خلال العقد الماضي، برز اتجاه صاعد في
السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون
الخليجي، يستند إلى ثلاث ركائز أساسية هي:
التنويع في الشراكات الدفاعية الإقليمية والدولية، التحوّط تجاه العلاقة التنافسية
بين الأقطاب الإقليمية والدولية، وأخيراً تعزيز عناصر القوة الذاتية لتأمين مساحة
أوسع من المناورة السياسية.
خلال تلك الفترة، بدا واضحًا أن المزاج
الخليجي تجاه طبيعة العلاقة مع واشنطن يتغير نتيجة لعدد من العوامل لعل أهمّها:
الإتفاق النووي مع إيران عام 2015، والأزمة الخليجية عام 2017، والهجمات على منشآت
أرامكو السعودية عام 2019، والهجمات قبالة السواحل الإماراتية وضد المنشآت المدنية
عام 2021..إلخ. هذه المحطات أثارت تساؤلات داخل العواصم الخليجية بشأن مدى التزام
الولايات المتحدة بأمن حلفائها. كما أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، والانشغال
المتزايد بملفات شرق آسيا وأوكرانيا، عززا الانطباع بأن الخليج لم يعد يحتل الموقع
نفسه في سلم الأولويات الأمريكية، ممّا يشكل فرصة لهذه الدول للبحث عن خيارات أخرى.
في الوقت الذي كانت تطالب فيه إيران خلال الحرب إنهاء الوجود الأجنبي في الخليج مشترطة خروج القوات الامريكية من المنطقة، أدّى العدوان الإيراني على دول المجلس إلى نتائج عكسية. إذ منحت الهجمات واشنطن فرصة استراتيجية لاستعادة موقعها بوصفها الضامن الأول لأمن الخليج.
هذا التحول دفع دول مجلس التعاون إلى تبني
سياسة أكثر براغماتية تقوم على تنويع التحالفات الدولية والانفتاح على قوى جديدة
مثل الصين وروسيا وتركيا والهند وباكستان، وذلك بالتوازي مع تبريد التوترات
الإقليمية، وفي مقدمتها العلاقة مع إيران. لذلك شهدت المنطقة خلال الأعوام الأخيرة
محاولات واضحة لخفض التصعيد، تُرجمت في تطبيع
العلاقات السعودية ـ الإيرانية،
وتكثيف الاتصالات الدبلوماسية، والبحث عن تفاهمات تحقق الأمن والاستقرار.
وفي الوقت الذي كانت فيه دول الخليج تتجه
تدريجيًا نحو تنويع شراكاتها الدولية وتقليل اعتمادها التقليدي شبه الكامل على
الولايات المتحدة، وقعت الحرب الأخيرة. هذه الحرب بدأت بعدوان إسرائيلي ـ أمريكي
على إيران، لكن بدلا من أن تركّز طهران على المعتدين، وتعزلهم، قامت بتوسيع دائرة
الاستهداف بحجج ومبررات مختلفة لتتحول هجماتها فيما بعد ضد دول الخليج إلى عدوان
قائم بذاته يحمل معه تداعيات سلبية على أكثر من صعيد.
المفارقة أنّه في الوقت الذي كانت تطالب فيه
إيران خلال الحرب إنهاء الوجود الأجنبي في الخليج مشترطة خروج القوات الامريكية من
المنطقة، أدّى العدوان الإيراني على دول المجلس إلى نتائج عكسية. إذ منحت الهجمات
واشنطن فرصة استراتيجية لاستعادة موقعها بوصفها الضامن الأول لأمن الخليج. بمعنى
آخر، ساهمت إيران عمليًا من حيث تدري أو لا تدري في إعادة تكريس الحضور الأمريكي
وتعزيز الحاجة الخليجية إليه، عندما قررت استهداف هذه الدول.
فعندما كانت دول الخليج تتعرض للهجوم
الإيراني، بدا أنّ الخيارات التي كان يُعتمد عليها للتنويع بعيداً عن الولايات
المتّحدة لم تكن حاضرة أو جاهزة بعد، حيث لم يكن باستطاعة أي من هذه القوى
الإقليمية أو الدولية القيام بالكثير على المستوى العملياتي العسكري والدفاعي. دول
الخليج تعرضت لحوالي 80% من الهجمات الإيرانية مقابل أقل من 20% لإسرائيل. ادّى
استنزاف إيران للمخزونات الخليجية من الصواريخ الاعتراضية الى إعادة ربط الحاجة
الخليجية بأمريكا.
كلما ارتفع مستوى التهديد الإيراني، ازدادت حاجة دول المنطقة إلى التكنولوجيا العسكرية الأمريكية ومنظومات الدفاع والاستخبارات والتنسيق الأمني. وهذا يعني عمليًا توسيع النفوذ السياسي والعسكري الأمريكي، فضلًا عن تنشيط صفقات التسليح والشراكات الدفاعية طويلة المدى.
