الحملة اليمينية الأخيرة في الولايات
المتحدة -والتي التحق بها عدد غير قليل من اليساريين- لإلقاء اللوم على بنيامين
نتنياهو بدعوى جرّ الولايات المتحدة إلى حرب ضد إيران، ليست في جوهرها سوى حلقة
جديدة في مسلسل قديم تهدف إلى تبرئة الولايات المتحدة من جرائمها الإمبريالية،
وإنقاذ
إسرائيل من نفسها ومما يُزعم أنها مكائد نتنياهو.
في الواقع، لا تُفاجئ هذه الحملة أحدا؛
فهي امتداد مباشر لخطاب ترسّخ منذ نحو ثلاثة عقود، قاده نقاد ليبراليون أمريكيون
وأوروبيون وإسرائيليون، دأبوا على انتقاد السياسات الإسرائيلية تجاه
الفلسطينيين
ولبنان وسوريا والمنطقة عموما؛ لكنهم -اختزلوها بمهارة لافتة- في شخص بنيامين
نتنياهو وائتلافه الحكومي، الذين حُمِّل أعضاؤه الجدد مسؤولية
"الانحراف" عن مسار السلام المزعوم الذي قيل إن إسرائيل كانت تسلكه قبل
بزوغ نجم نتنياهو.
ولا يملّ أبرز المدافعين الأمريكيين عن
إسرائيل، الصحفي الصهيوني الليبرالي توماس فريدمان، من ترديد هذه الرواية، وتحميل
نتنياهو مسؤولية "إفساد" السجل الإسرائيلي "المسالم". وكثيرا
ما ينضم إليه في ذلك السيناتور الصهيوني اليساري بيرني ساندرز، بهجماته اللاذعة
على نتنياهو، في محاولات بائسة لتبرئة إسرائيل من جرائمها وجرائم نتنياهو أيضا.
خطاب ترسّخ منذ نحو ثلاثة عقود، قاده نقاد ليبراليون أمريكيون وأوروبيون وإسرائيليون، دأبوا على انتقاد السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين ولبنان وسوريا والمنطقة عموما؛ لكنهم -اختزلوها بمهارة لافتة- في شخص بنيامين نتنياهو وائتلافه الحكومي
وبهذا
المنطق، يُعاد تقديم
الطموحات التوسعية الإسرائيلية، وعدوانها الوحشي المزمن على دول الجوار، واستهداف
جيشها المتعمد للمدنيين، والمذابح اليومية التي يرتكبها مستوطنوها اليهود ضد
الفلسطينيين في الضفة الغربية، وإبادتها الجماعية في غزة، والتصريحات العنصرية
الصريحة لقادتها، التي بلغت حد وصف الفلسطينيين -خلال الإبادة الجماعية في غزة-
بأنهم "حيوانات بشرية"؛ على أنها مجرد انحراف طارئ"، أو
"تحوّل حديث" فرضته ميول نتنياهو وحلفائه من اليمين المتطرف، سواء كانوا
علمانيين أو دينيين.
غير
أن هذه الحجج، رغم حداثة تغليفها، ليست جديدة في مضمونها، بل هي نسخة طبق الأصل من اللوم الذي ألقاه منتقدو
إسرائيل، سواء من الداخل أو من الغرب، على حكومة مناحيم بيغن التي وصلت إلى السلطة
عام 1977؛ وذلك بسبب اجتياحاتها المتعددة للبنان -التي بدأت عام 1978 وتكررت بشكل
أكثر تدميرا عام 1982- وهجومها على المفاعل النووي العراقي الصغير عام 1981، وضمها
للقدس الشرقية وهضبة الجولان في الفترة 1980-1981، وتصعيدها لعمليات قمع
الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة من خلال استحداث قيادة لـ"روابط
القرى" على غرار نظام "فيشي" لتتحدث باسم الفلسطينيين، وعملية الضم
الزاحف للضفة الغربية عبر إنشاء ما يُسمى بـ"الإدارة المدنية"
الإسرائيلية بهدف تجميل مظهر حكمها العسكري وإعادة تسميته، وقمعها للبنانيين من
خلال احتلالها لجنوب لبنان وإنشائها لـ"جيش لبنان الجنوبي" المرتزق
بقيادة سعد حداد لمساعدتها في الإبقاء على احتلالها غير الشرعي، وعمليات البناء
الضخمة للمستوطنات اليهودية في شتى أنحاء الأراضي الفلسطينية والسورية المحتلة،
فضلا عن التصريحات العنصرية ضد الفلسطينيين؛ إذ وصفهم بيغن، على سبيل المثال،
بأنهم "وحوش تسير على قدمين".
