خطة بولس في ليبيا.. انتقال ديمقراطي أم تكريس للاستبداد؟

السنوسي بسيكري
إذا لم تطرح الخطة للرأي العام بتفاصليها التي ينبغي أن تتضمن مسارا واضحا ومؤطرا زمنيا وبضمانات للالتزام به يفضي إلى الانتخابات، لذا فإن الخطة، وفق معطياتها الراهنة، قد تدفع البلاد أكثر صوب الاستبداد.
إذا لم تطرح الخطة للرأي العام بتفاصليها التي ينبغي أن تتضمن مسارا واضحا ومؤطرا زمنيا وبضمانات للالتزام به يفضي إلى الانتخابات، لذا فإن الخطة، وفق معطياتها الراهنة، قد تدفع البلاد أكثر صوب الاستبداد.
شارك الخبر
في مقابلة مؤخرا مع تلفزيون العربية "الحدث" أكد مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية أن الخطة التي يشرف عليها لإنهاء النزاع في ليبيا هي خطة الولايات المتحدة بإشراف الرئيس ترامب، وهذا التصريح ينهي الجدل الدائر حول مساعي بولس من أنها فردية ولا تمثل البيت الأبيض، وأنها لا تعكس الإرادة الأمريكية حيال حل الأزمة الليبية.

لكنه وفي المقابلة ذاتها أشار بشكل غير مباشر إلى عدم وجود خطة متكاملة، وأن تفاصيل المبادرة يصممها الفرقاء الليبيون، وهذا يتعارض مع التسريبات التي تحدثت عن خطة أمريكية تتضمن مراحل، تبدأ بتشكيل سلطة تنفيذية ثم برلمان انتقالي والبتّ في الدستور وصولا إلى انتخاب البرلمان الدائم والانتخابات الرئاسية، يشملها إطار زمني يمتد من 2026م إلى 2032م.

عدم وضوح الخطة الأمريكية، وغياب أي معلومات موثقة حولها صادرة عن الجهة المعنية، يلقي بظلاله على مواقف الأطراف المعنية بها، وقدر رأينا حالة الذهول والارتباك في المنتظم الليبي تجاهها، إذ لم يصدر عن بولس أي معلومات تكشف عن ملامح واضحة للمبادرة، واكتفى في تصريحاته بالحديث عن هدفها وهو إنهاء الإنقسام، وتوحيد المؤسسات العامة، وألقى بالكرة في ملعب الفرقاء الليبيين بالقول أنهم هم من يصمم تفاصيل الخطة.
بولس ذكر أن الخطة الأمريكية تتناغم مع خارطة الطريق التي تشرف على تنفيذها البعثة الأممية برئاسة هانا تيتيه، وأكد أن المبادرة الأمريكية قصيرة أو متوسطة المدى في مقابل تركيز البعثة على مسائل ذات مدى أبعد، وهذا ربما يعارض التسريبات التي تحدثت عن مشروع مفصل يتجاوز المدى القصير والمتوسط ويعنى بكافة الملفات الكبرى العالقة.

عدم وضوح الخطة الأمريكية، وغياب أي معلومات موثقة حولها صادرة عن الجهة المعنية، يلقي بظلاله على مواقف الأطراف المعنية بها، وقدر رأينا حالة الذهول والارتباك في المنتظم الليبي تجاهها، إذ لم يصدر عن بولس أي معلومات تكشف عن ملامح واضحة للمبادرة، واكتفى في تصريحاته بالحديث عن هدفها وهو إنهاء الإنقسام، وتوحيد المؤسسات العامة، وألقى بالكرة في ملعب الفرقاء الليبيين بالقول أنهم هم من يصمم تفاصيل الخطة.

ما هو واضح من الخطة الأمريكية التركيز على الأطراف النافذة في المشهد، وتمكينها لترتيب الأوضاع بشكل ينهي الانقسام، من خلال تقاسم للسلطة التنفيذية التي تتوزع على مجلس رئاسي وحكومة.

