دعوات بمصر لتنصيب السيسي ملكا.. تمديد رئاسته بلا حدود

الدعوات تجاوزت تعديل الدستور إلى المطالبة بإعادة النظام الملكي- الأناضول
الدعوات تجاوزت تعديل الدستور إلى المطالبة بإعادة النظام الملكي- الأناضول
شارك الخبر
انتقلت دعوات مؤيدي رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، مؤخرا بتعديل الدستور بهدف مد فترة حكمه لما بعد انتهاء ولايته الثالثة عام 2030، والتي تلاقي رفضا من جبهات عديدة، إلى المطالبة بتولية السيسي ملكا على مصر، وعودة الملكية للبلاد بعد تغيير الجيش ذلك النظام قبل 74 عاما.

المثير في الأمر أن الكاتب المعارض من الخارج بلال فضل كان قد كتب يوم 23 تموز/ يوليو الماضي في ذكرى "حركة الضباط" في مثل ذلك اليوم من عام 1952 وخلع الملك فاروق، داعيا إلى تنصيب السيسي، "ملكا غير دستوري على مصر"، في حديث ساخر.

تحول حديث فضل، إلى وجهة نظر تتبناها مجموعات عبر الإنترنت داعمة لاستمرار حكم السيسي، وتدافع عن سياساته، وبينها صفحة "صقور المخابرات المصرية"، التي نشرت صورة للسيسي بزي ملكي، وكتبت تقول: "مطالبات شعبية بإعلان الملكية وتعيين الرئيس السيسي ملكا على مصر".



مراقبون ومتحدث لـ"عربي21"، اعتبروا أن "هذه الدعوات مجرد شطحات على وسائل التواصل الاجتماعي، وتمثل في الوقت ذاته بالون اختبار لتهيئة الرأي العام لقبول أية تعديلات دستورية لتهيئة الأمر للسيسي لما بعد 2030"، ملمحين إلى أن "لتلك الدعوات تأثير سلبي على صورة البلاد، وخاصة أمام المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين الأجانب"، موضحين أن "غياب تداول السلطة يمثل عنصر مخاطرة يُضعف ثقة رؤوس الأموال في البيئة التشريعية للبلاد".

تتابع مثير

وانطلقت الشهر الجاري، عدة دعوات ليست لتعديلات بدستور 2014، بل لكتابة دستور جديد "يتواكب مع طموحات الجمهورية الجديدة ويؤسس لاستقرار طويل الأمد"، أطلقها في 13 تموز/ يوليو الجاري، رئيس محكمة الاستئناف خالد القاضي، وطالب بها في 21 تموز/ يوليو الجاري، رئيس حزب "المصريين الأحرار" وعضو مجلس الشيوخ عصام خليل، ما اعتبره محللون "تمهيد غير مباشر لتعديل دستوري يشمل وضع السيسي بعد انتهاء ولايته بعد 4 سنوات".

وأطلق برلمانيون وقيادات شرطية وشخصيات تطلق على نفسها لقب إعلاميين من مؤيدي السيسي، "الحملة الوطنية لدعم الرئيس للإعلام السياسي"، داعين إلى تعديل الدستور بما يحقق مصلحة الوطن ويضمن استمرار الاستقرار ومسيرة التنمية.

اظهار أخبار متعلقة



وتشير تلك الدعوات إلى أن التعديلات المطلوبة ستفوق بكثير تعديلات نيسان/أبريل 2019، والتي زادت الفترة الرئاسية من 4 إلى 6سنوات، ومنحت ولاية السيسي الثانية عامين إضافيين لتنتهي في 2024 بدلا من 2022، وزادته ولاية ثالثة تنتهي عام 2030، بل إن الأمر فاق ذلك بظهور دعوات لبقاء السيسي، "حتى يوم الدين"، وفق قول البعض.

نموذج الحاكم الإله

وفي قراءته، قال السياسي المصري رضا فهمي، إن "نموذج السيسي، نموذج فج، وليس له نظير، وليست المشكلة في نظام الحكم الذي يحكم به، سواء كان ملكي أو حتى ملكية دستورية، أو برلماني، والذي تكون فيه وظيفة الرئيس الفصل بين الدولة ككيان اعتباري، وبين الحكومة ممثلة بالحزب الحاكم، أو رئيس وزراء يأتي على رأس الحزب الفائز بالانتخابات".

رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس الشورى المصري سابقا، لفت في حديثه إلى "عربي21"، إلى أن "السيسي هو نموذج للحاكم الإله، ويرى أنه من المعمرين وفكرة الموت غير واردة أمامه والأمل لديه فسيح، وذلك وفقا للتركية النفسية المعقدة غريبة الأطوار حيث يرى نفسه رسول العناية الإلهية، ومنقذ البشرية، وطبيب الفلاسفة".