في
ذلك الوقت، تحدّث نقّاد ليبراليون -أمريكيون وإسرائيليون- عن الكيفية التي
"دنّس" بها بيغن وحزبه اليميني (
الليكود) صورة "إسرائيل
الجميلة"- حسب تعبير نعوم تشومسكي في توصيف خطابهم- تلك الدولة التي قيل لنا إنها،
قبل عهد بيغن، لم تكن تسعى إلا إلى السلام والحلول الوسط. غير أن ما أغفله -أو
تعمّد تجاهله-هؤلاء المنتقدون، أن الخطاب العنصري ذاته لم يولد مع بيغن، بل سبقه
بسنوات: من موشيه ديان، العمالي، الذي وصف الفلسطينيين، قبل بيغن ونتنياهو، بأنهم
"كلاب" و"دبابير"، إلى الدبلوماسي الإسرائيلي العمالي ديفيد
هكوهين الذي اختصرهم بعبارة لا تقل فجاجة قائلا: "إنهم ليسوا كائنات بشرية،
وليسوا بشرا، بل هم عرب".
إن
ما هو على المحكّ، في ظل هذه التصويرات التشهيرية لنتنياهو، ليس مجرد تحميل نتنياهو وزر السياسات
الراهنة، بل إعادة تأطير مجمل السياسات الاستعمارية الإسرائيلية -داخل إسرائيل
وخارجها، في عهدي بيغن ونتنياهو- بوصفها انحرافا عن "جوهر" مفترض، لا
تعبيرا صادقا عنه. وهكذا يُعاد تسويق إسرائيل كما لو أنها كانت، قبل أن
"يُدنّسها" نتنياهو، كيانا مسالما لا يبتغي سوى التعايش مع جيرانه، قبل
أن يطرأ عليه هذا العارض السياسي المفاجئ.
بطبيعة الحال، لا يمكن قراءة هذا الخطاب
إلا بوصفه اختزالا مضللا للواقع وانفصالا تاما عن حقائقه التاريخية، بل إنه يدفع
الفلسطيني مضطرا -بشكل سريالي- للدفاع عن بيغن ونتنياهو في وجه محاولات التدليس
والتشهير التي تصر على تصوير جرائمهما كخروج عن النص وانحراف عن "النهج
القويم" لإسرائيل؛ في حين أن هذه الجرائم ليست سوى امتداد مبالغا فيه أحيانا
لنهج الحكومات السابقة. وقد أكد بيغن نفسه هذا الاتساق عام 1981، حين واجه منتقدي
القصف المكثف لبيروت، والذي أوقع مئات القتلى، بتذكيرهم -بنبرة لا تخلو من
الاستنكار- بأن ما يُدان اليوم بوصفه وحشية، لم يكن في الأمس القريب سوى ممارسة
مألوفة.
يُعاد تسويق إسرائيل كما لو أنها كانت، قبل أن "يُدنّسها" نتنياهو، كيانا مسالما لا يبتغي سوى التعايش مع جيرانه، قبل أن يطرأ عليه هذا العارض السياسي المفاجئ
إن هذا التوافق المنهجي يجد جذوره
العميقة في العقيدة العسكرية التي صاغها ديفيد بن غوريون، بعد أسابيع قليلة من بدء
الغزو الصهيوني لفلسطين -الذي انطلق في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1947- ففي كانون
الثاني/يناير 1948، وضع بن غوريون المخطط الهندسي لهذا العنف بتصريحه الشهير: "إن
نسف منزل واحد لا يكفي؛ بل المطلوب هو ردود فعل قاسية وعنيفة. نحن بحاجة إلى دقة
متناهية في التوقيت والمكان وحجم الخسائر البشرية". ولم يكتفِ بن غوريون
بالتوجيه العملياتي، بل أرسى القاعدة الأخلاقية (أو اللاأخلاقية) التي سار عليها
خلفاؤه حين أردف: "إذا ما عرفنا العائلة المستهدفة، فيجب علينا أن نضرب بلا
رحمة، بمن فيهم النساء والأطفال؛ وإلا فإن رد الفعل سيفتقر إلى الفاعلية. وفي ساحة
العمليات، لا داعي للتمييز بين المذنب والبريء."
