الخارجية الأمريكية تعلن الحرب على كافة شعوب العالم غير البيضاء

جوزيف مسعد
"لا تحيد لغة روبيو وأفكاره عن الخطاب والسياسات والأيديولوجيا الأمريكية القائمة على تفوق العرق الأبيض منذ استقلال هذه الدولة العنصرية"- جيتي
"لا تحيد لغة روبيو وأفكاره عن الخطاب والسياسات والأيديولوجيا الأمريكية القائمة على تفوق العرق الأبيض منذ استقلال هذه الدولة العنصرية"- جيتي
شارك الخبر
إذا كان الرئيس دونالد ترامب ووزير حربه بيت هيغسيث قد استهلا مطلع هذا الشهر بإعلان أمريكا "جمهورية مسيحية" خلال إفطار الصلاة الوطني، فإن وزارة الخارجية الأمريكية قد ذهبت أبعد من ذلك بتصنيف الولايات المتحدة جمهورية "مسيحية أوروبية بيضاء". ففي خطاب ألقاه أمام القادة الأوروبيين في مؤتمر الأمن في ميونيخ الأسبوع الماضي، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الحرب على كافة الشعوب غير الأوروبية وغير البيضاء سواء داخل الولايات المتحدة أم عبر العالم.

شدّد روبيو في خطابه على ضرورة استعادة الولايات المتحدة لهويتها البيضاء، مؤكدا: "قد يقع وطننا في النصف الغربي للكرة الأرضية، لكننا سنظل دوما أبناء أوروبا". ورغم وجود أكثر من 140 مليون مواطن أمريكي ليسوا بيضا ولا ينحدرون من أصول أوروبية، فقد توجّه روبيو إلى الأوروبيين بلهجة حازمة قائلا: "إننا ننشد حلفاء فخورين بثقافتهم وتراثهم، ويدركون أننا ورثة ذات الحضارة العظيمة والنبيلة، والذين هم، معنا، على أهبة الاستعداد والقدرة للدفاع عنها".

ولكيلا يغفل الأوروبيون عن الأسس الدينية لهذه الرابطة، حرص روبيو على تذكيرهم بهويتهم المسيحية، مشدّدا على أن "الولايات المتحدة وأوروبا تنتميان لبعضهما البعض. لقد تأسست أمريكا قبل 250 عاما، غير أن جذورها بدأت هنا في هذه القارة قبل ذلك بوقت طويل. فالرجل الذي استوطن وطني وبناه، وصل إلى شواطئنا حاملا ذكريات أسلافه وتقاليدهم وإيمانهم المسيحي كإرث مقدس، ورابط لا انفصام له بين العالمين القديم والجديد".

يأتي خطاب روبيو هذا امتدادا لسياقٍ تاريخي طويل من سياسات معاداة المهاجرين غير البيض التي صاحبت تشكّل الجمهورية الأمريكية ذات الطابع المسيحي الأبيض، وهي السياسات التي أعاد دونالد ترامب تكريسها منذ دخوله الحياة السياسية

يأتي خطاب روبيو هذا امتدادا لسياقٍ تاريخي طويل من سياسات معاداة المهاجرين غير البيض التي صاحبت تشكّل الجمهورية الأمريكية ذات الطابع المسيحي الأبيض، وهي السياسات التي أعاد دونالد ترامب تكريسها منذ دخوله الحياة السياسية. ففي هذا الإطار، لم يكتفِ ماركو روبيو بالتلميح، بل صرّح صراحة بما اعتبره "خطرا" يشكّله المهاجرون الأفارقة والآسيويون واللاتينيون غير الأوروبيين، ليس على أوروبا فحسب، بل على النسيج الديمغرافي والثقافي للمجتمع الأمريكي الأبيض نفسه. وقد لخّص هذا التصور بقوله: "يتعين علينا أيضا فرض السيطرة على حدودنا الوطنية؛ فالتحكم في هوية وعدد مَن يدخل بلادنا، ليس تعبيرا عن رهاب الأجانب، وليس كراهية، بل هو عمل أساسي من أعمال السيادة الوطنية. إن الإخفاق في تحقيق ذلك ليس مجرد تقاعس عن أحد أهم واجباتنا تجاه شعبنا، بل هو تهديدٌ محدق بنسيج مجتمعاتنا وبقاء حضارتنا ذاتها".

لا تحيد لغة روبيو وأفكاره عن الخطاب والسياسات والأيديولوجيا الأمريكية القائمة على تفوق العرق الأبيض منذ استقلال هذه الدولة العنصرية قبل نحو 250 عاما. فمنذ لحظة التأسيس، سنّت تشريعات صريحة لحظر هجرة غير البيض إلى دولتها الاستعمارية العنصرية. فقد نص أول قانون جنسية لعام 1790 على أن الحق في الحصول على الجنسية يُمنح حصرا لأي "شخص أبيض حر" مقيم في البلاد لمدة عامين ولأطفاله الذين تقل أعمارهم عن 21 عاما.

