تحت قصف الصواريخ، وفي ظل حرب إقليمية متصاعدة في قلب الشرق الأوسط، هناك
جبهة أخرى تبدو وكأنها صمتت مؤقتا بعد أن حبست أنفاس العالم لأكثر من سنتين. إنها
غزة التي تحولت إلى خرابة، تحيط بأحيائها المهدمة عشرات الآلاف من الخيام الممزقة
التي لا تقي سكانها من الحر أو من البرد. لقد نسيها العالم من جديد لينشغل بالحرب
الأكبر في الشرق الأوسط، الدائرة بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى.
ومع ذلك يتابع الغزاويون بدورهم هذه الحرب التي تدور فوق سمائهم، يسمعون صواريخها،
ويشاهدونها وهي تنزل فوق المؤسسات الحساسة للصهاينة، الذين كانوا قبل وقت قصير هم
الذين يقصفون الفلسطينيين بدون رحمة ولا خجل.
ولا شك هي لحظة تاريخية لها معان كثيرة، بعد أن تحول المتغطرس إلى "ضحية".
مع ذلك، قد ينفجر صاروخ إيراني فتسقط شظاياه فوق رؤوس الغزاويين، مثلما حصل للنساء
اللاتي اجتمعن في مكان أطلق عليه مجازا "صالون حلاقة"، لكي يتزينّ قبل
حلول
العيد، فأصابهن جزء هذه الصواريخ، وقضى على أربع منهن لكي تتحول لحظة الفرح
إلى مأتم.
رغم فقد الأحبة، وسيطرة الخوف من جنود قساة يقفون وراء الخط الأصفر، وأجسامهن النحيفة، فاقدات الدعم والرعاية، قررت نساء غزة الاحتفال بالعيد، وإسعاد أبنائهن بالشيء القليل
رغم هذا المناخ القاتم والمستقبل الملغم، بقي لدى أهل غزة قدر من الصبر
والإيمان والأمل. تتأكد من ذلك عندما تستمع للنساء وهن حائرات، يتنقلن من مكان
إلى آخر بحثا عن لقمة بسيطة تمكنهن من إسكات أبنائهن الجائعين، ولكن عندما تقترح
عليهن مغادرة غزة وتعدهن بوضع أفضل، تجيب الأغلبية بكل أنفة: لن نغادر أرضنا مهما
كان الثمن. وتسأل عن عدد أطفالهن فيجبن بين خمسة وعشرة أفواه مفتوحة، وتسأل عن
أزواجهن، فتسمع جوابا متكررا "زوجي شهيد". عندها يتملكك إحساس غريب،
فأنت لست أمام نساء عاديات.. هن كائنات مختلفة.. ببساطة هن "فلسطينيات يتحدين
هذا الزمن الرديء". فرغم فقد الأحبة، وسيطرة الخوف من جنود قساة يقفون وراء
الخط الأصفر، وأجسامهن النحيفة، فاقدات الدعم والرعاية، قررت نساء غزة الاحتفال
بالعيد، وإسعاد أبنائهن بالشيء القليل.
لم يتغير شيء في غزة، لم يرمم أي بيت، لم يرفع أي كوم من التراب؛ الشيء
الوحيد المسموح به هو زيادة الشاحنات المحملة بالمساعدات والتي يتراجع عددها بقرار
أهوج من سلطات الاحتلال. فأين مجلس السلام الذي أقامه ترامب على أنقاض جثث آلاف
الفلسطينيين بحجة إنقاذهم؟ لقد تبين بما لا يحتاج إلى دليل أنه كان مجرد مسرحية سيئة
الإخراج، لم يجن منها الفلسطينيون سوى إيقاف الإبادة الجماعية. كل ما توصل إليه هذا
المجلس إلى حد الآن تقديم طلب عاجل إلى حركة حماس بتسليم أسلحتها هي وجميع فصائل
المقاومة، مقابل وعد بالشروع في إعادة بناء غزة. وهو وعد
إسرائيلي أمريكي مشكوك في
تنفيذه حتى بعد استسلام المقاومة، إنها أطراف لا تلتزم بالوعود ولا تعترف
بالقوانين والمعاهدات. فأيديها ملوثة بدماء الضحايا، وولاؤها للصهيونية أكثر من ارتباطها
بأوطانها. لم يتخلوا عن مسعاهم نحو تهجير الغزاويين، رغم انشغالهم حاليا بالحرب
على إيران، هم قوم لا يؤتمنون ولا يوثق فيهم ولا يعتمد عليهم، ويصدق في شأنهم قوله
سبحانه
بالرغم من وقوف عموم المسيحيين من إسرائيل، ودعم الكثير منهم المخططات الصهيونية عبر عشرات السنين، يقف اليوم نتنياهو ليقول بعظمة لسانه "المسيح ليست له أفضلية على جنكيز خان"
وتعالى: "وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ
أَسْلِحَتِكُم وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً".
وهو ما حصل مع السلطة التي تُسحب منها الضفة شيئا فشيئا دون أن تقدر على تغيير
مصيرها.
يكفي الاستماع لما تتفوه به أفواههم، لكي يدرك الجميع طبيعة هؤلاء وكيفية
التعامل معهم. إذ بالرغم من وقوف عموم
المسيحيين من إسرائيل، ودعم الكثير منهم
المخططات الصهيونية عبر عشرات السنين، يقف اليوم
نتنياهو ليقول بعظمة لسانه "المسيح
ليست له أفضلية على جنكيز
خان" الذي عرف بتوحيد القبائل
المغولية، وبكونه القائد العسكري الأكثر رعبا في التاريخ. ثم يضيف: "في هذا العالم،
لا يكفي أن تكون أخلاقيا، ولا يكفي أن تكون عادلا، ولا يكفي أن تكون على حق". وهو بذلك يقر بأن يمن يريد أن يكون قائدا ناجحا عليه
أن يكون مدافعا شرسا عن "فلسفة الشر"، ولا يكون بالتالي مثل المسيح عليه
السلام الذي كانت عقيدته "من
ضربك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا" حسبما ورد في
إنجيل متى.
وبقطع النظر عن استخفاف نتنياهو بالرسول عيسى بن مريم، وهو سلوك شائع في جزء
من أوساط اليهود الذين كلما اعترضهم مسيحي أو مروا بكنيسة بصقوا عليه وعليها كجزء
من عقيدتهم، وإنما الأخطر من ذلك أنه بقوله هذا يؤكد بأن المعركة ضد إسرائيل هي
معركة وجود ومعركة ضد الشر المطلق.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.