بؤرة الاختلال في ليبيا في ظل مؤشر "BTI"

السنوسي بسيكري
"حصلت ليبيا حسب التقرير على 2.31 نقطة من أصل 10 نقاط، وجاء ترتيبها 128 من بين 137 دولة"- جيتي
"حصلت ليبيا حسب التقرير على 2.31 نقطة من أصل 10 نقاط، وجاء ترتيبها 128 من بين 137 دولة"- جيتي
شارك الخبر
تهتم عديد المؤسسات العالمية بقضايا حيوية تدور حولها أولويات الاستقرار والتنمية والتحديث، ومن بين تلك المؤسسات تلك مؤسسة بيرتلسمان ستيفتانغ (Bertelsmann Stiftung) الألمانية التي تصدر دليلا مهما أطلقت عليه مؤشر التحول الأعمال (Business Transformation Index)، والذي غطى 137 دولة حول العالم من بينها ليبيا، وشمل السنوات 2023-2025م.

مؤشر تحول الأعمال يركز على ثلاثة محاور رئيسية هي: التحول الديمقراطي، والحوكمة، واقتصاد السوق. ويقوم كل من هذه المحاور الثلاثة على عدد من المعايير، حيث حصلت ليبيا حسب التقرير على 2.31 نقطة من أصل 10 نقاط، وجاء ترتيبها 128 من بين 137 دولة، وبحسب التقرير فقد كان وضع ليبيا وفق مؤشر تحول الأعمال بالنسبة للمحاور الرئيسية كما يلي:

Image1_6202614165852622142777.jpg
ويعبر المؤشر وفق النقاط التي تحصلت عليها ليبيا عن عمق الأزمة السياسية وحالة التخلف الاقتصادي والمؤسساتي الذي تعانيه البلاد، وعند النظر بالتفصيل إلى مكونات كل محور من محاور مؤشر تحول الأعمال تظهر بجلاء جذور الزمة الليبية، كما يلي:

أولا: التحول السياسي:

Image1_6202614165948692097839.jpg

ثانيا: الحوكمة:

Image1_620261417027357932962.jpg

ثالثا: اقتصاد السوق:

Image1_620261417114897113334.jpg
التقييم أعلاه لا يمكن أن يكون مشجعا، ويظهر حجم الاختلالات الهيكلية والبنيوية في المنظومة السياسية والاقتصادية وفي البناء المؤسسي الليبي، ويتطلب تصحيحا وإصلاحات كبيرة للبناء عليه.

النظر إلى التفاعلات على الساحة السياسية، والتطورات الاقتصادية والاجتماعية يشير إلى غياب بوصلة التغيير والإصلاح كما تعرضها المؤشرات الدولية، والتي من بينها مؤشر "BTI"

وبالنظر إلى المؤشر في مختلف المعايير التي عرضها، فإن الوضع السياسي والمؤسساتي والاقتصادي في ليبيا متدهور ويتطلب جهدا كبيرا للتقدم على مسار الانتقال السياسي والتحول الاقتصادي.

وميزة هذا المؤشر أنه يحدد زاوية التحول المطلوب واتجاهه، إذ لا يمكن التأكد من أن تؤتي خطط الإصلاح السياسي والتوجهات الاقتصادية نتائج مرضية في ظل ظروف سياسية شديدة الحساسية والتعقيد، وضعف مؤسسي كبير. فحالة الدولة والمشاركة السياسية والمؤسسات الديمقراطية وحكم القانون، التي تعكس مدى قدرة المؤسسات السيادية على الإدارة وتنظيم الشأن العام وتحقيق الأهداف الكلية في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأمن، وكذا المساحة الممنوحة لفعاليات المجتمع لتصحيح الانحرافات، عند مستوى أقل من نقطتين من عشر نقاط، إنما هي دليل على أن الهوة بين الواقع الراهن وسقف التغيير الشامل كبيرة.

الأمر ينطبق على عناصر مؤشر الحوكمة ومؤشر التحول الاقتصادي الذي يتضمن الاستقرار المالي والنقدي والأداء الاقتصادية والاستدامة، والتي لم تتعد ثلاث نقاط في أحسن حالاتها.

عليه، فإنه اعتمادا على الحقائق الدامغة التي توصف البيئة السياسية والاقتصادية وواقع المؤسسات العامة في ليبيا، فإن حجر الزاوية في ضمان التحول السياسي والاقتصادي المنشود أن تنفض الدولة والمجتمع عنهما عبار الهزال والتخلف، ويكون ذلك باتساع دائرة الوعي بمتطلبات واشتراطات الانتقال والتحول الديمقراطي والبناء المؤسسي لدى الشرائح الفاعلة، وبقيادة نخبة مؤمنة بأن التغيير يكون من خلال إصلاح جذري يطال المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في البلاد.

إن النظر إلى التفاعلات على الساحة السياسية، والتطورات الاقتصادية والاجتماعية يشير إلى غياب بوصلة التغيير والإصلاح كما تعرضها المؤشرات الدولية، والتي من بينها مؤشر "BTI"، فالكم الهائل من القوانين والقرارات الصادرة عن السلطات التشريعية والتنفيذية، والحراك السياسي والمدني الذي تشرف عليه البعثة الأممية أو الذي تديره مكونات سياسية واجتماعية ومجتمعية محلية، رسمية وشعبية، هو في صدام مع متطلبات البناء الصحيح للدولة والمجتمع، ومجاف للاستراتيجيات والخطط والمقاربات التي تمتص الآثار الكبيرة والخطيرة لحالة التأزيم الراهنة، وتحولها إلى مسار نهوضي صاعد.

الحالة الليبية المأزومة في حاجة إلى عقل ريادي رؤيوي مبدع تلتف حوله نخبة وطنية نزيهة مؤهلة معطاءة، تستقطب جموعا من كافة الشرائح والفئات والمناطق ترى في الحراك الريادي الخلاص من حالة الجمود والتخلف الراهنة، فيتكون من المجموع العام المشروع الإصلاحي التغيير الشامل الذي يقلب الواقع البائس إلى نهضة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ظل الليبيون في انتظارها لعقود.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)