وفي نوبة من الصراحة الفجة التي تهدف
إلى تعرية نفاق خصومه الليبراليين، لم يجد بيغن حرجا في تقديم "قائمة
جزئية" توثق ما لا يقل عن ثلاثين هجوما شنها الجيش الإسرائيلي ضد المدنيين
الفلسطينيين تحت رعاية حكومات حزب العمل السابقة، قائلا: "لقد كانت هناك
عمليات انتقامية منتظمة تُشن ضد السكان المدنيين العرب، كما شارك سلاح الجو في
العمليات ضدهم". والمفارقة هنا لم تكن في الحقائق ذاتها، بل في رعب أبا إيبان،
وزير الخارجية الأسبق وأحد رموز الدبلوماسية الإسرائيلية العمالية الناعمة، الذي
لم يفزعه سجل الإجرام بحد ذاته، بل أفزعه "الترويج" له؛ ففي رده على
بيغن، لم ينفِ إيبان وقوع المذابح، وفي حين لم يشكك في أي من الحقائق التي ساقها
بيغن، إلا أنه استنكر حماقة بيغن في تقديم مادة مجانية لـ"الدعاية العربية"،
معترضا بأن ما قاله بيغن يصور "إسرائيل وهي تُنزل، بكل تهور وعشوائية، أقصى
درجات الموت والعذاب بالسكان المدنيين، في أجواء تذكرنا بتلك الأنظمة التي لا يجرؤ
لا السيد بيغن ولا أنا على ذكر أسمائها".
ولا يشكل توحش المستوطنين اليهود غير
الشرعيين اليوم في الضفة الغربية، تحت مظلة حكومة نتنياهو، انزياحا عن هذا المسار؛
بل هو النضوج الطبيعي لبذرةٍ غُرست في السبعينيات تحت سمع وبصر حكومات حزب العمل،
عقب قيام المستوطنين مباشرة بالاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وتطورت لاحقا
لتشمل حوادث مثل تفجير سيارات رؤساء بلديات فلسطينيين في عام 1980، والاعتداء
بالضرب على الأطفال الفلسطينيين، ومهاجمة منازل الفلسطينيين وبساتينهم. وفي عام
1975، وخلال فترة حكم إحدى حكومات حزب العمل، قام مستوطنون يهود أمريكيون وأتباع
لمائير كاهانا بتشكيل جماعة إرهابية سموها "الإرهاب ضد الإرهاب" شرعت في
شن هجمات ضد المدنيين الفلسطينيين؛ شملت إحراق الصحف، وإطلاق النار على حافلات تقل
العمال الفلسطينيين، ومهاجمة المواقع الدينية الإسلامية والمسيحية في القدس، وغير
ذلك الكثير.
كذلك، فإن عمليات الغزو والاحتلال
الأخيرة التي يقودها نتنياهو ضد الأراضي السورية واللبنانية لا تتعارض بأي شكل من
الأشكال مع السياسات الإسرائيلية التوسعية الراسخة. ولا يمكن اعتبار الخطط
الإسرائيلية لتوسيع أراضيها ابتكارا خاصا بـبيغن أو نتنياهو، مهما أصر النقاد
الليبراليون على ممارسة فقدان الذاكرة التاريخية، بل إن هذه الخطط كانت في الواقع
قيد التنفيذ بالفعل بعد وقت قصير من تأسيس "المستعمرة الاستيطانية". وقد
كان هذا الأمر واضحا بما يكفي قبل وبعد غزو واحتلال قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء في
عام 1956. فقد استلهم "بن غوريون العلماني" الخطاب التوراتي، مخاطبا
الكنيست، عقب غزو عام 1956، بالقول إن الغزو والاحتلال قد استعادا "ميراث
الملك سليمان، الممتد من جزيرة يوتفات في الجنوب وصولا إلى سفوح جبال لبنان في
الشمال". وأضاف: "إن يوتفات" -وهو الاسم الذي أطلقه الإسرائيليون
حديثا على جزيرة تيران- "ستعود لتصبح مرة أخرى جزءا من مملكة إسرائيل
الثالثة!".