واستغرب فهمي، "فكرة طلب بعض الأبواق الموالية لنظامه والتي تقتات على مثل هذه الأمور أن يتحول النظام إلى الملكية بينما كان السيسي، منذ أيام يحتفل بالذكرى الـ74 لثورة 23 يوليو 1952، ويعتبر نفسه امتدادا لها، لكي يقطع الصلة بمرحلة 25 كانون الثاني/يناير 2011، إلى 3 تموز/يوليو 2013، الفترة التي حكم فيها الشعب نفسه بنفسه واختار رئيسه، فبينما يعتبر نفسه امتدادا لـ23 يوليو التي أطاحت بالملك، إذا فهذه كوميديا سوداء، فكيف لثورة أطاحت بالملك أن تدعوا هي نفسها الآن لفكرة عودة الملكية".

وأشار إلى أن "هذا الموضوع يذكر بحدث شهير في كانون الأول/ديسمبر 2010، قبل ثورة يناير بـ25 يوما عندما دعا جهاز (أمن الدولة) في مصر رؤساء المكاتب الإدارية لجماعة الإخوان المسلمين في القاهرة الكبرى، لكي يبلغهم رسالة تقول: (إنكم سوف تترحمون على أيام الرئيس جمال عبدالناصر، وسترون أياما أسوأ بكثير منها)، لتقوم بعدها ثورة يناير لتطيح بمنظومة أمن الدولة وبحكم حسني مبارك".

وخلص للقول: "دع السيسي يحلم، ودع حوارييه يحلمون، فنحن الآن على موعد مع ثورة متجددة في تونس، وحراك متجدد، وعليه لا ندري ما الذي يمكن أن يحدث في مصر، فالأيام حبلى بمواقف وأحداث كبيرة، وشرارة التغيير انطلقت من تونس، وقد تمتد لأقطار أخرى، ومصر مرشحة بقوة لأنها فوق صفيح ساخن، وحجم الأزمات التي انتجها النظام أكبر من قدراته وطاقته وغير قادر على مواجهتها".

غليان في الإقليم

واعتبرت الكاتبة الصحفية مي عزام، توقيت تلك الدعوات في ظل التوترات الإقليمية الجارية والحرب الأمريكية على إيران، نوع من "الغباء السياسي"، متسائلة: "أليس مبكرا جدا الحديث عن تعديل الدستور من أجل فتح مدة الرئاسة إلى ما شاء الله؟".

اظهار أخبار متعلقة



وتشهد المنطقة العربية حالة جديدة من الغليان وسط توقعات بأن تنتقل إلى مصر من تونس التي تشهد خروج الآلاف احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية، في عدوى انتقلت للعاصمة الليبية طرابلس ومدن الغرب، إلى جانب بعض المدن السورية.

وبالتزامن مع الحراك الشعبي بتونس، بدت بوادر حراك شعبي مصري، حيث أطلق ناشط من "حملة 300"، هتافا ضد السيسي من ميدان التحرير وسط القاهرة، مطالبا المصريين بالمشاركة في "يوم الكرامة".



وفي مقابل تلك الدعوات والحراك الشعبي في تونس، يُظهر منافس السيسي بالانتخابات الرئاسية السابقة 2024، السياسي أحمد الطنطاوي، استعدادا لخوض المعركة الانتخابية المقبلة في 2030، حيث نشر ‏حزب "تيار الأمل"، منشورا يشيد فيه بقدرات الطنطاوي قائلا: "مصر معاك ستكون بخير".

دعوات لملكية دستورية

وتتزامن حملات دعم وتمديد ولاية السيسي، "حتى يوم الدين"، كما صرحت إحدى المؤيدات، مع توقيع الرئيس المجري تاماس سوليوك، في 19 تموز/يوليو الجاري تعديلا دستوريا ينهي ولايته الرئاسية، بعد خسارة حزب "فيداس" الذي كان يحكم البلاد بالانتخابات البرلمانية الأخيرة.

وقدم الإعلامي حافظ الميرازي، طرحا مثيرا بمقابل طرح البعض تنصيب السيسي ملكا، منتقدا بداية تحول النظام الجمهوري لحكم عسكري مطلق يُفرغ فيه مبدأ تداول السلطة من مضمونه، مشيرا إلى أن "الملكية الدستورية" قد تكون وسيلة للخروج من مأزق الحكم الفردي، مشددا على أن تحويل رئيس عسكري إلى ملك لن يصنع استقرارا، بل بالعودة لملكية دستورية برلمانية يكون فيها الملك رمزا متواضعا وممثلاً للشعب دون سلطة تنفيذية مطلقة.


‎‏
وتعقيبا على طرح الميرازي، رأى الأكاديمي الدكتور عماد شاهين، أن الحل للتخلص من إدارة قادة عسكريين غير مؤهلين سياسيا واقتصاديا، أورثوا مصر تراجعا أضر بمكانتها التنموية والإقليمية، يكمن في التحول لنظام برلماني (سواء ملكي دستوري أو جمهوري شرفي) يفصل بين كيان الدولة الثابت كمفهوم للسيادة، وبين السلطة المتغيرة، عبر رئيس الوزراء والأغلبية البرلمانية، ما يقضي على هوس البقاء بالحكم مدى الحياة والتوريث غير الشرعي.

