كيف نقيم "مبادرات" الإفراج عن السجناء السياسيين في ليبيا؟

السنوسي بسيكري
نشارك السجناء وأهاليهم فرحتهم بتنسم هواء الحرية، ونطرب لسماع أخبار إفراج عن دفعات جديدة، لكن ينبغي أن نستحضر أن امتلاء السجون بالمعتقلين لأسباب سياسية هو مؤشر عن أوضاع مأزومة تتطلب الإصلاح الجذري.. فيسبوك
نشارك السجناء وأهاليهم فرحتهم بتنسم هواء الحرية، ونطرب لسماع أخبار إفراج عن دفعات جديدة، لكن ينبغي أن نستحضر أن امتلاء السجون بالمعتقلين لأسباب سياسية هو مؤشر عن أوضاع مأزومة تتطلب الإصلاح الجذري.. فيسبوك
شارك الخبر
قبل أشهر تم الإفراج عن عدد من السجناء من معتقل "امعيتيقة" بالعاصمة طرابلس، والأيام القليلة الماضية أطلقت سلطات الشرق الليبي سراح نحو 250 سجينا دفعة واحدة، وقالت الجهة المعنية بمتابعة هذا الملف، وهي اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجناء، بأن أعداد إضافية سيفرج عنهم، وذلك ضمن "مشروع الاستقرار الوطني" الذي تتبناه "القيادة العامة".

قيمة مثل هذه المبادرات تلمس في الفرحة التي عمت السجناء وأهاليهم، ويدرك ذلك كل من له تجربة تغييب قريب في السجون لأسباب سياسية، ذلك أن ملف ليبيا الحقوقي، منذ نحو خمسة عقود، سيئ، والانتهاكات فاقت الوصف، لكن من القصور في النظر والانحراف في التفكير أن نعتبر هذه المبادرات نهاية المطاف.

الوضع السياسي المأزوم في البلاد يفرض على المراقب تقييما مختلفا لمبادرات الإفراج عن السجناء السياسيين، ليس من منطلق المناكفة والتشويش بل لأجل تثبيت قواعد وتحكيم مبادئ تمهد للانتقال الصحيح من الفوضى والتخلف إلى الاستقرار والبناء المؤسسي.

تكرر في فترات عديدة التعامل مع ملف السجون والسجناء ضمن التدافع بين الفرقاء وكأداة لتحقيق الكسب السياسي أو تماهيا مع ضغوط محلية وخارجية، حتى أنه يتم استقبال الإفراج عن سجناء قضوا سنوات طوال رهن الاعتقال وفي ظروف بائسة ودون حقوق قانونية كمنه وتفضل يحسب للسلطة، وهذا مؤشر على غبش في النظر وخلل في الحكم.
تكرر في فترات عديدة التعامل مع ملف السجون والسجناء ضمن التدافع بين الفرقاء وكأداة لتحقيق الكسب السياسي أو تماهيا مع ضغوط محلية وخارجية، حتى أنه يتم استقبال الإفراج عن سجناء قضوا سنوات طوال رهن الاعتقال وفي ظروف بائسة ودون حقوق قانونية كمنه وتفضل يحسب للسلطة، وهذا مؤشر على غبش في النظر وخلل في الحكم.

من أبرز علامات التخلف وأوضح قرائن تفشي الانتهاكات ضمن تجربتنا السياسية خلال العقود الماضية هو الاعتقال التعسفي والحبس خارج أطر القانونية التي تحفظ كرامة الإنسان، ويستصحب هذا النهج حتى بعد تفجر ثورة فبراير التي كان من بين محركاتها استعادة كرامة الليبيين في ملف الحقوق، وفي مقدمة دوافعها للانتقال إلى وضع تبجل فيه إنسانية الليبيين وتحترم فيها حقوقهم وتصان، فكان من بين علامات عدم تحقيقها أهدافها استمرار تقييد الحريات وتفشي الانتهاكات.

