ماذا وراء ثورة البابا على زعيم الطغاة؟

صلاح الدين الجورشي
"هاجم ليون الرئيس الأمريكي إثر تهديده بمحو الحضارة الإيرانية"- الأناضول
"هاجم ليون الرئيس الأمريكي إثر تهديده بمحو الحضارة الإيرانية"- الأناضول
شارك الخبر
لأول مرة منذ ألفي سنة يؤدي بابا الفاتيكان زيارة رسمية إلى الجزائر. وتحمل هذه الزيارة دلالات عميقة ومهمة، ورغم أن الرمز الروحي للكاثوليكية كان يرغب في أن تتم هذه الزيارة بعد انتخابه مباشرة، لكن ذلك لا يقلل من أهمية هذه الخطوة. كان يعلم أن النظام الجزائري لا يتساهل مع التبشير، وقد سبق له أن أغلق عشرات الكنائس العشوائية، ولهذا لم تكن زيارته ذات طابع دعوي. وإنما كان الدافع الرئيسي للبابا هو الوفاء لمرشده الروحي سانت أوغستين، ذلك الكاهن الأمازيغي الذي لعب دورا حاسما في تركيز عقائد المسيحية وتثبيت أقدامها، حتى فتحت الطريق لأحد أتباعها في أمريكا ليرتقي إلى أعلى درجة في البابوية. ورغم دفاع أوغستين عن عقيدة الخطيئة الأصلية ومساهمته الكبيرة في جعلها من مرتكزات الفلسفة المسيحية لدى الكثير من المؤمنين، وهي من بين المسائل الإشكالية التي تواجه المؤمنين خاصة الكاثوليك منهم، إلا أن مخزونه الفلسفي مكنه من صياغة خطاب عقلاني بالنسبة لعديد القضايا الدينية.

سيذكر التاريخ أن ليون الرابع عشر لم يختلف كثيرا عن سابقه البابا فرانسيس في مجال تعزيز الخطاب النقدي للكنيسة، وتخفيف نزعتها المحافظة والخاضعة لقوى الهيمنة والاستبداد السياسي، لكن أسلوبه مختلف في التعبير عن ذلك. فهو لم يتردد في مناهضة الاستبداد ومواجهة الطغاة، وهو ما تجلى في الخطب التي ألقاها خلال جولته الأفريقية؛ لقد اتهمهم بـ"تدمير العالم"، وانتقد بشدة "القادة الذين يستخدمون الخطاب الديني لتبرير الحروب"،
هذا الغضب الكاثوليكي ستكون له تداعيات واسعة، ليس فقط على الصعيد السياسي، وإنما الأهم من ذلك على الصعيد الديني، وما يترتب عنه من تغيير مهم على موازين القوى محليا ودوليا
مؤكدا على أن قادة الحرب يدعون بأن "التدمير لا يستغرق سوى لحظة، بينما لا يكفي العمر لإعادة البناء في كثير من الأحيان. ويتجاهلون حقيقة إنفاق مليارات الدولارات على القتل والدمار، في حين أن الموارد اللازمة للتعافي والتعليم وإعادة الإعمار غائبة تماما".

ظهر هذا الخطاب بوضوح كبير في الاشتباك الدائر بين البابا والرئيس ترامب، حيث هاجم ليون الرئيس الأمريكي إثر تهديده بمحو الحضارة الإيرانية، قائلا بكونه ينفق المليارات من أجل القتل، و"جر المقدس من أجل الظلم والنجاسة". ولم يتردد في اتهام ترامب بالتلاعب بالدين وتوظيفه لأهداف سياسية معادية للقيم والأخلاق. وهذا ما دفع بترامب إلى مزيد من التشنج فهاجم البابا، وقال إنه لا يعترف به، وأنه إنسان ضعيف، وطالبه بعد التدخل في السياسة وأن يكتفي برعاية طائفته.

وكانت نتيجة هذا الاشتباك، ثورة غضب شملت مئات الملايين من الكاثوليك داخل أمريكا وفي كل أنحاء العالم. إذ من المعلوم أن أغلب المسيحيين في الولايات المتحدة ينتمون إلى البروتستانت، وتعتقد غالبيتهم على الأقل بعقيدة "المسيحية الصهيونية" وكانوا وراء نجاح ترامب في الانتخابات الرئاسية. لكن هذا الغضب الكاثوليكي ستكون له تداعيات واسعة، ليس فقط على الصعيد السياسي، وإنما الأهم من ذلك على الصعيد الديني، وما يترتب عنه من تغيير مهم على موازين القوى محليا ودوليا.

متابعة تصريحات البابا أمر مهم للغاية في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ العالم، لقد عاد الدين بقوة، ورغم ما يقال عن تراجع اهتمام الغربيين بالشؤون الروحية، فإن البابا لا يزال يعتبر من بين المؤثرين ليس فقط في حياة المؤمنين به وإنما أيضا في السياسة الدولية. ويكفي النظر في رد فعل رئيسة الحكومة الإيطالية التي انتقدت الرئيس الأمريكي، وهي حليفته الأولى في أوروبا، ورفضت دعوته للفصل بين الدين والسياسة، وصرحت بكونها ضد إخضاع رجال الدين لحكم السياسيين، وهو ما جعل ساكن البيت الأبيض يغضب منها ويعتبرها امرأة ضعيفة. وكانت نتيجة ذلك التحاق إيطاليا بإسبانيا وفرنسا في اتخاذ قرارات فاعلة في مجال مقاطعة عسكرية لإسرائيل، والابتعاد عن سياسة ترامب.

يتبين مما تقدم، أن دولة الفاتيكان، وإن لم يكن لها جيش وسلاح، إلا أن وزنها وتأثيرها دينيا وسياسيا كبير وهام. فالمسافة بينها وبين الكيان الصهيوني تعمقت كثيرا خلال الفترة الأخيرة بسبب الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل في غزة، وهو تحول مهم؛ على الفلسطينيين وأنصار السلام تثمينه والاستفادة منه كثيرا في سياق نضالهم من أجل الحرية والكرامة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)