صلوات يهودية على سور مراكش المغربية

محمد كرواوي
"تنشأ المعضلة، وتضطرب الآراء، بين من يرى في الأمر تجسيدا لروح التسامح التي عرف بها المغرب، وبين من يرى فيه خروجا على المألوف"- جيتي
"تنشأ المعضلة، وتضطرب الآراء، بين من يرى في الأمر تجسيدا لروح التسامح التي عرف بها المغرب، وبين من يرى فيه خروجا على المألوف"- جيتي
شارك الخبر
لعل المرء لا يغالي إذا قال إن مدينة مراكش لم تكن يوما مجرد ركام من الحجر، أو تجمعا لبشر، بل كانت، وما تزال، صفحة مطوية من صفحات التاريخ، تقرأ فيها النفس ما تشاء من آيات التعايش وآثار الأولين.

غير أن ما تناقله الناس في هذه الأيام، وما رأوه من مشاهد السياح اليهود، وهم يقفون في خشوع أمام باب دكالة، يؤدون صلواتهم ويتمتمون بدعواتهم، قد أثار في النفوس من الأسئلة ما أثار، وبعث في القلوب من الحيرة ما لا سبيل إلى إنكاره أو السكوت عنه.

فنحن هنا لا نقف أمام سياحة عابرة، يبتغي منها أصحابها نزهة أو ترفيها، وإنما نحن أمام واقعة مثقلة بالمعاني، تدعونا دعوة حثيثة إلى أن نتأمل في هذا الفضاء العام الذي تتقاسمه الأجيال، ونبحث في أسرار تلك الأسوار التي بدت في عيون هؤلاء القادمين كأنها محراب قديم.

والحق أن المرء ليعجب حين يسأل نفسه: لماذا هذا الحائط دون غيره؟ ولماذا باب دكالة على وجه التحديد؟ والجواب، فيما أحسب، لا يكمن في قداسة دينية نصت عليها الكتب، بقدر ما يكمن في تلك الذاكرة الحزينة التي تأبى أن تمحي. فهذه الأسوار لم تكن أبدا صماء، بل كانت شاهدا على عهود كان فيها العيش مشتركا والجوار قائما.

إن هؤلاء الذين يقفون اليوم بزيهم التقليدي، يحاولون، في زعمي، أن يستردوا زمنا ولّى، وأن يقيموا صلة بين حاضرهم وبين بيوت كانت هنا، وأهل كانوا يسعون في هذه المناكب. هي صلاة، نعم، ولكنها صلاة تستنطق الحجر، وتبحث في ثنايا الجدار عن رائحة الأجداد وعن صدى خطوات غابت في غيابات الزمن.

بيد أن هذا التدين الذي خرج من المعبد الضيق إلى رحابة الشارع، قد أحدث في وجدان أهل المدينة نوعا من الارتباك، وجعلهم يتساءلون في ريبة: هل نحن أمام إحياء لذكرى غابرة، أم نحن أمام نوع من التديين لهذا الفضاء الذي ملكه الجميع؟

فمراكش، التي عرفت البيع والمعابد في ملاحها القديم، لم تألف أن ترى أسوارها تتحول إلى قبلة للصلاة والطقوس. ومن هنا تنشأ المعضلة، وتضطرب الآراء، بين من يرى في الأمر تجسيدا لروح التسامح التي عرف بها المغرب، وبين من يرى فيه خروجا على المألوف، وعبثا برمزية المكان التي يجب أن تظل بمنأى عن كل توظيف أو تأويل.

وإذا كنا قد نظرنا  إلى دلالة المكان وسلطان الذاكرة، فإننا لا نستطيع، بل لا ينبغي لنا، أن نغفل عما أحدثته تلك المشاهد من صدى بعيد في دنيا الناس، وما أثارته من لغط في فضاءات التواصل والاجتماع. فالحق أن الأمر لم يقف عند حدود الصلاة والدعاء، وإنما تجاوزه إلى آفاق السياسة وإكراهات الواقع الإقليمي الذي يلقي بظلاله على كل شيء. فما كان بالأمس فعلا تعبديا يرجى منه القربى، أصبح اليوم في عيون الكثيرين حدثا سياسيا يستوجب المساءلة والتحقيق.

ولقد رأينا كيف اضطربت الوسائط الرقمية واختلفت فيها الآراء اختلافا شديدا؛ فبينما كان هناك من يرى في الأمر وجها من وجوه الحرية، كان هناك من رأى فيه استفزازا للمشاعر، وخلطا لا يستقيم بين إرث الماضي وحسابات الحاضر المعقدة.

ولعل أعجب ما في هذه الواقعة هو ذلك الارتباك الهوياتي الذي أصاب الناس، فهم بين إخلاصهم لروح التعدد التي جبلوا عليها، وبين خشيتهم من أن يتحول هذا التعدد إلى ذريعة لفرض أمر واقع لا عهد لهم به. فالمغربي الذي نشأ على احترام الجار، مهما كان دينه أو مذهبه، وجد نفسه أمام مشهد يكسر ألفة المدينة الحمراء، ويدفع به إلى دائرة الشك والريبة.

 ومن هنا، كان لزاما على الدولة أن تتدخل، ليس من باب التضييق على الضمائر أو الحجر على المعتقدات، وإنما من باب الحفاظ على سكينة المجتمع وسيادة الفضاء الذي يجمع الكل. فليس من حق فئة، أيا كانت، أن تجعل من المآثر التاريخية، التي هي ملك للأمة جمعاء، مسرحا لطقوس لم يعهدها المكان ولم يقرها النظام.

والحق أننا نحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى بصيرة نافذة تفرق بين إحياء التراث وبين تديين الفضاء العام تديينا عشوائيا. فالسياحة الدينية، وإن كانت رافدا من روافد المعرفة والوصل بين الشعوب، لا ينبغي لها أن تكون سببا في الفرقة أو مبعثا للقلق.

 إن الدولة المغربية، بحكم تاريخها ورسالتها، مطالبة اليوم بأن تضع للأمر ميزانا عدلا؛ ميزانا يحفظ للزائرين حقهم في استعادة ذاكرة أجدادهم، ويحفظ للمدينة قدسية أسوارها وطمأنينة أهلها. فما كان التعايش يوما فوضى تترك للصدفة، وإنما كان أدبا يلتزم به الجميع، وسلطانا يفرضه القانون، لتبقى مراكش كما كانت دائما، منارة للعلم والسكينة، لا ميدانا للتدافع والجدل.

ومهما يكن من أمر، فإن الأمل يظل معقودا على وعي جماعي يدرك أن قوة المغرب في تعدد روافده، ولكنها أيضا في تلاحم أجزائه واحترام ثوابته. فليصل من شاء حيث يشاء في دور العبادة المعلومة، ولتبق الأسوار والآثار شواهد صامتة على عظمة التاريخ، بعيدا عن صخب الخصومات السياسية التي تفسد على الروح صفاءها، وعلى المجتمع استقراره.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)