وحين أصرت إدارة الرئيس الأمريكي دوايت
أيزنهاور على انسحاب الإسرائيليين، أعرب بن غوريون عن غضبه الشديد قائلا:
"حتى منتصف القرن السادس، ظل الاستقلال اليهودي قائما على جزيرة يوتفات،
الواقعة جنوب خليج إيلات، والتي حررها الجيش الإسرائيلي بالأمس.. إن إسرائيل تعتبر
قطاع غزة جزءا لا يتجزأ من الوطن. ولن تتمكن أي قوة، مهما كان مسماها، من إجبار
إسرائيل على الانسحاب من سيناء. وهكذا تحققت كلمات النبي إشعياء".
وطوال حقبة الخمسينيات، ظل بن غوريون
يردد هذه الطموحات. ففي عام 1953، اقترح "غزو منطقة الخليل"، وفي عام
1954، أضاف أن وزير الدفاع بنحاس لافون قد "اقترح الدخول إلى المناطق منزوعة
السلاح [على الحدود الإسرائيلية-السورية]، والسيطرة على المرتفعات المشرفة عبر
الحدود السورية [أي جزء من هضبة الجولان أو كلها]، والدخول إلى قطاع غزة أو
الاستيلاء على موقع مصري بالقرب من إيلات". كما كان موشيه ديان قد اقترح أيضا
أن تغزو إسرائيل أراضي مصرية في منطقة رأس النقب جنوبا، أو أن تشق طريقا عبر سيناء
-جنوب رفح- وصولا إلى البحر الأبيض المتوسط. وفي أيار/مايو 1955، ذهب أبعد من ذلك
باقتراحه أن تقوم إسرائيل بضم أراضٍ لبنانية تقع جنوب نهر الليطاني. وفي الواقع،
كان الإسرائيليون قد شرعوا بالفعل في تنفيذ خططهم لسرقة كافة الأراضي الواقعة ضمن
"المنطقة منزوعة السلاح" على الحدود مع هضبة الجولان السورية؛ ونتيجة
لذلك، تمكنوا في الفترة ما بين عامي 1949 و1967 من السيطرة بالكامل على تلك
المنطقة منزوعة السلاح بأسرها. وقد تواصلت أطماع إسرائيل الإقليمية في التوسع طوال
الفترة بين عامي 1948 و1967، متربصة بالفرصة المناسبة للغزو.
إن محاولة نتنياهو محو قطاع غزة من
الخريطة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، -على تطرفها الظاهر مقارنة ببعض
ممارسات حكومات حزب العمل في الضفة الغربية- لا تخرج، في جوهرها، عن النسق العام
للاستراتيجية الإسرائيلية. فهي ليست قطيعة، بل حلقة أكثر فجاجة في سلسلة متصلة.
فمنذ احتلال عام 1967، شرع الإسرائيليون
-تحت قيادة حكومة حزب العمل- في محو القرى الفلسطينية من خريطة الضفة الغربية،
تماما كما فعلوا في عام 1948؛ وشمل ذلك قرى بيت نوبا وعمواس ويالو، حيث طردوا
سكانها البالغ عددهم نحو عشرة آلاف نسمة، وأعقبوا ذلك بتدمير قرى بيت مرسم وبيت
عوا وحبلة والجفتلك، وغيرها الكثير.
وفي القدس الشرقية، لم يكن المشهد أقل
دلالة؛ إذ انقضّ الإسرائيليون على حي المغاربة؛ وهو الحي الذي سُمّي بهذا الاسم
قبل سبعة قرون حين انضم متطوعون مغاربة من شمال أفريقيا إلى جيش صلاح الدين في
حربه ضد الفرنجة الصليبيين، وقد ظل هذا الحي وقفا إسلاميا متوارثا عبر الأجيال
لقرون عديدة. ولم يُمنح آلاف السكان سوى دقائق معدودة لإخلاء منازلهم، التي سُوّيت
بالأرض فورا باستخدام الجرافات لإفساح المجال أمام الحشود اليهودية الغازية لدخول
البلدة القديمة والاحتفال بانتصارهم قبالة "حائط البراق"، الذي يُطلقون
عليه اسم "الحائط الغربي". وقد تبنّى أول حاكم عسكري إسرائيلي للأراضي
المحتلة، وهو حاييم هرتسوغ (المولود في أيرلندا والذي أصبح لاحقا سادس رئيس
لإسرائيل)، مسؤولية تدمير هذا الحي المكتظ بالسكان، واصفا إياه بأنه
"مرحاض" قرروا "إزالته"، مضيفا ببرودٍ لافت: "كنا نعلم
أن يوم السبت التالي، الموافق 14 حزيران/يونيو، سيصادف عيد شبوعوت، وأن الكثيرين
سيرغبون في المجيء للصلاة.. ولذا كان لا بد من إتمام العمل بحلول ذلك الوقت".