تناقلت مواقع إعلامية عن القيادة العامة ولجنة متابعة أوضاع السجناء أن عملية الإفراج تمت وفق "الضوابط القانونية المعتمدة"، وهنا يبرز سؤال جوهري يخدم اشتراطات الانتقال الصحيح والإجابة عليه هي من صميم عملية البناء المؤسسي التي تعزز قيم ومبادئ سيادة القانون وتحقيق العدالة وحفظ كرامة الإنسان وحقوقه، والسؤال هو: ما هي المرجعية في وضع هذه الضوابط وما هي ضمانات حياديتها واستدامتها واتساقها مع مقومات الاستقرار الشامل والانتقال الصحيح؟!

معلوم لدى كل من يتابع ملف حقوق الإنسان في ليبيا، غربا وشرقا وجنوبا، أنه لا معيار قانوني ودستوري حاكم لاتجاهات وسلوكيات السلطة المعنية بملف السجناء، إذا يشيع حجز حرية المئات دون توجيه اتهامات من قبل جهات الاختصاص، ويستمر حبسهم دون آجال تحددها القوانين، ولا يتم إحالتهم إلى محاكم تتوفر فيها ضمانات العدالة، وفي مقدمة تلك الضمانات استقلال القضاة عن السلطة السياسية والأمنية.

عندما أفرج النظام السابق عن مئات السجناء السياسيين نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وعمت الفرحة مختلف مدن البلاد، أعقب ذلك حملات اعتقال طالت الآلاف، ووقعت مجزرة سجن أبوسليم الشهيرة التي راح ضحيتها ما يزيد عن 1200 سجين سياسي، فلنستل من ذلك العبرة، ولنؤسس لوضع يعزز استقرار البلاد ويصون حقوق الليبيين في كل ربوع البلاد.
المتابع لوضع الحقوق والحريات في ليبيا بشكل عام، وملف المعتقلين لأسباب سياسية خاصة، يلحظ أن إدارتها تخضع لرأي دوائر تنفيذية ضيقة، بعيدا عن سلطة القضاء وفي قطيعة مع القيم الإنسانية التي تحفظ الأدمية، وتصون الحقوق التي تكفلها الشريعة ويؤسس لها الإعلان الدستوري وتدعمها المواثيق الدولية. فإذا قدر المتحكم في ملف المعتقلين، في الغرب والشرق، مصلحة في إطلاق سراحهم فعل، وإذا لم تظهر له تلك المصلحة أبقاهم في سجونهم إلى أجل غير مسمى.

نشارك السجناء وأهاليهم فرحتهم بتنسم هواء الحرية، ونطرب لسماع أخبار إفراج عن دفعات جديدة، لكن ينبغي أن نستحضر أن امتلاء السجون بالمعتقلين لأسباب سياسية هو مؤشر عن أوضاع مأزومة تتطلب الإصلاح الجذري، وأن تصحيح المسار لا ينتهي عند إطلاق دفعات من السجناء، خاصة إذا كانت دوافع سجنهم والإفراج عنهم سياسية، وأن المعالجات ينبغي أن تكون شاملة، تبدأ بإصلاح الهياكل السياسية والقانونية وتنتهي عند إجراءات الاعتقال وضوابطه.

غياب الإصلاح الشامل في البلاد الذي يبدأ بتسوية سياسية تمتد أثارها لكافة المجالات يعني استمرار ارتهان الحقوق والحريات العامة للمصالح السياسية والمنطق الأمني الضيق، فعندما أفرج النظام السابق عن مئات السجناء السياسيين نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وعمت الفرحة مختلف مدن البلاد، أعقب ذلك حملات اعتقال طالت الآلاف، ووقعت مجزرة سجن أبوسليم الشهيرة التي راح ضحيتها ما يزيد عن 1200 سجين سياسي، فلنستل من ذلك العبرة، ولنؤسس لوضع يعزز استقرار البلاد ويصون حقوق الليبيين في كل ربوع البلاد.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)