التكلفة الاستراتيجية لتبني مفهوم الشر المطلق في السياسة الأمريكية

محمد كرواوي
"ساهمت سياسات الضغط الأقصى في تعزيز دوافع الردع لدى إيران، بدل إضعافها"- وكالة تسنيم
"ساهمت سياسات الضغط الأقصى في تعزيز دوافع الردع لدى إيران، بدل إضعافها"- وكالة تسنيم
شارك الخبر
لا يمكن فهم مسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران بمعزل عن البنية المفاهيمية التي حكمت إدراك صانع القرار الأمريكي لطبيعة التهديد الإيراني. فإلى جانب العوامل الجيوسياسية التقليدية، برز توظيف مكثف لمفهوم "الشر المطلق" بوصفه إطارا تفسيريا يعيد تعريف الخصم لا كفاعل سياسي يمكن احتواؤه أو التفاوض معه، بل ككيان يتجاوز منطق المصالح إلى مستوى التهديد الوجودي. ويطرح هذا التحول إشكالا مركزيا يتعلق بالكلفة الاستراتيجية المترتبة على إدخال مفاهيم ذات طابع ميتافيزيقي في مجال يفترض فيه أن يظل محكوما بحسابات القوة والمصلحة.

لقد شهد الخطاب السياسي الأمريكي تحولا تدريجيا في تمثيل إيران، انتقلت بموجبه من دولة إقليمية ذات سلوك قابل للتفسير ضمن منطق التوازنات، إلى فاعل يقدم، في بعض الأدبيات السياسية والإعلامية، بوصفه تجسيدا لتهديد مطلق لا يخضع لقواعد الردع التقليدي.

شهد الخطاب السياسي الأمريكي تحولا تدريجيا في تمثيل إيران، انتقلت بموجبه من دولة إقليمية ذات سلوك قابل للتفسير ضمن منطق التوازنات، إلى فاعل يقدم، في بعض الأدبيات السياسية والإعلامية، بوصفه تجسيدا لتهديد مطلق

هذا التحول لم يكن نتيجة معطى واحد، بل جاء ثمرة تفاعل بين شبكات ضغط، ومراكز تفكير، وخطابات سياسية سعت إلى إعادة بناء صورة الخصم ضمن ثنائية حادة تقصي كل إمكان للوسط أو التدرج.

في هذا السياق، برزت أطروحات تستحضر مقارنات تاريخية قصوى، خاصة من خلال قياس إيران على نماذج تهديدية مثل ألمانيا النازية، وهو ما أدى إلى نقل الصراع من مستوى التنافس الجيوسياسي إلى مستوى الصراع الوجودي.

ومثل هذا النقل ليس بريئا من حيث آثاره؛ إذ يؤدي إلى إغلاق المجال أمام الدبلوماسية، لأن التفاوض مع الشر المطلق يفقد مشروعيته داخل هذا الإطار التصوري، ويعاد تأويله بوصفه ضعفا أو تنازلا غير مبرر.

غير أن هذا التأطير لم يفرض فقط من خارج المؤسسة السياسية الأمريكية، بل وجد تقاطعا مع توجهات داخلية، خاصة لدى تيارات سعت، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، إلى إعادة إنتاج عدو استراتيجي يبرر استمرار التفوق العسكري والانتشار العالمي. وفي هذا السياق، التقت اعتبارات تتعلق بأمن الحلفاء، وفي مقدمتهم إسرائيل، مع منطق أوسع يرمي إلى ضبط المجال الإقليمي للشرق الأوسط وفق توازنات تخدم الهيمنة الأمريكية.

من منظور المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، كما يعبر عنها باحثون مثل جون ميرشايمر وستيفن والت، فإن هذا الانزلاق نحو تبني مفهوم الشر المطلق يمثل انحرافا عن منطق التحليل العقلاني لسلوك الدول. فالدول، مهما بلغت درجة الاختلاف معها، تظل فواعل تسعى إلى تعظيم أمنها ضمن بيئة تنافسية، ولا يمكن فهم سلوكها أو التأثير فيه خارج هذا الإطار. وعندما يتم التعامل مع إيران بوصفها كيانا غير قابل للردع أو الاحتواء، فإن ذلك يدفع نحو سياسات تقوم على التصعيد المستمر بدل إدارة التوازن.

وقد أفضى هذا المنحى، في أكثر من محطة، إلى نتائج عكسية؛ إذ ساهمت سياسات الضغط الأقصى في تعزيز دوافع الردع لدى إيران، بدل إضعافها، مما أدى إلى إنتاج ديناميات تصعيدية متبادلة. ويعكس ذلك مفارقة استراتيجية واضحة: فكلما تم تضخيم التهديد ضمن إطار الشر المطلق، كلما أصبح هذا التهديد أكثر تعقيدا وأقل قابلية للاحتواء.

كلفة الاستراتيجية لتبني مفهوم الشر المطلق لا تكمن فقط في نتائجه المباشرة، بل في أثره العميق على بنية التفكير الاستراتيجي ذاتها

إضافة إلى ذلك، فإن الانشغال المفرط بإيران ضمن هذا التصور الأخلاقي الحاد ساهم في استنزاف جزء معتبر من الموارد الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، في وقت كانت فيه تحولات كبرى تعيد تشكيل النظام الدولي، خاصة مع صعود الصين واستعادة روسيا لدور أكثر فاعلية. وهو ما يطرح سؤال الكلفة الفرصية لسياسة خارجية موجهة جزئيا باعتبارات أيديولوجية، بدل أن تكون محكومة حصرا بمنطق التوازنات الدولية.

ومع ذلك، فإن اختزال السياسة الأمريكية في عامل واحد يظل تبسيطا غير دقيق، إذ تتداخل في تشكيلها اعتبارات متعددة، من بينها المخاوف المرتبطة بالانتشار النووي، وسلوك إيران الإقليمي، وأمن الحلفاء. غير أن ما يظل محل إشكال هو الكيفية التي يؤدي بها توظيف مفهوم الشر المطلق إلى تضييق هامش الخيارات السياسية، وتحويل الصراع من قابلية الإدارة إلى منطق المواجهة المفتوحة.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن الكلفة الاستراتيجية لتبني مفهوم الشر المطلق لا تكمن فقط في نتائجه المباشرة، بل في أثره العميق على بنية التفكير الاستراتيجي ذاتها، حيث يستبدل التحليل المركب بثنائيات حادة، ويختزل التعقيد الدولي في سرديات تبسيطية. ومن ثم، فإن تجاوز هذا المأزق يقتضي إعادة الاعتبار لمنطق واقعي يعترف بأن الفاعلين الدوليين، مهما كانت طبيعة خلافاتهم، يظلون قابلين للفهم والتأثير ضمن إطار المصالح، لا ضمن تصنيفات ميتافيزيقية مغلقة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)