وعلى المنوال ذاته، فإن الخطط الإسرائيلية التي
أُعلن عنها عقب السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 والرامية إلى طرد من تبقى من
الفلسطينيين في غزة -ممن نجوا حتى الآن من حملة الإبادة الجماعية- لا تمثّل بدورها
ابتكارا خاصا بنتنياهو، بقدر ما تعيد أصداء نقاشات قديمة تعود إلى ما بعد احتلال
1967، إذ شرع مسؤولون في حزب العمل الإسرائيلي، في تلك الفترة، في تداول تصوّرات
حادّة بشأن مصير اللاجئين الفلسطينيين من نكبة 1948 الذين ظلّوا في مخيمات القطاع؛
تراوحت بين ترحيلهم إلى سيناء أو إلى دول عربية أخرى، أو إعادة توزيعهم داخل الضفة
الغربية نفسها.
لم
يُبدِ رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتمي لحزب العمل، ليفي أشكول، أيّ قدرٍ يُذكر من
الندم إزاء مصير أولئك اللاجئين، ناهيك عن مصير اللاجئين الأحدث عهدا الذين طردتهم
إسرائيل خلال حرب عام 1967. وقد ظلّ النموذج اليوناني، المتمثل في طرد السكان
و"تبادلهم" مع تركيا في عام 1923، أحد أبرز مصادر الإلهام للإسرائيليين.
وحين طُرح هذا المثال في النقاش، تدخّل عضو البرلمان اليميني مناحيم بيغن قائلا:
"في اليونان، قاموا بإخراج أتراك وُلدوا هناك، وكان ذلك في إطار
اتفاقية". فردّ عليه أشكول: "هذا بالضبط ما كنت أرغب في قوله؛ فقد رأيتُ
بعينيّ الكيفية التي جرى بها توطينهم". ورغم أن عمليات الطرد التي حرضت عليها
اليونان كانت قد وقعت قبل نحو أربعة عقود من ذلك الحين، إلا أن أشكول -الذي كان
شابا آنذاك- "كان قد سافر إلى اليونان للاطلاع على تجربة إعادة توطين 600,000
لاجئ يوناني قادمين من آسيا الصغرى. وقد كتب في ذلك الوقت واصفا تلك التجربة بأنها
"مشروع ضخم ومثير للاهتمام"، وافترض أنها قد تكون ذات فائدة وإرشاد في
سياق الاستيطان اليهودي في فلسطين.
أما التحركات الأخيرة التي قامت بها
حكومة نتنياهو لضم الضفة الغربية -والتي أدانها الاتحاد الأوروبي- فلا تخرج هي
الأخرى عن الإرث الذي عقبته حكومات حزب العمل الإسرائيلية منذ عام 1967. فمشروع
الاستعمار اليهودي للأراضي المحتلة، المعروف باسم "خطة ألون"، صاغه في
عام 1967 إيغال ألون، الذي كان يترأس اللجنة الوزارية للاستيطان التابعة لحكومة
حزب العمل؛ وقد سعت خطته إلى ضم ثلث مساحة الضفة الغربية ومعظم قطاع غزة (وهو أمر
لا يختلف كثيرا عن خطة نتنياهو الحالية). ورغم أنه لم يسبق لأي حكومة إسرائيلية أن
تبنت تلك الخطة رسميا -مُفضِّلة عليها نهجا استيطانيا قائما على "غياب
التخطيط" المسبق- إلا أنه كانت هناك العديد من خطط الضم التي جرى تداولها
والنظر فيها، ومن أبرزها: "خطة رعنان"، و"خطة ديان"،
و"خطة شارون-واخمان"، و"خطة دروبلس" التي وُضعت تصوراتها في
عام 1978.