مبررات الرافضين

وقوبلت تلك الدعوات بحملات رفض واسعة، ورد عليها الكاتب المعارض شوقي عقل، قائلا: "سنطلق حملة لرفض تعديل الدستور، ليس فقط في المستقبل لبقاء الرئيس لما بعد ٢٠٣٠، بل لرفض التعديل الذي تم لزيادة مدة البقاء على الكرسي، واعتبار أن وجود السيسي بالرئاسة غير دستوري منذ انتهاء فترة الثمانية سنوات في ٢٠٢٢، كما ينص الدستور".

وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، أكد أن المطالبة بالتمديد الرئاسي لا تعبر عن رغبة الشعب العريض، بل هي مسرحية موجهة لفئة "الإيجيبتيين" والمنتفعين الذين ترتبط مصالحهم واستثماراتهم ببقاء النظام الحالي.

اظهار أخبار متعلقة



واستنكر الناشط عصام لالا، دعوات التعديل والتمديد، موضحا أنه حصل بالفعل على تمديد من 8 إلى 16 عاما عانى فيها المصريون، منتقدا المنتفعين الذين يتعايشون على ثقافة التملق وحكم الفرد، ومصادرتهم حق الشعب بتداول سلمي للسلطة، مذكرا السيسي بوعوده الأولى لوسائل الإعلام العالمية بعدم السماح بديكتاتورية والاكتفاء بمدتين فقط، مطالبا بالوفاء بالعهود والاحتكام للدستور واستقرار المؤسسات.



حتى المؤيدين

وفي تحول مثير للتساؤلات رفض الكاتب عماد جاد، المؤيد للسيسي، دعوات تعديل الدستور، مؤكدا على أنه وثيقة مقدسة تنظم الحقوق والمدد الرئاسية، ولا يجوز تعديله إلا لمصالح عامة عليا تخص الدولة والمواطنين، وليس لمصالح شخصية، مشيرا إلى رفض الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا الذي نهض باقتصاد بلاده، ورغم المطالبات الشعبية، تعديل الدستور والتجديد له، مطالبا بفتح المجال لرئيس جديد، وتعيين نواب للرئيس، وفتح باب الترشح عام 2030 لعدة مرشحين.



ووصف الكاتب المعروف بتأييده السابق، للسيسي، محمود عمارة، مصر بمركب مائل على وشك الغرق يضم كافة طبقات الشعب، مؤكدا أن مسؤولية الإنقاذ تقع على عاتق الرئيس ، وطرح "روشتة خروج آمن"، بينها الالتزام بالدستور وعدم المساس ببنوده، مع تعيين مدير المخابرات اللواء حسن رشاد نائب لرئيس الجمهورية، والإفراج الفوري عن كافة مساجين الرأي، وتشكيل حكومة اقتصادية بصلاحيات كاملة تركز على التصنيع، والتصدير، والتشغيل، ويكتفي الرئيس بالإشراف والمتابعة خلال سنواته المتبقية.



ألهذا بنيت القصور؟

وتساءل الكاتب مجدي الحداد: "هل بنيت القصور الرئاسية لأجل التوريث؟"، مؤكدا "أن دعوات منح الحاكم خلودا بالسلطة أو تحويلها لملكية، صناعة أمنية ومخططا من السلطة لتكريس الاستبداد، مؤكدا أن المساس بالنظام الجمهوري يمثل حنثا باليمين الدستورية وانتهكا صريحا للمادة الأولى من الدستور، مطالبا المحكمة الدستورية بمحاسبة أصحاب هذه التجاوزات.

وأشار إلى أن الأغلبية ترفض هذا المسار بسبب سوء الإدارة، وأن الداعمين لتلك الدعوات نسبة ضئيلة من المنتفعين أو أطرافا خارجية، ملمحا إلى أن المشاريع الضخمة كالعاصمة الإدارية والقصور الرئاسية ربما أُعدت مبكرا لتتحول إلى "عاصمة وقصور ملكية"، لتسهيل توريث الحكم.



وفي رسالة وجهها إلى السيسي، رئيس شركة "ألبلا طابا" للبلاستيك علي مصطفى الدبيكي، طالبه فيها باحترام الدستور، منبها إياه إلى أن القوة الحقيقية للدولة لا تكمن في استمرار الأشخاص بالسلطة، بل في ترسيخ مؤسسات قوية ونظام دستوري مستقر لا يحتاج لتقليعات أو استثناءات، موضحا أن استقرار سيادة الدستور ودولة القانون هما الضمان الفعلي والأوحد لحماية الجميع من الفوضى.


التعليقات (0)