وفق الظروف والمعطيات الراهنة من الطبيعي أن
تقع التدفقات الهائلة للمهاجرين عبر دروب غير قانونية من الجنوب إلى الشمال، هربا
من البؤس والعوز والكبت، وطلبا للرخاء والرفاه. وقد كانت
ليبيا دولة عبور للأعداد
الهائلة القادمة من وسط وجنوب القارة الأفريقية ومتجهة إلى أوروبا والولايات
المتحدة منذ عقود خلت، وهي اليوم أكثر بفعل الأوضاع السياسية والأمنية التي تعيشها
البلاد.
كل ما يقع الحديث عنه اليوم من جرائم تتعلق
بالهجرة غير النظامية في ليبيا ليس بجديد، والفارق أنها كانت على مستوى أقل، ولا
يكشف عنها للإعلام بشكل صريح، ولقد كان ملف المهاجرين الأفارقة دائما ورقة شد وجذب
بين النظام الليبي قبل 2011م، في مواجهة الاتحاد الأوروبي وعواصمه الفاعلة، وقد
وظف النظام الليبي هذا الملف في تدافعه مع الغرب، وكان ضمن مفاوضات التسوية التي
وقعت خلال العشرية الأولى من الألفية الثالثة.
المقلق جدا في ملف الهجرة هو استباحة الأراضي الليبية كممرات عبور، والضغط من قبل الأوروبيين لمنعهم من الانتقال إلى المحطة النهائية وهي الدول الغربية، وتورط شبكات واسعة، بعضها مدعوم رسميا، في ملف الهجرة، وعجز الدولة الليبية عن التصدي لهذا العبث المخيف.
اليوم أخذ الملف بعدا أخطر، بعد اتساع نطاق
شبكات الإجرام المتورطة في التهريب، وقاد الوضع المهلهل في البلاد إلى الدفع
باتجاه إيقاف المهاجرين عند الشواطئ الليبية وإبقاءهم هناك، والعمل على تكييف
بقائهم في ليبيا بشكل أو آخر، وهنا مكمن الخطر الأكبر، ذلك أن الأعداد التي حُصِرت
في زيادة، ومساعي وجهود توفير معونات وخدمات لهم على الأراضي الليبية تتسع، كل ذلك
في ظل غياب قوي للدولة الليبية ومؤسساتها، وهشاشة موقفها تجاه خطط الاتحاد وأهم
عواصمه، بل إن الخطب أكبر من ذلك، فقد ثبت عبر تقارير دولية تورط قوى نافذة جدا في
دوائر صناعة القرار في الغرب والشرق الليبيين في عمليات التهريب.
تُظهر خرائط مسارات
الهجرة غير النظامية التي تمرّ عبر ليبيا أن جهات نافذة في الجنوب والشرق، وحتى في الغرب، تُمكّن شبكات التهريب من تنفيذ أنشطتها مستفيدةً من المنافذ الليبية، في مقابل تدفقات نقدية
باتت تشكل مصدرا مهما للتمويل، وهذا هو الأكثر إيلاما في ملف الهجرة اليوم، ولم يكن
من قبيل المناكفة السياسية والتبلي اتهام المكلف بوزارة الخارجية في حكومة الوحدة،
محمد باعور، تورط سلطات الشرق، عبر مطار بنينا الدولي في مدينة بنغازي، في تسهيل
رحلات الانتقال والهجرة من الجنوب إلى الشمال، ومن الشرق إلى الغرب، مع التنبيه أن
مسارات مماثلة في الغرب تفسح المجال لتلك التدفقات، وإن كانت لا تستخدم المنافذ
الرسمية إلا في نطاق ضيق جدا.
المقلق جدا في ملف الهجرة هو استباحة
الأراضي الليبية كممرات عبور، والضغط من قبل الأوروبيين لمنعهم من الانتقال إلى
المحطة النهائية وهي الدول الغربية، وتورط شبكات واسعة، بعضها مدعوم رسميا، في ملف
الهجرة، وعجز الدولة الليبية عن التصدي لهذا العبث المخيف.
إن الحديث عن حقوق للاجئين ينبغي ان تضمن
لهم في ليبيا هو من قبيل السخرية والفجور في الخصومة، فليبيا ليست دار مقر حتى
تطالب بتوفير الحقوق الإنسانية والاقتصادية للمهاجرين، وحتى في حال دعم الاتفاقيات
والمواثيق الدولية لحقوق المهاجرين في مناطق العبور، فإن الحالة الليبية يمكن أن
تكون استثناء، ويعزز هذا التقعيد تقييم الدول الغربية ومراكز الأبحاث الدولية
والنقاد والكتاب لحالة "اللادولة" التي تعيشها ليبيا، والتهديدات التي
تواجه مؤسساتها ومجتمعها، فهل يقبل مطالبة الكيان المخلخل بما تطالب به دول مستقرة
وفاعلة؟!
"الهم" الليبي في ملف الهجرة كبير، والكثير منه ليبي بامتياز، قبل 2011م وبعدها، وأن السياسة والمصالح المادية الضيقة كانت وراء تفاقم خطر المهاجرين غير النظاميين، وبلغ بنا البؤس والانحطاط أن تتربح قوى نافذة في البلاد من التجارة بالبشر وتكون ضمن شبكة خارجية لتهريب المهاجرين لتحقيق مكاسب مادية.
الاتحاد الأوروبي وعواصمه الفاعلة اليوم
يضربون بعرض الحائط اتفاقيات ومواثيق حقوق الإنسان الدولية والمحلية ضمن خططهم
وسياساتهم لمواجهة ما يعتبرونه تهديدات أمنية وديمغرافية من قبل المهاجرين غير
النظاميين، وقد أقرت بروكسل مؤخرا نظاما جديدا لترحيل المهاجرين غير الشرعيين ملزم
لجميع دول الاتحاد، بحيث أنه اذا اتخذت دولة من دول الاتحاد قرارا بترحيل غير
مرغوب فيه يصبح هذا القرار ملزما لكافة الدول الأعضاء، كما انها أقرت خطة مناطق
الاحتجاز المؤقت للمهاجرين، بعضها خارج جغرافيا الاتحاد، وهذا ما ينبغي الحذر منه،
خاصة وأن إجراءات مشابهة قد تم الضغط لفرضها سابقا على حكومة الوفاق الوطني،
وتتكرر اليوم، لتنظيم بقاء المهاجرين على الأراضي الليبية بتمويل من بروكسل
والعواصم الأوروبية.
والخلاصة أن "الهم" الليبي في ملف
الهجرة كبير، والكثير منه ليبي بامتياز، قبل 2011م وبعدها، وأن السياسة والمصالح
المادية الضيقة كانت وراء تفاقم خطر المهاجرين غير النظاميين، وبلغ بنا البؤس
والانحطاط أن تتربح قوى نافذة في البلاد من التجارة بالبشر وتكون ضمن شبكة خارجية
لتهريب المهاجرين لتحقيق مكاسب مادية.
دور
الرأي العام ومكوناته المجتمعية المنظمة
حيوي جدا في مثل هذه التهديدات وضروري لمواجهة تلك التحديات الكبيرة، وما وقع من
تحرك شعبي مهم ويمكن أن يكون دافعا للتخفيف من غلواء هذا الملف المقلق، ومن المؤسف
أن يقع تسييس ملف الهجرة غير النظامية حتى من قبل مكونات المجتمع، ليكون ساحة
للصراع بين التيارات السياسية، وتسجيل النقاط لصالح فصيل ضد آخر، فماذا هكذا تورد
الأبل يا ليبيين!
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.