وفي الواقع، وبحلول عام 1977 -أي بعد
مرور عشر سنوات على احتلال إسرائيل للأراضي العربية- كانت الحكومات الإسرائيلية
المتعاقبة المنتمية لحزب العمل قد ضمّت القدس الشرقية بحكم الأمر الواقع، وشيّدت
30 مستوطنة يهودية في الضفة الغربية وحدها، وأربع مستوطنات في قطاع غزة، فضلا عن
15 مستوطنة أخرى كانت قيد التخطيط والإنشاء. كما كان ما يزيد عن 50,000 مستوطن
يهودي قد انتقلوا بالفعل للإقامة في المستوطنات اليهودية التي أُقيمت في القدس
الشرقية، والتي بات يُطلق عليها -تضليلا وتزييفا للواقع- اسم "أحياء".
كذلك، أنشأت حكومة حزب العمل غالبية المستوطنات الثماني عشرة في شبه جزيرة سيناء
قبل انتخاب حزب الليكود.
لقد كان أعضاء حزب العمل الإسرائيلي هم
أيضا من قاموا، في عام 1972، بطرد 10,000 مصري بعد مصادرة أراضيهم في عام 1969.
وقد مضوا قدما في تجريف وتدمير منازل هؤلاء المصريين ومحاصيلهم ومساجدهم ومدارسهم،
بهدف إقامة ستة "كيبوتسات" (مستوطنات جماعية)، وتسع مستوطنات يهودية
ريفية، والمدينة-المستوطنة اليهودية "ياميت" في سيناء المحتلة. وفي
نهاية المطاف، أُقيم ما مجموعه 18 مستوطنة يهودية في سيناء. أما في هضبة الجولان،
فقد أُنشئت أول مستوطنة يهودية في تموز/يوليو 1967 تحت اسم "كيبوتس جولان".
وفيما يتعلق بعمليات الطرد المتسارعة
والمستمرة للفلسطينيين من منازلهم في القدس الشرقية على مدار السنوات الثلاث
الماضية، فإن هذه الممارسات لا تُعد أيضا من "ابتكارات" نتنياهو، بل هي
استمرار أمين للسياسة الإسرائيلية المتبعة منذ عام 1967. ففي ذلك الحين، كان
الإسرائيليون قد طردوا ما بين 4000 إلى 5000 لاجئ فلسطيني كانوا يقطنون في
"الحي اليهودي" بالقدس الشرقية؛ وهو الحي الذي كانت نسبة الأراضي
المملوكة لليهود فيه، قبل عام 1948، تقل عن 20 في المئة، حيث لم تكن الممتلكات
اليهودية تتجاوز ثلاث كُنُس وما يحيط بها من ملحقات. وفي عام 1948، فرّ سكان الحي اليهود،
البالغ عددهم 2000 نسمة، إلى الجانب الخاضع للسيطرة الصهيونية عندما دخل الجيش
الأردني إلى القدس الشرقية. ولم يكن هذا الحي -الذي تقل مساحته عن 5 أفدنة- حكرا
على اليهود قط؛ إذ كان المسلمون والمسيحيون يشكلون غالبية سكانه، كما أن معظم
اليهود الذين عاشوا فيه كانوا يستأجرون عقاراتهم منهم، أو من الأوقاف المسيحية
والإسلامية التي كانت تمتلك تلك العقارات.
وبعد الاحتلال الإسرائيلي، خضع الحي
لعملية توسعة هائلة ليمتد على مساحة تزيد عن 40 فدانا، أي عشرة أضعاف مساحته
الأصلية. وكان "الحارس الأردني على أملاك الغائبين" قد احتفظ بجميع
الممتلكات اليهودية مسجلة بأسماء أصحابها الأصليين، ولم يقم بمصادرتها. وقد أُعيدت
الممتلكات اليهودية في القدس الشرقية إلى أصحابها اليهود الإسرائيليين بعد عام
1967، في حين قامت الحكومة الإسرائيلية بمصادرة جميع الممتلكات الفلسطينية الواقعة
داخل الحي. أما الممتلكات الفلسطينية في القدس الغربية -التي كان الإسرائيليون قد
صادروها في عام 1948-فلم تُعد إلى الفلسطينيين القاطنين في القدس الشرقية، والذين
طالبوا باستردادها في وقت لاحق.