وفي مفارقة لافتة، أبدى روبيو فخرا بأصوله الإيطالية والإسبانية، متجاهلا حقيقة تاريخية مفادها أن الصقالبة والإيطاليين والأيرلنديين لم يصنفوا كـ"بيض" في الولايات المتحدة طيلة القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين. وحتى الإسبان، رغم تفوقهم النسبي على الإيطاليين في المكانة الاجتماعية، إلا أنهم كانوا يُصنفون ضمن البيض "ذوي المكانة المتدنية". كما لم يسلم الكاثوليك الأوروبيون من عداء البروتستانت البيض الذين خشوا أن يدمر هؤلاء "البابويون" الديمقراطية القائمة على تفوق العرق الأبيض.

يبقى من غير الواضح، بحسب روبيو، ما إذا كانت قوانين الهجرة العنصرية الأمريكية، التي لم تنخفض حدتها حتى ستينيات القرن الماضي، قد بنيت على "الكراهية" أم على "المحبة". على أي حال، فقد حظي خطاب روبيو المؤيد لتفوق المسيحيين البيض بتصفيق الجمهور الأوروبي. ولِمَ لا؟ فهذا يتوافق تماما مع تاريخهم.

ولكيلا نسيء الظن في ماركو روبيو، فعلينا التذكير بأن دعواته الأخيرة هي استحضار لدعوات مماثلة تعود إلى القرن التاسع عشر، حيث تصاعدت الدعوات إلى تحالف بين غلاة الأوروبيين البيض المسيحيين ونظرائهم الأمريكيين البيض المسيحيين، وخاصة من جانب البريطانيين. فقد كان وزير المستعمرات البريطاني، جوزيف تشامبرلين، من أبرز المدافعين عن نظرية "التفوق العرقي الجرماني". وفي خطاب تاريخي ألقاه في تشرين الثاني/نوفمبر 1899، حثّ الولايات المتحدة وألمانيا على تشكيل تحالف "جرماني" مع بريطانيا. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تبنى أدولف هتلر ذات الرؤية، في خطاباته عامي 1933 و1934، وعززها في رسالة أرسلها إلى صحيفة ديلي ميل اللندنية في 4 أيلول/سبتمبر 1937، حيث اقترح إبرام تحالف يجمع الإمبراطوريات الثلاث "البيضاء" و"الجرمانية": بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا.

خلال ثلاثينيات القرن الماضي، وانطلاقا من الروابط المسيحية الجرمانية والتضامن الرأسمالي، سعت بريطانيا إلى التقارب مع ألمانيا النازية لمجابهة خطر السوفييت (الذين وُصمت ثورتهم عام 1917 ونظامهم بعد ذلك في الغرب بأنهما "مؤامرة يهودية بلشفية")، وهو ما تُوج بتوقيع الاتفاقية البحرية الأنجلو-ألمانية مع هتلر في حزيران/يونيو 1935، ثم بقبول بريطانيا إعادة هتلر لتسليح منطقة الراين في عام 1936 في انتهاك صريح لمعاهدة فرساي. وفي نهاية المطاف، أتاحت اتفاقية ميونيخ في أيلول/سبتمبر 1938 بين ألمانيا النازية وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا لهتلر غزو الاتحاد السوفييتي، مما دفع السوفييت إلى توقيع معاهدة عدم اعتداء مع هتلر في محاولة لتأجيل غزوه لبلادهم. وقبل توقيع اتفاقية ميونيخ، أكد السفير الأمريكي لدى فرنسا، ويليام سي. بوليت، الذي اعتبر السوفييت قوة آسيوية، على أهمية "وقف الاستبداد الآسيوي وإنقاذ الحضارة الأوروبية من حرب أهلية قد يشنها النازيون، ولكنها قد تنتهي بانتصار آسيوي على أوروبا".

في خطابه الأسبوع الماضي في ميونيخ، وأمام حلفاء واشنطن "البيض" في أوروبا، أعاد روبيو تدوير ذات السردية التاريخية؛ زاعما أن الشيوعية السوفييتية -وليس النازية أو الفاشية المنبثقتين من قلب أوروبا الغربية- هي التي كانت ستدمر "آلاف السنين من الحضارة الغربية" لولا التدخل الأمريكي-الأوروبي. ويفهم من هذا الطرح، أن روبيو يحذر من أن المهاجرين "غير البيض" ودول العالم الثالث قد ينجحون اليوم فيما عجز عنه السوفييت، ما لم تدعم أوروبا الحروب الأمريكية الراهنة ضد كل الشعوب "غير البيضاء".

