ترسيخ الدولة البوليسية الليبرالية-الديمقراطية في الغرب

جوزيف مسعد
"حلفاء أمريكا في كندا وأوروبا لم يعودوا محصَّنين كما كانوا في السابق ضد العدوان الأمريكي"- جيتي
"حلفاء أمريكا في كندا وأوروبا لم يعودوا محصَّنين كما كانوا في السابق ضد العدوان الأمريكي"- جيتي
شارك الخبر
منذ هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001 ومع إصدار قانون باتريوت (القانون "الوطني") القمعي، شهدت الولايات المتحدة، ومعها ما يسمى بالديمقراطيات الليبرالية في أوروبا الغربية التي حذت حذوها بإصدار تشريعات قمعية مماثلة، توسّعا غير مسبوق في الصلاحيات الأمنية الممنوحة للدولة على حساب شعبها، وقد رافق ذلك تعزيز المبررات الأيديولوجية والقانونية لحروبها الإمبريالية في مختلف أنحاء العالم.

وقد توسعت آليات المراقبة التي تم إرساؤها بعد عام 2001 في "الغرب" مرة أخرى خلال جائحة كورونا بين عامي 2020 و2023، ما أدى إلى مزيد من تقليص الحقوق و"الحريات" الليبرالية. ثم بدأت الموجة الثالثة من ترسيخ الدولة البوليسية في هذه "الديمقراطيات" بقمع أي آراء تتعارض مع العقيدة السائدة بشأن الحرب الروسية-الأوكرانية التي اندلعت في شباط/فبراير 2022. وقد انخرطت مؤسسات المجتمع المدني، بما في ذلك الجامعات والمؤسسات الثقافية والأوركسترات والمعارض الفنية ووسائل الإعلام، بنشاط في هذا القمع، من خلال استهداف الشخصيات الثقافية الروسية، بمن فيهم مغنو الأوبرا وقادة الأوركسترا.

ووصلت محاولات القضاء على مركزية اللغة والأدب الروسيين، بما في ذلك مساقات دراسية عن دوستويفسكي، في أقسام وبرامج الدراسات اللغوية والآداب السلافية والروسية في الجامعات، إلى مستويات غير مسبوقة، وإن لم تبلغ بعد أقصى حدودها الممكنة. غير أن هذا الحد الأقصى قد تحقق بعد عملية طوفان الأقصى والإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة التي أدت إلى مقتل وإصابة ما يربو على ربع مليون فلسطيني منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.

حكومات كندا وأوروبا الغربية لم تكن وحدها من أدركت حجم استفادتها التاريخية من نظام الدعاية الأمريكية، بل شاركها في ذلك مثقفوها وفنانوها الليبراليون البيض، الذين دعموا هذه السياسات القمعية إلى حد كبير ضد دول العالم الثالث منذ الحرب العالمية الثانية، في الوقت الذي احتفوا فيه بالامتيازات الديمقراطية الليبرالية التي يتمتع بها المواطنون البيض

ومنذ ذلك الحين، اتخذت الجهود المشتركة للدولة البوليسية الليبرالية- الديمقراطية وإدارات الجامعات لقمع أي مظهر من مظاهر المعارضة للإبادة الجماعية الإسرائيلية منحى معاديا للسامية، إذ جرى تبرير هذا القمع بادعاءات مفادها أن الطلاب اليهود وغير اليهود الذين يعارضون الإبادة الجماعية "يجرحون مشاعر" الطلاب وأعضاء هيئة التدريس اليهود المنكرين للإبادة الجماعية أو المؤيدين لها، ويجعلونهم يشعرون "بعدم الأمان".

ويستند هذا المنطق إلى افتراض معادٍ للسامية مفاده أن من الطبيعي أن يدعم اليهود الأمريكيون إبادة الفلسطينيين. ولم تغير حقيقة أن غالبية اليهود الأمريكيين يعارضون هذه المذبحة ويدينون الإجراءات الإسرائيلية شيئا من موقف الدولة البوليسية أو إدارات الجامعات المتواطئة. وقد أظهر استطلاع رأي حديث واسع الانتشار أن 61 في المئة من اليهود الأمريكيين يعتقدون أن إسرائيل ترتكب جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني، بينما يعتقد 39 في المئة أنها ترتكب إبادة جماعية.