ومن هنا تبدو إيران وكأنها أعادت إنتاج
الحاجة الخليجية إلى واشنطن. فبدل أن يؤدي التصعيد ضد دول الخليج العربي إلى تقليص
النفوذ الأمريكي، وفّر مبررات إضافية لتعزيزه. ومع تزايد التوتر، سارعت الولايات
المتحدة إلى رفع مستوى الجاهزية العسكرية، وتكثيف الانتشار البحري، وتعزيز التنسيق
الدفاعي مع الحلفاء الخليجيين. كما عادت لغة “الردع” و”المظلة الأمنية” لتتصدر
الخطاب السياسي والإعلامي في المنطقة بعد فترة من الحديث عن التهدئة والدبلوماسية.
وبموازاة ذلك، دفعت الحاجة الخليجية للحصول
على أنظمة دفاع جوي وبطاريات صواريخ وصواريخ اعتراضية الى عقد صفقات جديدة وضخمة
-بعشرات المليارات من الدولارات- مع الولايات المتّحدة ما كان لها أن تتم لو لم
تتخذ إيران قرار العدوان ضد دول مجلس التعاون الخليجي. هذه الحالة تعيد إلى
الأذهان الظروف التي دفعت أصلًا إلى تأسيس مجلس التعاون الخليجي في ثمانينيات
القرن الماضي، حين شكّلت التهديدات الإقليمية دافعًا مباشرًا لبناء إطار أمني
موحد، وعزز التواجد الأمريكي في المنطقة. فالمخاوف من التهديدات الإيرانية يليها
التهديدات العراقية لاحقاً كانت المحرك الأساسي للتواجد العسكري والانتشار العسكري
الأمريكي في المنطقة.
مهاجمة إيران لدول الخليج منحت واشنطن
موقعًا تفاوضيًا أقوى في علاقتها مع هذه الدول. كلما ارتفع مستوى التهديد
الإيراني، ازدادت حاجة دول المنطقة إلى التكنولوجيا العسكرية الأمريكية ومنظومات
الدفاع والاستخبارات والتنسيق الأمني. وهذا يعني عمليًا توسيع النفوذ السياسي
والعسكري الأمريكي، فضلًا عن تنشيط صفقات التسليح والشراكات الدفاعية طويلة المدى.
من المفارقات أيضاً أنّ استهداف إيران
لمنشآت الطاقة في الدول الخليجية وإغلاق مضيق هرمز، أدّى الى تحويل الولايات
المتّحدة لاكثر مصدّر للنفط في العالم للمرة الأولى منذ حوالي مئة عام. علاوةً على
ذلك، فقد أدّت الإجراءات الإيرانية هذه إلى تحويل واشنطن إلى مصدّر رئيسي للغاز
المسال في العالم بعد أنّ كانت قطر تحتل هذه المرتبة. هذا التحول في سوق الطاقة
والغاز دفع العديد من كبريات الدولي التي كانت تستورد النفط والغاز من الخليج إلى
البحث عن مصدر آمن وموثوق بعد أن جعلت إيران صادرات الخليج غير موثوقة بضربها
منشآت الطاقة واغلاقها المضيق. ونتيجة لذلك، اتجهت هذه الدول إلى إبرام العقود مع
واشنطن. بهذا المعنى، لم تكتف إيران بتكبيد دول الخليج خسائر مادية بل إنّها أمّنت
أرباحا سريعة في المقابل للولايات المتّحدة على حساب دول الخليج!
في المقابل، تبدو إيران أمام معضلة
استراتيجية معقدة. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، وهي تدّعي رفض الوجود الأمريكي
في الخليج واعتباره مصدرًا لعدم الاستقرار. لكن الواقع يقوم أنّها لم توفّر فرصة
ليس فقط للتعاون مع الأمريكيين على حساب الدول الأخرى في المنطقة، بل أيضاً لتعميق
الحاجة إليهم وتعزيز نفوذهم ومصالحهم حتى عندما كانت إيران تدّعي محاربة هذا
الوجود! فرغم سعي الدول الخليجية إلى تنويع الشركاء الدوليين، إلاّ أنّها تدرك أن
الصين وروسيا لا تملكان حتى الآن القدرة على فعل الكثير بدليل الأحداث التي تجري
الان.
باختصار، فإنّ العدوان الإيراني على دول
الخليج أسهم بشكل مباشر في إعادة إنتاج الدور الأمريكي ومنحه مبررات جديدة
للاستمرار والتوسع. وفي السياسة الدولية، كثيرًا ما تؤدي القرارات غير المحسوبة
جيداً إلى نتائج معاكسة للأهداف المعلنة، وربما يكون هذا تحديدًا واحداً من أبرز
النماذج على مثل هذه الحالات.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.