يشهد
المشهد الإقليمي اليوم تحولات دراماتيكية مع اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين
الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى؛ وهي
الحرب التي تثير في
جوهرها تساؤلات قانونية عميقة، إذ إن العمليات العسكرية الواسعة ضد الأراضي
الإيرانية تمثل خرقا لمبادئ
السيادة وميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر استخدام القوة
خارج إطار الدفاع الشرعي المباشر أو تفويض مجلس الأمن.
ورغم
خطورة هذا التصعيد، إلا أنه لا يمنح النظام الإيراني أي مسوغ قانوني لتوجيه آلته
العسكرية نحو دول
الخليج العربي واستهداف القواعد الموجودة على أراضيها، إذ إن
محاولة تبرير هذه الهجمات تسقط أمام أبسط قواعد القانون الدولي ومنطق السيادة
الوطنية.
إن المبرر
الأساسي لعدم مشروعية قصف هذه القواعد يكمن في طبيعة الوجود العسكري الأجنبي في
الخليج؛ فهذه القواعد أنشئت بموجب اتفاقيات أمنية ودفاعية ثنائية رسمية بين دول
خليجية كاملة السيادة والولايات المتحدة.
ووفقا
للقانون الدولي، تمتلك كل دولة الحق السيادي في إبرام تحالفات أمنية واستضافة قوات
صديقة لحماية أمنها القومي. وبناء عليه، فإن أي اعتداء على هذه القواعد هو اعتداء
مباشر على السيادة الوطنية للدولة الخليجية المضيفة، وانتهاك لحرمة أراضيها
وأجوائها، حيث تظل هذه المواقع تحت الولاية القانونية والسيادية للدولة المضيفة،
ولا تتحول إلى أرض عدوة لمجرد وجود قوات حليفة فيها.
وتتضح هذه
الحقيقة بشكل أكبر إذا استحضرنا المواقف الرسمية التي أعلنتها الدول الخليجية في
خضم التصعيد العسكري القائم، حيث أكدت الدول الخليجية أنها لن تسمح باستخدام
أراضيها لشن أي هجوم على إيران، كما أعلنت أنها لا تشارك في الحرب الدائرة ولا
تقبل أن تكون أراضيها منطلقا لأي عمل عسكري ضدها.
ومع ذلك،
فإن هذه المواقف المعلنة لم تمنع تعرض أراضي هذه الدول لاعتداءات وهجمات مرتبطة
بالصراع القائم، الأمر الذي يكشف بوضوح أن استهداف أراضيها لا يستند إلى أي مبرر
قانوني يتعلق بالمشاركة في الحرب، بل يمثل في جوهره اعتداء على سيادة دول أعلنت
صراحة عدم انخراطها في النزاع.
وفي ظل
هذا التمادي في استهداف العمق الخليجي، يبرز حق أصيل كفله ميثاق الأمم المتحدة في
المادة 51، وهو حق الدفاع عن النفس. إن تعرض دول الخليج لقصف صاروخي أو هجمات
بطائرات مسيرة تطال منشآتها وسيادتها يمنحها الأساس القانوني لاتخاذ إجراءات
دفاعية لردع مصدر التهديد.
ومن هنا،
يصبح من حق الدول المتضررة اتخاذ تدابير دفاعية ضد مصادر الهجمات التي تستهدف
أمنها وسيادتها، بما في ذلك استهداف المواقع العسكرية التي تنطلق منها هذه
العمليات، شريطة احترام مبدأي الضرورة والتناسب اللذين يشكلان الإطار القانوني
لاستخدام القوة في سياق الدفاع الشرعي.
فضلا عن
ذلك، فإن القانون الدولي يرفض ما يعرف بالرد الانتقامي ضد أطراف ثالثة. فالدول
الخليجية لم تعلن الحرب على إيران، وبالتالي فإن استهداف أراضيها بحجة وجود قواعد
أمريكية يمثل خرقا لمبدأ الحياد والتمييز بين أطراف النزاع والدول الأخرى.
كما يجب
التأكيد على أن القواعد العسكرية في الخليج تعمل ضمن منظومة أوسع للأمن الإقليمي
تسهم في حماية الممرات البحرية الحيوية وضمان سلامة الملاحة الدولية في واحدة من
أهم مناطق الطاقة والتجارة في العالم. وبالتالي فإن استهداف هذه المواقع لا يهدد
فقط سيادة الدول المضيفة، بل يهدد أيضا استقرار الأمن الإقليمي والمصالح
الاقتصادية الدولية المرتبطة به.
إن
الادعاء بأن وجود هذه القواعد يبرر ضرب أراضي الدول الخليجية يتجاهل حقيقة قانونية
أساسية، وهي أن استضافة قوات أجنبية بموجب اتفاقيات رسمية تبقى قرارا سياديا خالصا
للدولة المعنية. وعليه، فإن محاولة تحويل أراضي تلك الدول إلى ساحة لتصفية
الصراعات الإقليمية لا يمكن تبريرها قانونيا، بل تمثل انتهاكا واضحا للقواعد
الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي المعاصر.
وتأسيسا
على ذلك، فإن مبدأ السيادة الوطنية يظل هو الحصن الذي تتحطم عليه هذه التبريرات.
إن القواعد العسكرية في الخليج شأن سيادي محض، وقصفها هو اعتداء يستوجب موقفا
قانونيا وسياسيا حازما يعيد التأكيد على حرمة الحدود الوطنية وسلامة أراضي الدول.
إن حماية
السيادة الخليجية اليوم لم تعد مجرد مطلب دبلوماسي، بل أصبحت ضرورة قانونية وأمنية
لضمان عدم تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للصراعات العسكرية التي تنتهك حقوق الدول
واستقرارها.