لقد أدت حملات القمع المنسقة هذه، التي نُفذت في عهدي جو بايدن ودونالد ترامب -على الرغم من أن الليبراليين الأمريكيين يميلون إلى اعتبارها ابتكارا ترامبيا- إلى تقويض الحرية الأكاديمية وحرية التعبير والتجمع في الجامعات، وخلق ثقافة من الخوف والرعب داخل الحرم الجامعي. وينطبق هذا الأمر على بريطانيا والولايات المتحدة كما هو الحال في الدول البوليسية الأخرى مثل فرنسا وألمانيا وهولندا، وغيرها.

وفي السياق نفسه، بلغت الحرب على المهاجرين من ذوي البشرة السمراء والسود في الولايات المتحدة، والتي تصاعدت وتيرتها في عهد باراك أوباما الذي رحّل ثلاثة ملايين مهاجر، أبعادا مروعة في عهد ترامب. فإلى جانب استهداف الطلاب وأعضاء هيئة التدريس لمعارضتهم الإبادة الجماعية الإسرائيلية، شملت سياسة الرعب التي مارستها إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية "آيس" في عهد ترامب اختطاف طلاب عرب ومسلمين من الشوارع واحتجازهم في معسكرات اعتقال تمهيدا لترحيلهم.

وفي عامها الأول فقط، اختطفت هذه الإدارة عشرات الآلاف من المهاجرين المتحدرين من أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، بمن فيهم الأطفال، واحتجزتهم في ظروف قاسية أدت إلى وفاة العشرات منهم داخل هذه المعسكرات المروعة، كما جرى ترحيل العديد منهم إلى مركز تعذيب تديره دولة السلفادور. ويمكن النظر إلى اختطاف ترامب لرئيس جمهورية فنزويلا نيكولاس مادورو، وزوجته، واقتيادهما إلى زنازين أمريكية في وقت سابق من هذا الشهر، امتدادا خطيرا لسياسة الخطف هذه.

وإلى جانب اختطاف الأشخاص من شوارع المدن الأمريكية، بما في ذلك سحبهم بعنف من سياراتهم وسحلهم، بات بإمكان العملاء الفيدراليين الآن اقتحام بيوت الأمريكيين دون إذن قضائي. وفي الأيام القليلة الماضية، أوضح سلوك إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية أن المواطنين البيض سيفقدون امتيازاتهم إذا عرقلوا سياساتها العنصرية المتمثلة في اختطاف الأشخاص من ذوي البشرة السمراء والسود، وقد يُعدمون بإجراءات موجزة باعتبارهم "إرهابيين محليين"، كما حدث مؤخرا مع اثنين من المواطنين البيض في مينيسوتا، اللذين تم إعدامهما ميدانيا على أيدي السلطات.

إن تضحية ترامب بالبيض في سبيل سياساته العنصرية الصريحة تمتد كذلك إلى حلفاء أمريكا البيض في أوروبا الغربية وكندا. فحاجة أمريكا المزعومة إلى "المجال الحيوي" -وهو المفهوم الذي ابتدعه هتلر لاجتياح معظم أوروبا- تدفع ترامب إلى الإصرار على ضم بنما وكندا وغرينلاند (مع احتمال ضم أيسلندا أيضا، إذ كثيرا ما يشير ترامب إلى غرينلاند باسم "أيسلندا").

ومن اللافت أن طموحات ترامب في "امتلاك" غزة، التي يجري تنفيذها عبر ما أسماه "مجلس السلام" التابع له، وادعاءه أنه الحاكم "الفعلي" لفنزويلا بهدف نهب نفطها، لم تُثر غضبا يُذكر في أوروبا وكندا، مقارنة بردود الفعل على مخططاته المتعلقة بأراضيهما.

