وثائق ابستين ومكانة الولايات المتّحدة الأمريكية

علي باكير
ترسم الوثائق صورة دامغة للنخب الأمريكية كطبقة تحمي نفسها من خلال النفوذ والابتزاز والإغراء والتهديد والسيطرة على مؤسسات النظام المهترئة.. جيتي
ترسم الوثائق صورة دامغة للنخب الأمريكية كطبقة تحمي نفسها من خلال النفوذ والابتزاز والإغراء والتهديد والسيطرة على مؤسسات النظام المهترئة.. جيتي
شارك الخبر
ربما لا نبالغ إذا ما قلنا إن العالم منشغل اليوم بشكل غير مسبوق بكل ما له علاقة بابستين ووثائقه التي تمّ الافراج عن حزء منها مؤخراً ويبلغ عددها قرابة الـ3 ملايين وثيقة. وتؤكد الفضائح التي تكشفها الوثائق الشكوك الدائمة حول شبكات النخب واللوبيات في الولايات المتّحدة الأمريكية فضلاً عن تأثير عالم المال والاعمال على السياسة والثقافة والأكاديميا والطب والأبحاث. وتثبت الوثائق بما لا يدع مجالا للشك حجم التواطؤ المؤسسي، وإفلات النخب من العقاب، والنفاق الأخلاقي الذي كشف عن تصدعات في هياكل السلطة الأمريكية وأضعف صورة الولايات المتحدة المتآكلة أصلاً في الخارج منذ عقود.

وترسم الوثائق صورة دامغة للنخب الأمريكية كطبقة تحمي نفسها من خلال النفوذ والابتزاز والإغراء والتهديد والسيطرة على مؤسسات النظام المهترئة، حيث تفشل المؤسسات في فرض المساءلة والمحاكمة والعدالة. ولا تكشف الوثائق عن حجم الانحطاط الأخلاقي والقيمي والإنساني لسلوك أفراد ومجموعات فقط، بل عن عيوب هيكلية في النظام الأمريكي تعطي الأولوية لمصالح النخب على العدالة.

تثبت الوثائق بما لا يدع مجالا للشك حجم التواطؤ المؤسسي، وإفلات النخب من العقاب، والنفاق الأخلاقي الذي كشف عن تصدعات في هياكل السلطة الأمريكية وأضعف صورة الولايات المتحدة المتآكلة أصلاً في الخارج منذ عقود.
وسلطت الوثائق الضوء على الفشل المؤسسي في الولايات المتحدة وعلى تستر العديد من المؤسسات والمسؤولين الرسميين على النفاذين المتورطين في هذه الوثائق، لاسيما وزارة العدل الامريكية، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ووكالة المخابرات المركزية، مما يعيد تشكيل الرأي العام حول المؤسسات الأمريكية كأدوات للنفوذ السري.

وزارة العدل بالتحديد قامت بعمليات تحرير انتقائية للوثائق، وتم تجاهل التحذيرات بشأن العديد من المتورطين، وإغلاق ملفات بعضهم، بشكل يضمن حماية النافذين ويعرض الضحايا للخطر.  تكشف الوثائق عن طبقة مختلة ومتهتكة تُعتبر الانحراف أمراً طبيعياً. يشوه الثراء والنفوذ المساءلة والعدالة. تظهر الرسائل تجاهلاّ متعمّداً للضحايا وتنميطاً لانتهاك حقوقهم.

ولا شك أنّ واحدة من أهم دلالات حالة ابستين والفضائح التي تم الكشف عنها هي مدى النفوذ الذي تتمتع به أقلية دينية داخل الولايات المتّحدة الامريكية سياسيا واقتصاديا ومالياً وأمنياً، وبشكل يحميها تماماً من مواجهة أي عقوبات حتى في الانتهاكات التي تقوم بها ضد المواطنين الأمريكيين. كما تظهر مدى قوّة الروابط والصلات بين أفراد مثل هذه الحلقات التي تتجاوز ما هو وطني إلى خدمة اطراف أخرى خارجية، وهو ما يعيد النقاش حول سيطرة اللوبي الصهيوني على القرار في الولايات المتّحدة الأمريكية وتجيير قدرات أمريكا لخدمة مصالح إسرائيل حتى لو كان ذلك على حساب الولايات المتّحدة والأمريكيين.

