحالفات الدائمة بوصفها ركائز ثابتة للنظام الدولي. نحن أمام لحظة انتقال تاريخي، لا قطيعة نهائية بعد، لكنها لحظة مراجعة كبرى لكل ما كان يعتبر حتى وقت قريب من المسلمات.

أوروبا، التي اعتادت الاتكاء على المظلة الأمريكية، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى مواجهة حقيقة طال تجاهلها. فالأمن الذي كان يبدو مضمونا بقوة المادة الخامسة من ميثاق الناتو، بات مشروطا بإرادة سياسية أمريكية متقلبة، وبحسابات داخلية لا علاقة لها مباشرة بالمصالح الأوروبية

إن أوروبا، التي اعتادت الاتكاء على المظلة الأمريكية، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى مواجهة حقيقة طال تجاهلها. فالأمن الذي كان يبدو مضمونا بقوة المادة الخامسة من ميثاق الناتو، بات مشروطا بإرادة سياسية أمريكية متقلبة، وبحسابات داخلية لا علاقة لها مباشرة بالمصالح الأوروبية. وهذا ما يفتح الباب أمام سؤال مقلق ومؤجل في آن واحد: هل تملك أوروبا الإرادة والقدرة على بناء أمنها بنفسها، أم أنها ستظل أسيرة فراغ استراتيجي يتسع كلما تراجعت واشنطن خطوة إلى الخلف؟

وفي واشنطن نفسها، لا يبدو النقاش حول الناتو نقاشا ماليا صرفا، رغم ما يتردد عن الأعباء والتكاليف. المسألة أعمق من ذلك بكثير، إنها مسألة أولويات عالمية. فالولايات المتحدة، وهي تواجه صعود الصين كقوة كبرى منافسة، لم تعد ترى أن الساحة الأوروبية هي المسرح الرئيس للصراع الدولي في القرن الحادي والعشرين. ومن هنا، فإن إعادة توزيع الموارد والاهتمام تصبح، في العقل الاستراتيجي الأمريكي، ضرورة تفرضها معادلات القوة الجديدة، لا مجرد خيار سياسي قابل للتأجيل. غير أن هذه الضرورة، لم تترجم إلى إعلان مباشر يقول إن الناتو عبء مالي يجب التخلص منه، بل جاءت في صيغة أكثر التواء ودلالة.

في هذا السياق، جاء توقيع دونالد ترامب، في 7 كانون الثاني/ يناير 2026، على مذكرة انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية، خطوة ذات مغزى سياسي يتجاوز ظاهرها الإداري. فهي تعكس توجها عاما نحو تقليص الانخراط الأمريكي في المنظمات متعددة الأطراف، باسم الأولويات الأمريكية وحماية السيادة. لكنها، في الوقت نفسه، لم تتضمن إعلانا صريحا يربط بين حلف الناتو والكلفة المالية بوصفها سببا مباشرا للانسحاب المتوقع. كان القرار أقرب إلى رسالة تقول إن أمريكا تعيد حساباتها مع العالم كله، لا مع الناتو وحده.

وزاد من تعقيد الصورة ما كتبه ترامب في منشور على منصته، حين أعرب عن شكه في استعداد الحلف نفسه للدفاع عن الولايات المتحدة عند الحاجة، وذلك في سياق توتر سياسي مرتبط بمقترح أمريكي حول غرينلاند. هذا الكلام، في جوهره، لا يتعلق بالمال بقدر ما يتعلق بالثقة. إنه يعيد طرح السؤال القديم الجديد: هل التحالفات تقوم على التزامات أخلاقية وسياسية متبادلة، أم أنها مجرد صفقات قابلة للمراجعة وإعادة التفاوض في أي لحظة؟

لا يمكن النظر إلى انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من حلف الناتو، إن وقع، بوصفه حدثا تقنيا أو عسكريا فحسب، إنه علامة على انتقال تاريخي أوسع، وعلى عالم يعاد تشكيله على إيقاع المصالح لا التحالفات، وعلى زمن لم تعد فيه الضمانات القديمة صالحة بلا مراجعة

لكن الخطر الحقيقي، إذا ما تحول هذا الشك إلى قرار، لا يكمن في لحظة الانسحاب ذاتها بقدر ما يكمن في ما يسبقها من تلاشي لمعنى التحالف نفسه. فالناتو لا ينهار يوم تعلن دولة كبرى خروجها منه، بل يبدأ في التفكك حين تتصدع الثقة التي يقوم عليها. ومن هنا تكتسب تهديدات ترامب المرتبطة بغرينلاند دلالتها الأخطر، لأنها تؤذن بنقض التحالف قبل الانسحاب الفعلي من الناتو. فعندما تلوح الولايات المتحدة، ولو على مستوى الخطاب، باستخدام القوة إزاء إقليم تابع لدولة عضو في الحلف، فإن الأمر لا يعود زلة لسان أو مناورة تفاوضية، بل يصبح إشارة سياسية عميقة إلى أن قواعد اللعبة القديمة لم تعد ملزمة.

عند هذه اللحظة، يفقد الناتو وزنه التاريخي قبل أن يفقد وزنه العسكري، وتتحول المادة الخامسة، التي كانت حجر الزاوية في أمن أوروبا، إلى نص بلا روح ولا قوة ردع حقيقية. وفي عالم لا يعترف بالفراغ، فإن غياب الردع لا يظل مجرد نقص في التوازن، بل يتحول إلى دعوة مفتوحة لقوى أخرى لاختبار الحدود، وإعادة رسم خرائط النفوذ بوسائل قد لا تكون عسكرية مباشرة، لكنها لا تقل خطورة ولا أقل أثرا في زلزلة النظام الدولي.

كما أن انسحاب واشنطن، إن حدث، سيكشف هشاشة ما يسمى بوحدة الغرب. فالتماسك الذي بدا صلبا لعقود، كان في جوهره قائما على القيادة الأمريكية، ومع تراجع هذه القيادة، ستظهر التناقضات الأوروبية إلى السطح، بين من يرى الخلاص في بناء دفاع أوروبي مستقل، ومن يبحث عن ترتيبات أمنية بديلة، وربما عن تسويات مباشرة مع قوى كبرى خارج الإطار الأطلسي.

وتأسيسا على ذلك، لا يمكن النظر إلى انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من حلف الناتو، إن وقع، بوصفه حدثا تقنيا أو عسكريا فحسب، إنه علامة على انتقال تاريخي أوسع، وعلى عالم يعاد تشكيله على إيقاع المصالح لا التحالفات، وعلى زمن لم تعد فيه الضمانات القديمة صالحة بلا مراجعة. وفي مثل هذا العالم، يصبح اليقين عملة نادرة، ويغدو الاستقرار حالة مؤقتة، لا قاعدة دائمة.
التعليقات (0)