في خطابه الأخير في مدينة دافوس، أقر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني-المدير السابق لصندوق استثمارات ومحافظ بنك مركزي- بأن حلفاء أمريكا البيض كانوا يدركون دائما أن السياسات الإمبريالية والعنصرية الأمريكية لا تنطبق إلا على الشعوب والبلدان غير البيضاء، وأن كندا وأوروبا الغربية تسامحتا معها لأنهما كانتا مستفيدتين منها. قال: ""كنا نعلم أن قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت زائفة جزئيا، وأن الأقوياء كانوا يستثنون أنفسهم منها حينما يكون ذلك ملائما لهم، وأن القواعد التجارية كانت تُفرض بشكل غير متكافئ". وأضاف كارني: "كنا نعلم أن القانون الدولي يُطبق بدرجات متفاوتة من الصرامة تبعا لهوية المتهم أو الضحية"، مؤكدا أن هذه "الخرافة كانت مفيدة" لنا. واعترف كارني: "شاركنا في الطقوس، وتجنبنا إلى حد كبير فضح الفجوات بين الخطاب والواقع". ولكن، بما أن هذه السياسات أصبحت الآن تستهدف معاوني واشنطن من الإمبرياليين البيض بمن فيهم كندا، فقد أضاف بأن "هذه الصفقة لم تعد مجدية": "نحن في خضم قطيعة، وليس في فترة انتقالية".

غير أن حكومات كندا وأوروبا الغربية لم تكن وحدها من أدركت حجم استفادتها التاريخية من نظام الدعاية الأمريكية، بل شاركها في ذلك مثقفوها وفنانوها الليبراليون البيض، الذين دعموا هذه السياسات القمعية إلى حد كبير ضد دول العالم الثالث منذ الحرب العالمية الثانية، في الوقت الذي احتفوا فيه بالامتيازات الديمقراطية الليبرالية التي يتمتع بها المواطنون البيض في "ديمقراطياتهم الليبرالية". وقد أيّد كثير من هؤلاء، صراحة أو ضمنيا، سياسات قمع المواطنين غير البيض داخل بلدانهم، بمن فيهم الأمريكيون الأصليون والأمريكيون من أصل أفريقي وغيرهم، لا سيما خلال حقبة قوانين جيم كرو وما تلاها في الولايات المتحدة، إضافة إلى دعمهم قمع المسلمين والسود الفرنسيين والألمان والبريطانيين والهولنديين في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

وفي الآونة الأخيرة، واصل هؤلاء الشركاء الإمبرياليون الصغار للولايات المتحدة لعب دور فاعل في تفكيك النظام القانوني الدولي الذي أُنشئ بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال تهجمهم المنهجي على المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، ودعمهم لقرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 والذي يهدف إلى تقويض الأمم المتحدة برمتها. وقد أسّس هذا القرار لما سُمّي بـ"مجلس السلام"، برئاسة دونالد ترامب مدى الحياة. ومع الفشل الفاضح لكل من الصين وروسيا في معارضة هذا القرار، تكونان قد حسمتا عمليا مصير النظام الدولي الذي ادّعتا الدفاع عنه، عبر تركه عرضة لعملية التدمير الأمريكية الشاملة.

رفض حلفاء أمريكا الإمبرياليون الصغار في أوروبا الغربية وكندا الانضمام إلى "مجلس السلام"، على الرغم من أن بنيامين نتنياهو، مرتكب جرائم الإبادة الجماعية، وعملاء واشنطن من الحكام العرب والمسلمين -الذين مُنع مواطنوهم مؤخرا من الهجرة إلى الولايات المتحدة بقرار من ترامب- انضموا إليه مقدمين الولاء والطاعة. وصف كريغ مخيبر، المدير السابق لمكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في نيويورك، هذا الترتيب بسخرية لاذعة حين قال: "أعلن موسوليني أنه سيؤسس "مجلس سلام" ليحكم الناجين من المحرقة ويستولي على ممتلكاتهم، ودعا هتلر ليكون عضوا في المجلس. وقد أيّدت عصبة الأمم هذه الخطة".