عدم إعلان الوسيط الأمريكي عن مضامين الخطة وإذا ما كانت تعتبر تقاسم السلطة بين النافذين في غرب البلاد وشرقها هو وسيلة إنهاء الانقسام والخطوة الأولى في المسار الانتقالي الذي يفضي إلى انتخاب سلطات تشريعية وتنفيذية دائمة، يزيد المبادرة غموضا ويجعلها في مهب الانتقاد والمعارضة، هذا من جهة.

من جهة أخرى، فإن الخطة ينبغي أن تشتمل على ضمانات لعدم انتكاسها وتوقف عجلتها، وذلك باستمرار السلطة الجديدة كسلطة أمر واقع إلى أجل غير مسمى، وهذا سيناريو مكرور، وقع مع حكومة الوفاق، وتبعتها في ذلك حكومة الوحدة، فما الضمانة أن لا يتكرر هذا الأمر؟!
تسارع خطى الخطة الذي يدلل عليه التحركات الخارجية للأطراف المعنية بتقاسم السلطة في الخارج، والزيارات التي قام بها فواعل بارزة من الفرقاء الليبيين إلى واشنطن مؤخرا، لا يوازيها حوار بناء على المستوى المحلي يمهد لقبول الخطة ويسهم في دعم نجاحها، على العكس تماما، فإن افتراق المسارين قد يكون سببا لتفجر نزاعات ليس فقط في الغرب المعروف بتعدد القوى النافذة فيه، فالشرق مرشح للخلافات بين أبناء الحاكم الفعلي هناك، خاصة اذا لم تدعم القاهرة الخطة بقوة، وهذا ما لم يتأكد بعد، ويمكن أن يكون البيان المشترك بين المجالس السيادية الثلاث، الرئاسي والنواب والأعلى للدولة، مؤشرا قوي على تنازع داخلي حول الخطة، وإشارة إلى عدم رضا مصري كامل.

المقاربة الأمريكية برغم تركيزها على القوى الحقيقة المتحكمة لإنجاحها، إلا أنها متعجلة ولا تأخذ في الاعتبار متطلبات التأسيس الراسخ للانتقال من الأزمة إلى الاستقرار، وهذا يدعم التكهن بأن البيت الأبيض يسعى إلى ترتيب الوضع في البلاد من خلال الجمع بين القوى النافذة في الغرب والشرق فحسب، ولا يخطط فعليا لتعزيز الديمقراطية كما تكرر على لسان ترامب وبعض المسؤولين الأمريكيين
القيادة العامة في الشرق رحبت، إلا أن حكومة الوحدة، كعادتها في التعاطي مع الملفات الحساسة والجدلية، التزمت الصمت، برغم وجود دلائل واضحة على اتساقها مع الخطة، وقد كان بولس صريحا في تأكيد قبول حكومة الوحدة بالمسار الذي يشرف عليه، ويبدو أنهم يرون في التزام الصمت هامشا للمناروة إلى أن تتضح الأمور أكثر وتتحد المواقف المحلية والاقليمية والدولية من الخطة بشكل نهائي.

والخلاصة هو أن المقاربة الأمريكية برغم تركيزها على القوى الحقيقة المتحكمة لإنجاحها، إلا أنها متعجلة ولا تأخذ في الاعتبار متطلبات التأسيس الراسخ للانتقال من الأزمة إلى الاستقرار،  وهذا يدعم التكهن بأن البيت الأبيض يسعى إلى ترتيب الوضع في البلاد من خلال الجمع بين القوى النافذة في الغرب والشرق فحسب، ولا يخطط فعليا لتعزيز الديمقراطية كما تكرر على لسان ترامب وبعض المسؤولين الأمريكيين، إذا لم تطرح الخطة للرأي العام بتفاصليها التي ينبغي أن تتضمن مسارا واضحا ومؤطرا زمنيا وبضمانات للالتزام به يفضي إلى الانتخابات، لذا فإن الخطة، وفق معطياتها الراهنة، قد تدفع البلاد أكثر صوب الاستبداد.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)