وبعيداً عن المشاكل الداخلية المتفاقمة في الولايات المتّحدة والتي تسلط الفضاح الواردة في وثائق ابستين الضوء عليها، فإنّ تداعيات الاهتراء المؤسساتي والفساد الأخلاقي للنخب في الولايات المتّحدة الأمريكية سينعكس من دون شك على صورة ونفوذ الولايات المتحدة حول العالم. في حقيقة الامر، فانّ الفضائح التي كشفت عنها وثائق ابستين وما يمثله ابستين ـ ليس كشخص، وإنما كطبقة ـ هو انعكاس للتراجع الأمريكي المستمر على مدى اكثر من عقدين من الزمن على كل الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية داخليا وخارجياً.

تساهم الفضائح الناجمة عن وثائق ابستين في انهيار كلي للثقة في المؤسسات الغربية، والمنظومة الدولية، وهي في هذا المجال تعتبر واحدةً من أهم الأحداث الجيوسياسية منذ الحرب العالمية الثانية. تبرز الوثائق كيف أن شبكة إبستاين جعلت الاستغلال وانتهاك حقوق الآخرين والتعدّي عليهم أمراً طبيعياً بين النخب، مما يغذي الغضب العام حول طبقة من المنحرفين والمجرمين الذين يحكمون الغرب مالياً واقتصادياً وسياسياً وأمنياً.
وثائق إبستين تؤكّد هذا المنحنى الأمريكي وتُسرّع منه، مما يعزز الانطباع السائد منذ زمن عن نفاق الولايات المتّحدة وازدواجية المعايير لديها. كما يُسقط اسطورة التفوق الأخلاقي، ويسحب البساط من تحت شمّاعة حقوق الانسان، ويقوض من صورتها ونفوذها عند حلفائها، ويقوي من موقع خصومها على الساحة الدولية، لاسيما الصين.

وتساهم الفضائح الناجمة عن وثائق ابستين في انهيار كلي للثقة في المؤسسات الغربية، والمنظومة الدولية، وهي في هذا المجال تعتبر واحدةً من أهم الأحداث الجيوسياسية منذ الحرب العالمية الثانية. تبرز الوثائق كيف أن شبكة إبستاين جعلت الاستغلال وانتهاك حقوق الآخرين والتعدّي عليهم أمراً طبيعياً بين النخب، مما يغذي الغضب العام حول طبقة من المنحرفين والمجرمين الذين يحكمون الغرب مالياً واقتصادياً وسياسياً وأمنياً.

وفي أوروبا، سيطرت فضائح ابستين عن العناوين وتركت تداعيات كبيرة مما أسقط شخصيات سياسية وأدى الى فتح تحقيقات بحق آخرين. أمّا في الشرق الأوسط، فقد تركزت فضائح الوثائق بمعظمها حتى الآن على إسرائيل والامارات، وعلى العلاقة التي ربطت ابستين مع سياسيين ونافذين في الدولتين، وعلى العلاقة بينهما.

تقوّض الوثائق من السردية الامريكية القائمة على تصدر القيادة في قضايا مثل تعزيز الديمقراطية وحقوق الانسان وجهود مكافحة الفساد، تماماً. وهي تؤدي بشكل عام إلى تسريع انحدار الولايات المتحدة، وتراجع معدلات الموافقة على القيادة الأمريكية عالمياً. وتثبت الوثائق بأن نخب الولايات المتحدة تعمل في عالم موازٍ من الاستثناءات، محمية بمؤسسات مهترئة من الداخل. لا شك انّ نشر هذا الجزء المهم من الوثائق سيتفاعل حتى وقت طويل، فيما سيشكل النشر المتوقع لاحقاً لـ3 ملايين وثيقة أخرى الى زلزال داخلي وخارجي.
التعليقات (0)