تشير التطورات التي شهدتها الأسابيع الأخيرة إلى أن التقويض النهائي للقانون الدولي والأمم المتحدة يجري التخطيط له لزيادة صلاحيات الدولة البوليسية الأمريكية داخليا ضد مواطنيها، وخارجيا ضد حلفائها الإمبرياليين البيض الأقل شأنا.

الدعم الأوروبي‑الأمريكي المستمر للإبادة الجماعية الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، وما يصاحبه من تقويض ممنهج للقانون الدولي والمؤسسات الدولية لتسهيل هذه الجرائم، يُستخدم اليوم ضد المواطنين البيض الليبراليين في الولايات المتحدة وضد حلفاء أمريكا في كندا وأوروبا

في كتابه "خطاب حول الاستعمار" الصادر عام 1950، كشف الشاعر والمفكر المارتينيكي المناهض للاستعمار إيمي سيزير، في وقت مبكر عن عقيدة تفوق العرق الأبيض الكامنة في صميم الحساسيات الليبرالية، وذلك من خلال تحليله الشهير لردود الفعل الليبرالية الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية على فظائع النازية. إذ أكد أن النظرة الاسترجاعية التي تبناها المسيحيون الأوروبيون الليبراليون للنازية تتمثل في اعتبارها:

"بربرية، ولكنها البربرية القصوى، البربرية المتوجة التي تختزل كل أشكال البربرية اليومية؛ إنها النازية، نعم، ولكن قبل أن يصبح الأوروبيون ضحاياها، كانوا شركاء فيها؛ لقد تسامحوا معها قبل أن تُفرض عليهم، وغضوا الطرف عنها، وشرعنوا وجودها، لأنها، حتى ذلك الحين، لم تمارَس إلا على الشعوب غير الأوروبية؛ لقد غذّوا تلك النازية، وهم مسؤولون عن نشأتها، وقبل أن تغمر مياهُها المشبعة بالدماء حضارةَ الغرب المسيحية بأكملها كانت تتسرّب وتتدفق من كل شق في تلك الحضارة".

بالنسبة لسيزير، لم تكن النازية سوى استعمار أوروبيّ انقلب على نفسه، وما لا يستطيع البرجوازي الأوروبي "الإنساني والمسيحي جدا في القرن العشرين.. أن يغفره لهتلر ليس الجريمة في حد ذاتها، ولا الجريمة ضد الإنسان، ولا إذلال الإنسان بحد ذاته، بل الجريمة ضد الرجل الأبيض، إذلال الرجل الأبيض، وأنه قد طبق على أوروبا إجراءات استعمارية كانت حتى ذلك الحين مخصصة حصريا لعرب الجزائر، وعمال الهند، وسود أفريقيا".

هناك تشابه قوي اليوم في رد فعل الزعيم الكندي مارك كارني -ومن يمتدحونه ويكررون كلامه- على سياسات ترامب، مع ما أكده إيمي سيزير بشأن موقف الليبراليين الأوروبيين من فظائع النازية، الذين أدانوها فقط بعد أن أصبح الأوروبيون البيض أنفسهم من ضحاياها.

إن الدعم الأوروبي‑الأمريكي المستمر للإبادة الجماعية الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، وما يصاحبه من تقويض ممنهج للقانون الدولي والمؤسسات الدولية لتسهيل هذه الجرائم، يُستخدم اليوم ضد المواطنين البيض الليبراليين في الولايات المتحدة وضد حلفاء أمريكا في كندا وأوروبا، الذين لم يعودوا محصَّنين كما كانوا في السابق ضد العدوان الأمريكي.

لقد أدت التطورات التي حدثت منذ عام 2001 إلى تحويل الولايات المتحدة -وحلفائها الصغار- إلى جمهورية خوف حقيقية بالنسبة لكل مواطنيها، وهو ما كانت عليه دائما بالنسبة لمواطنيها من غير البيض، كما كانت منذ الحرب العالمية الثانية ولا تزل بالنسبة لغير البيض في جميع أنحاء العالم.
التعليقات (0)