محاولة لتبرئة ساحة إسرائيل من جرائمها البشعة المتواصلة منذ عام 1948، وتحميل نتنياهو وحده وزر هذه الفظائع بشكل غير مستحق وتصويره كزعيم "مارق" يشذّ عن "القيم الأخلاقية" المزعومة للمستعمرة الاستيطانية اليهودية، ليست سوى استراتيجية دعائية يجب فضحها وكشف حقيقتها
لقد وضعت حكومة حزب العمل القدس الشرقية
تحت مظلة بلدية القدس الغربية الموسعة في 29 حزيران/يونيو 1967، مما شكل ضمّا
فعليا لها بحكم الأمر الواقع؛ حيث قامت الحكومة بإقالة رئيس بلدية المدينة
الفلسطيني-الأردني (الذي رُحّل لاحقا) وحلّت مجلسها البلدي، ليلي ذلك
"تهويد" كامل لإدارة المدينة. ومباشرة عقب احتلال المدينة، أُعلنت
"موقعا أثريا"، وهو ما عنى حظر أي أعمال بناء فيها، وشرع الإسرائيليون
في إجراء حفريات أثرية تحت الأرض في محاولة يائسة للعثور على "الهيكل
اليهودي"، الأمر الذي أدى إلى تدمير مبانٍ فلسطينية تعود للقرن الرابع عشر،
ومن بينها "التكية الفخرية"، و"المدرسة التنكزية"، وعشرات
غيرها. وقد واصلت حكومة حزب الليكود هذه العملية حين ضمّت المدينة بحكم القانون في
عام 1980، وهي خطوة أعلن مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 478 أنها "لاغية
وباطلة".
ومنذ ذلك الحين، تسارعت وتيرة الحفريات
وأعمال الحفر أسفل المواقع الإسلامية المقدسة وبجوارها، بحثا عن "الهيكل
اليهودي الأول" القديم الذي ظل عصيا على الاكتشاف ولم يُعثر عليه قط، هذا
بافتراض أنه كان موجودا أصلا. كما بدأت عمليات تهجير المقدسيين الفلسطينيين، لا
سيما من خلال مصادرة بطاقات الإقامة الخاصة بالعشرات من سكان المدينة الفلسطينيين؛
وهي ممارسة لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا. ويُعد إغلاق المسجد الأقصى خلال
الأسابيع القليلة الماضية، ومنع المسلمين الفلسطينيين من الصلاة فيه خلال أيام
العيد، مجرد أحدث حلقة في سلسلة هذه الإجراءات.
تأسيسا على ما تقدّم، فإن أي محاولة
لتبرئة ساحة إسرائيل من جرائمها البشعة المتواصلة منذ عام 1948، وتحميل نتنياهو
وحده وزر هذه الفظائع بشكل غير مستحق وتصويره كزعيم "مارق" يشذّ عن "القيم
الأخلاقية" المزعومة للمستعمرة الاستيطانية اليهودية، ليست سوى استراتيجية
دعائية يجب فضحها وكشف حقيقتها باعتبارها مجرد دعاية وأكاذيب تهدف إلى إضفاء
الشرعية على الكيان الاستيطاني الاستعماري الإسرائيلي وتطهيره من جرائمه.
إن الحقيقة التي يثبتها سجل الوقائع هي
أن نتنياهو ليس انحرافا عن المسار، بل هو التجسيد الأمين له. ومن هنا، تبرز ضرورة
أن يكون الفلسطينيون في طليعة المتصدين لهذه المحاولات التشهيرية التي تستهدف
نتنياهو بغرض تزييف التاريخ؛ ليس دفاعا عن شخصه، بل ذودا عن "حقيقة الجريمة"
التي يحاول الليبراليون طمسها. يجب وينبغي الدفاع عن نتنياهو بوصفه مجرم حرب أصيلا،
لا يختلف -زيادة أو نقصانا- عن أسلافه من رؤساء الوزراء الذين أرسوا دعائم هذا
الكيان على أنقاض الوجود الفلسطيني والعربي منذ عام 1948.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.