فاجأ مجلس النواب والمجلس الرئاسي والمجلس
الأعلى للدولة الليبيين باتفاق بينهم يقضي بإجراء الانتخابات العامة في 27 فبراير
العام 2027م، والمفاجأة لا تقتصر على الاتفاق بين أجسام خرجت من رحم النزاع ودأبت
في مواقفها على إذكاء النزاع وليس احتوائه، بل إن حيثيات الاتفاق تمثل في حد ذاتها
تطورا لم يكن في حسبان وتقدير جل إن لم يكن كل المراقبين.
البيان الصادر عن الثلاثي السيادي يؤكد على
إجراء الانتخابات في الموعد المقرر وفق قوانين الانتخابات التي توافقت عليها لجنة
6+6 واعتمدها مجلس النواب بعد إجراء تعديلات، كانت محل اعتراض شريكه في إدارة
المسار السياسي، المجلس الأعلى للدولة، وظل الخلاف حول تلك القوانين أحد أبرز
أسباب تعطيل المسار السياسي.
من الواضح أن حفتر، لدواعي مصلحة خاصة، وربما بطلب أو ضغط خارجي، اتجه إلى ترتيب البيت الداخلي عبر تقديم ابنه صدام ليكون خليفته، والاجتماع الأخير الذي جمعه بأولاده الفاعلين ضمن جبهة الشرق، ونقلته وسائل الإعلام، هو بمثابة تهيئة للرأي العام لهذه الترتيبات.
البيان كشف عن تجاوز مسألة خلافية لا تقل
أهمية وهي تمترس المجلس الأعلى للدولة حول قصر الانتخابات على البرلمانية، فيما
يدفع مجلس النواب إلى المزامنة بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وإلغاء
الثانية في حال إخفاق الأولى، وهو الذي واجه اعتراضا من الأعلى للدولة ومن يقف
مواقفه من أنصار في المنطقة الغربية لسنوات.
الإضافة اللافتة في الاتفاق هي إلزام الرئيس
المنتخب بدعوة الهيئة الوطنية لصياغة الدستور لإدارة حوار مجتمعي يخلص إلى وضع
دستور دائم للبلاد.
في البيان ومضامينه نقاط فنية وسياسية
وقانونية هي محل تساؤل بل ونقد، منها عدم تعبير الاتفاق على مواقف الأجسام في
مجموعها، واقتصارها على رئاسة تلك الأجسام، إذ لم تقع مداولات حول مضامين الاتفاق
على مستوى كل جسم والتصويت على الاتفاق ليتم الإعلان عنه.
لكن السؤال الذي يسترعي الانتباه يدور حول
دوافع هذا التطور في مواقف الأجسام السيادية، خاصة موقف المجلس الأعلى للدولة، ذلك
أن الهوة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة كبيرة إلى عهد قريب جدا، ولم يقع
بين الجسمين جولة تفاوض بمنطلقات مختلفة تسفر عن تجاوز الخلافات الكبيرة والوصول
إلى اتفاق على موعد قريب للانتخابات.
القفزة الكبيرة التي تجاوزت خلافات بل
نزاعات مستحكمة ربما تكون مدفوعة بالتطورات الجديدة على الساحة السياسية الليبية
التي هي إفراز للحراك السياسي الذي قاده مستشار الرئيس ترامب،
مسعد بولس، وخطته
المتعلقة بتقاسم السلطة بين ممثلي جبهتي الغرب والشرق، حكومة الوحدة الوطنية،
والقيادة العامة.
البيان أشار إلى تفاهمات القاهرة، والأخيرة ليست بعيدة عن أي تطور مهم في المشهد الليبي، والقرائن تدعم فرضية عدم ارتياح مصر لخطة بولس، ولم يظهر في تحركات صدام الخارجية ما يشير إلى متانة العلاقة مع مصر، ويبدو أن حبال الود موصلة بخالد وبلقاسم حفتر أكثر من وصلها مع صدام، وهذا يعني أن التقارب بين الأجسام السيادية محل النقاش يلقى دعم القاهرة.
غلب على تقييم كثير من المراقبين أن
المعارضة النشطة لخطة بولس من قبل جموع فاعلة في الغرب الليبي أنهت المبادرة
وأخرجتها من سياق التدافع الليبي، حتى قدر بعضهم موت
الخطة قبل ولادتها.
غير أن سياق الأحداث الأخيرة يشير إلى جهود
لإنعاش الخطة، وقد تكون هذه الجهود سببا وراء توافق الأجسام الثلاثة المشار إليه.
من الواضح أن حفتر، لدواعي مصلحة خاصة،
وربما بطلب أو ضغط خارجي، اتجه إلى ترتيب البيت الداخلي عبر تقديم ابنه صدام ليكون
خليفته، والاجتماع الأخير الذي جمعه بأولاده الفاعلين ضمن جبهة الشرق، ونقلته
وسائل الإعلام، هو بمثابة تهيئة للرأي العام لهذه الترتيبات.
الاتصالات والتواصلات الخارجية التي أجراها
صدام، واستقباله من قبل الرئيس الفرنسي الذي من المؤكد أنه كان لغاية تتجاوز
مسؤوليات وصلاحيات صدام كونه نائب القائد العام للجيش التابع لمجلس النواب، فذلك
استقبال يقوم به نائب وزير الدفاع أو حتى الوزير نفسه، وليس رئيس البلاد، إلا إذا
كان المقصود إلقاء حجر كبير في الماء الذي ركد بعد الهبة الكبيرة ضد خطة مسعد
بولس، والتي تصدرتها القوى السياسية والاجتماعية والعسكرية في مدن الغرب الليبي،
مصراتة والزاوية وطرابلس.
البيان أشار إلى تفاهمات القاهرة، والأخيرة
ليست بعيدة عن أي تطور مهم في المشهد الليبي، والقرائن تدعم فرضية عدم ارتياح مصر
لخطة بولس، ولم يظهر في تحركات صدام الخارجية ما يشير إلى متانة العلاقة مع مصر،
ويبدو أن حبال الود موصلة بخالد وبلقاسم حفتر أكثر من وصلها مع صدام، وهذا يعني أن
التقارب بين الأجسام السيادية محل النقاش يلقى دعم القاهرة.
من جهة أخرى، فقد تحدثت مصادر مطلعة عن حراك
يبدو أنه يهدف إلى تعديل في موقف مكونات وفواعل وازنة في الغرب الليبي من خطة
بولس، ومحور هذا الحراك حوارات مع شخصيات مهمة بغرض إعادة تقييمها للخطة.
هذا هو السيناريو الأبرز الذي يفسر التطورات
الأخيرة على الساحة الليبية، ويمكن أن يكون في الأفق سيناريو موازي لخطة بولس،
ودعم أي سيناريو بديل ينبني على تقييم لأبعاد زيارة صدام لبعض الدول الأوروبية
واستقباله من قبل الرئيس ماكرون، ومدى التقارب بين واشنطن وباريس فيما يتعلق
بإدارة الأزمة الليبية.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.