أسس "الحضارة النبيلة" التي يدعو روبيو إلى بعثها من خلال تحالف متجدد مع "أوروبا البيضاء"، لا تتوقف عند حدود تكريس التفوق العرقي الأبيض والمسيحي فحسب، بل تمتد لتشمل تمجيد حركة الاستعمار الاستيطاني الأبيض

إن أسس "الحضارة النبيلة" التي يدعو روبيو إلى بعثها من خلال تحالف متجدد مع "أوروبا البيضاء"، لا تتوقف عند حدود تكريس التفوق العرقي الأبيض والمسيحي فحسب، بل تمتد لتشمل تمجيد حركة الاستعمار الاستيطاني الأبيض؛ إذ يرى أنه لا ينبغي للأوروبيين والأمريكيين البيض الشعور بـ"الذنب أو الخزي" تجاه هذا الإرث، بل عليهم استبداله بمشاعر "الفخر" والاعتزاز. ويذهب روبيو إلى أبعد من ذلك بالإصرار على تبييض تاريخ الوحشية التي مارستها أوروبا والولايات المتحدة ضد الشعوب غير البيضاء وغير المسيحية، وضد العالم أجمع، معتبرا إياها إنجازا حضاريا، حيث صرّح قائلا: "نريد أن نقوم بذلك معكم، مع أوروبا فخورة بتراثها وتاريخها؛ مع أوروبا التي تمتلك روح خلق الحرية التي أرسلت السفن إلى بحار مجهولة وولدت حضارتنا".

إن التحالف الأبيض عبر المحيط الأطلسي الذي يسعى روبيو إلى تحقيقه هو "تحالف قائم على الاعتراف الذي ورثناه نحن الغرب معا. وهو أمر فريد ومميز ولا يمكن استبداله، لأن هذا، في نهاية المطاف، هو الأساس ذاته للرابطة عبر الأطلسي". وأضاف أنه "على مدى خمسة قرون، قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الغرب في حالة توسع دائم، حيث تدفق مبشروه وحجاجه وجنوده ومستكشفوه من شواطئه لعبور المحيطات، والاستيطان في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات واسعة تمتد عبر العالم".

والواقع أن المستوطنين الأسكتلنديين في أيرلندا الشمالية (والتي لا تزال إلى اليوم مستعمرة-استيطانية بريطانية) هم الذين يعتبرهم روبيو أبطال أمريكا البيضاء والمسيحية: "لقد رسم الأسكتلنديون الأيرلنديون حدودنا، تلك العشيرة الفخورة قوية البنية من تلال مقاطعة ألستر الإيرلندية هي التي أعطتنا ديفي كروكيت ومارك توين وتيدي روزفلت ونيل أرمسترونغ".

وفي هذا السياق، جاء تدخل السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، الإنجيلي البروتستانتي المتعصب، لترجمة ما يعنيه رئيسه في وزارة الخارجية. ففي مقابلته الأخيرة مع الناقد اليميني تاكر كارلسون الذي سأله: "وفقا للكتاب المقدس، سيحصل أحفاد إبراهيم على الأرض التي تشمل اليوم الشرق الأوسط بأكمله، فهل يعني ذلك أن لإسرائيل الحق في تلك الأرض؟"، أجاب هاكابي بإيمان مطلق ودون تردد: "سيكون أمرا جيدا لو استولوا عليها بأكملها".

وعلى النقيض من التصفيق الذي ناله روبيو من القادة الأوروبيين المؤمنين بتفوق العرق الأبيض، فقد أعربت الدول غير البيضاء، مثل مصر والأردن والمملكة العربية السعودية والكويت وعُمان وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي وغيرها، عن استيائها من تصريحات هاكابي؛ واصفة آراءه بأنها "متطرفة"، و"غير مقبولة"، وتمثل "انتهاكا صارخا" للقانون الدولي. ورغم محاولات مسؤولي الإدارة طمأنة القادة العرب بأن مواقف هاكابي هي "رأي شخصي"، إلا أن الصمت المطبق من جانب روبيو وترامب حيال هذه التصريحات لا يبعث على الطمأنينة، بل ويعزز الشكوك حول تبنيها.

لقد وصف روبيو المواطنين غير البيض في الولايات المتحدة وأوروبا، فضلا عن الشعوب غير البيضاء في العالم بأسره، بـ"قوى المحو الحضاري التي تهدد اليوم كلا من أمريكا وأوروبا على حد سواء". أما أولئك الذين يهددون إسرائيل، فقد وصفهم روبيو دون مواربة بـ"البرابرة".
التعليقات (0)

خبر عاجل